أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟
عمر العمري
تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في المرحلة المقبلة..
لقد كشفت هذه الحرب أن قدرة إيران وحلفائها على الصمود أمام واحدة من أضخم الآلات العسكرية في العالم ارتبطت، إلى جانب عوامل أخرى، بحسن استثمار أوراق استراتيجية حاسمة، في طليعتها الموقع الجغرافي، والمضايق الحيوية، والتصنيع الذاتي، والقدرة على تعبئة العامل البشري..
وبينت، في المقابل، انكفاء قوى إقليمية أخرى، وفضحت مخاطر الارتهان إلى الخارج، والاعتماد على حماية الغير، والخضوع لأجندات معادية، بما يجعل من الضروري التوقف عند جملة من الدروس الكبرى التي يتعين على المغرب أن يستوعبها بوعي ومسؤولية:
أولا: تقتضي المصلحة الوطنية إعادة النظر في منظومة الأمن الغذائي للمواطنين، مع إعطاء الأولوية للصناعات المحلية، في أفق بلوغ قدر معتبر من الاكتفاء الذاتي في أقرب الآجال الممكنة، وتفرض المرحلة المقبلة استثمار كل شبر من الأرض، وكل قطرة ماء، من أجل تأمين الحاجات الأساسية للبلاد.
ويظل الجوع أول خطر استراتيجي يمكن أن يواجه العالم في أزمنة الاضطراب، لأن المجتمعات حين تفقد أمنها الغذائي تخرج سريعا من منطق الانضباط إلى منطق البقاء، وعندئذ تصبح كل الاحتمالات مفتوحة.
ثانيا: يفرض بناء صناعة عسكرية محلية، وتعزيز الاعتماد على الذات في تأسيس قوة دفاعية وطنية، نفسه باعتباره خيارا استراتيجيا لا يحتمل التأجيل، لأن الارتهان إلى الخارج في اقتناء السلاح من أكبر المخاطر المحدقة بنا مستقبلا.
ويحتم موقع المغرب الجيوسياسي حسن استثمار مؤهلاته الجغرافية، من بحار وجبال وصحارى ومضيق جبل طارق، باعتبارها أوراق قوة يمكن توظيفها عند الطوارئ وفي سياق الردع والتحصين، خاصة في محيط إقليمي لا يخلو من خصوم يتربصون بالمملكة.
ويظل بناء قوة عسكرية ذاتية غير كاف ما لم يواكبه مزيد من ترسيخ العقيدة العسكرية المغربية، التي تشكلت عبر قرون على أساس مقاومة الهجمات الاستعمارية، واسترجاع الثغور المحتلة (سبتة ومليلية وغيرها)، وتحصين الحدود (الصحراء الشرقية)، وصون سيادة البلاد، وقد شهدت معارك المغرب التاريخية على رسوخ هذا الامتداد القتالي والدفاعي.
ثالثا: تفرض دروس الحرب إعادة وضع الأمن الطاقي في صلب التفكير الاستراتيجي للدولة، لأن البلد الذي لا يملك قدرا معقولا من الاستقلال في مصادر الطاقة، أو على الأقل هامشا آمنا من الحماية في هذا المجال، يظل معرضا للاهتزاز عند أول أزمة إقليمية أو دولية كبرى.
ويقتضي ذلك المضي في بناء سياسة وطنية أكثر جرأة ووضوحا في مجال الطاقات المتجددة، والتخزين، وتأمين سلاسل التوريد، حتى لا يبقى القرار الوطني عرضة لابتزاز الخارج أو لتقلبات الأسواق والصراعات.
رابعا: تستدعي التحولات الجارية بناء قوة سيبرانية واستخباراتية متقدمة، لأن الحروب الحديثة لا تحسم في البر والبحر والجو فحسب، ولكن تحسم كذلك في الفضاء الرقمي، وفي ميدان المعلومة، وفي القدرة على الرصد المبكر، والتحليل الدقيق، وحماية البنيات التحتية الحيوية من الاختراق والتعطيل.
ولم يعد الحديث عن سيادة حقيقية ممكنا من دون يقظة استخباراتية عالية، وأمن رقمي محكم، وقدرة متواصلة على استباق التهديدات الجديدة قبل أن تتحول إلى وقائع مكلفة على الأرض.
خامسا: تكشف الحرب الإيرانية الأمريكية أن من أهم أسباب الصمود والنصر وجود عقيدة دينية متماسكة، لأنها تشكل الحافز الأعمق على المقاومة والصبر وتحمل الكلفة في مواجهة الأعداء، ويملك المغرب في هذا المجال رصيدا نوعيا لا يقل عن غيره، بوجود مؤسسة إمارة المؤمنين التي يلتف حولها الناس باعتبارها مرجعية جامعة ومصدر تماسك روحي ورمزي.
ويقتضي ذلك استثمارا أكبر في بناء عقيدة دينية وطنية تستلهم عناصر القوة والثبات والمقاومة، لأن المرحلة المقبلة سيكون فيها للدين والعقيدة دور حاسم في تثبيت المناعة الداخلية وتعزيز وحدة الأمة ومقاومة المعتدي..
سادسا: تستدعي المرحلة المقبلة إعادة النظر في أدوار الدبلوماسية المغربية العريقة، عبر الحفاظ على نقاط القوة الراهنة في بناء علاقات متينة مع العالم الغربي والإفريقي والخليجي، مع الانفتاح في الآن ذاته بصورة أوسع على الشرق، ولا سيما الصين وروسيا وإيران.
وتبين تطورات الحرب الجارية حجم الضعف الذي طبع الدبلوماسية العربية إجمالا في لحظة اختبار حاسمة (غياب مشروع عربي)، وهو ما يفرض على المغرب أن يعزز تموقعه الاستراتيجي بقدر أكبر من التوازن والاستقلالية وحسن قراءة التحولات الدولية..
سابعا: يستحيل تحقيق ما سبق من دون إصلاح سياسي مستعجل، قوامه تمكين الوطنيين الصادقين من تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام في المرحلة المقبلة، ويقتضي ذلك إجراء انتخابات حرة ونزيهة تفرز حكومة قادرة على تأمين الغذاء، وتحقيق توزيع عادل للثروة الوطنية، وبناء عناصر القوة العسكرية المتطورة.
ويظل كل حديث عن السيادة والقوة والمناعة الوطنية مجرد لغو سياسي إن لم يسنده بناء مؤسسات حقيقية، فعالة وقادرة على تحويل التصورات إلى سياسات عملية..
المستقبل للأقوياء..
التعليقات