فوضى التعيينات والإعفاءات بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا: من يحكم فعليا، القانون أم المزاج الإداري؟

24 أبريل 2026

شكير بوشعيب
لم يعد ما يجري داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا مجرد اختلالات ظرفية، بل تحول إلى مؤشر واضح على أزمة بنيوية في تدبير مناصب المسؤولية داخل مؤسسة يفترض أن تجسد نموذج الحكامة العمومية.

بين خروقات تطال مساطر الترشح لمناصب استشفائية بمستشفى ابن سينا الجديد، وإعفاءات وتنقيلات تنفذ خارج الضوابط القانونية بمستشفى الأطفال، يتبلور واقع صريح: تراجع منطق الشرعية لصالح منطق التدبير الارتجالي.

لا أحد يناقش مبدأ إعادة الهيكلة أو تجديد المسؤوليات، لكن الإشكال الجوهري ليس في الهدف، وإنما في الوسيلة. حين تفتح مناصب للتباري وهي غير شاغرة قانونيا، وحين يعفى مسؤولون دون قرارات معللة وصريحة، فإننا لا نكون أمام إصلاح مؤسساتي، وإنما أمام إعادة توزيع للمسؤوليات خارج قواعد المشروعية.

الأخطر هو تغييب الآليات المؤسسية. فمجلس الإدارة، المفترض أنه مرجع في التنظيم، يتم تجاوزه، والهيئات العلمية تقصى من مساطر يفترض أن تمر عبرها، فيما تهمش الجامعة باعتبارها فاعلا أساسيا داخل المستشفى الجامعي. والنتيجة واضحة: قرارات تتخذ خارج توازناتها المؤسسية الطبيعية.

كما أن شعار “إعادة الهيكلة” تحول عمليا إلى غطاء فضفاض، يستعمل دون مرجعيات تقييم واضحة، ولا معايير معلنة، ولا تصور مؤطر للانتقال بين المراحل. في المقابل، تفرض شروط مسبقة على الترشح، بما يوحي أن معيار الاختيار لم يعد الكفاءة وحدها، وإنما مدى التوافق مع تصور إداري جاهز مسبقا.

في مستشفى الأطفال، تتجلى الصورة بشكل أكثر حدة: إعفاءات وتنقيلات تتخذ خارج المساطر، دون تعليل كاف، وفي غياب احترام الإجراءات القانونية. المفارقة صارخة: مناصب تسحب بلا سند واضح، ومناصب تفتح دون تحقق فعلي من شغورها. وهو ما يمس مباشرة استقرار المرفق، ويضعف الثقة داخله.

الخلل لم يعد تقنيا فقط، بل أصبح إشكالا في طبيعة تدبير السلطة داخل المؤسسة. والسؤال الجوهري يفرض نفسه: هل المرجعية هي القانون والمؤسسات، أم منطق القرار الفردي؟

حين تتخذ قرارات بهذه الحساسية خارج الأطر المؤسسية، فإنها تفقد جزء كبيرا من مشروعيتها، وتفتح الباب أمام الطعن فيها، وتضعف جوهر الحكامة نفسها.

استمرار هذا النهج لا يهدد السلم الإداري فقط، بل يخلق احتقانا داخليا، ويقوض الثقة بين المهنيين والمؤسسة، بما ينعكس سلبا على الخدمة الصحية ككل. فلا إصلاح يمكن أن يبنى خارج القانون، ولا حكامة يمكن أن تستقيم بمنطق الاستثناء.

المطلوب واضح: وقف كل المساطر التي تحوم حولها إشكالات قانونية، وتصحيح الوضعيات الإدارية وفق القواعد المنظمة، وإعادة إطلاق التعيينات على أساس الشفافية وتكافؤ الفرص، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والهيئات العلمية داخل القرار.

خارج ذلك، نحن أمام مسار خطير: مؤسسة استشفائية جامعية تدار بمنطق ارتجالي بدل منطق مؤسساتي، والنتيجة لا يتحملها سوى العاملين والمرتفقين معا.

هذا ليس توصيفا عابرا، بل إنذار مباشر: إما استعادة منطق القانون، أو ترسيخ الفوضى كقاعدة تدبير.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...