ملاحظات أولية على هامش تفاعلنا الجمعي مع الحرب في المشرق
منتصر حمادة
لم ينتظر المتتبع كثيرا حتى يخرج بأولى الانطباعات أو النتائج الي تهم تفاعلنا الجمعي مع تداعيات الحرب القائمة في المشرق، وأتوقف هنا عند خلاصات أولية من وحي مخرجات الأيام الأولى التي تلت الحرب، فالأحرى مخرجات الأيام وربما الأسابيع الموالية.
يمكن تلخص أهم الملاحظات في العناوين التالية، مع الإشارة إلى أن كل عنوان منها يحتاج إلى تفصيل وتدقيق وأمثلة، لذلك نقتصر على الإشارات، وبعض الوقفات العابرة مع بعضة عناوين:
ــ عودة خطاب تكفير الأنظمة العربية من قبل عدة مرجعيات، بما في ذلك بعض أتباع المرجعية اليسارية وبعض مروجي خطاب “المراجعات” عند الحركات الإسلامية؛
ــ عودة التفاعل المؤسس على ثنائية التشيع السياسي والتشيع العقائدي، ومن ذلكـ خلع قناع التقية؛
ــ الترويج للقراءات أحادية المحددات، من قبيل قراءة دوافع الحرب من منظور ديني أو من منظور سياسي.. إلخ؛
ــ عودة خطاب الولاء للخارج على حساب الولاء للوطن، والنموذج هنا مع الولاء لثلاث مشاريع إقليمية تتصارع فيما بينها: المشروع التركي والمشروع الإيراني ومشروع الكيان؛
ــ تواضع منتظر في القراءات التي تنهل من الاقتصاد السياسي لأن عدد تلك الأقلام قليل أو نادر، قلة القراءات التي تسلط الضوء على أدوار التكنولوجيا والعلوم والثورة الرقمية بما فيها ثورة الذكاء الاصطناعي؛
غَلَبة الخطاب العاطفي وقراءات الأماني، خطاب الذاكرة القصيرة الذي يصرف النظر عن دروس التاريخ، القديم والحديث والمعاصر.. إلخ.
ــ تباين مواقف المشاريع الإخوانية في المنطقة العربية، من قبيل موقف إخوان موريتانيا المؤيد للمشروع الإيراني، بل إنهم أقاموا حفل إفطار لسفيرها وقبلوا يده، أو موقف إخوان سوريا الذي “يدين بشدة العدوان الإيراني على دول المنطقة “، فالأحرى موقف إخوان مصر، والموزع على خمسة تيارات، بحسب وجودهم في لندن أو تركيا أو قطر أو إفريقيا أو دول الخليج العربي.
******
بالنسبة لعودة خطاب تكفير الأنظمة العربية من قبل عدة مرجعيات، بما في ذلك بعض أتباع المرجعية اليسارية وبعض مروجي خطاب “المراجعات” عند الحركات الإسلامية، قبين أيدينا حالة باحث أردني، كان في زمن ما من أتباع المرجعية السلفية الجهادية، قبل انخراطه في مراجعات، وأصبح يؤلف ويحاضر حول الظاهرة الإسلامية الحركية، مع أخذه مسافة نظرية وتنظيمية منها، لكن، بمجرد اندلاع أحداث 7 أكتوبر بداية، والحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ــ الإيرانية، أصبح الرجل يتحدث بخطاب لا يختلف كثيرا عن خطاب ما قبل المراجعات، والأمر نفسه مع أسماء بحثية أخرى في المنطقة العربية.
في ما يتعلق بالتفاعل المؤسس على ثنائية التشيع السياسي والتشيع العقائدي، ونقصد به وجود تيار متشيع، منتظر منه أن يكون مواليا للموقف الإيراني في هذه الحرب، انطلاقا من مقتضى الولاء العقدي، موازاة مع تيار سني، لكنه متأثر بالدعاية الإيرانية، أو متشيع لكنه يمارس التقية، لولا أن اندلاع هذه الأحداث تكشف عن هذه الجزئية، كما هو الحال مع بعض الباحثين من المغرب والجزائر. القاسم المشترك بين هؤلاء، أنهم أقرب إلى التشيع العقائدي، حيث إنهم طيلة اندلاع عدة أحداث جسام في المنطقة، كانوا يطبقون الصمت، بما في ذلك أحداث الفوضى الخلاقة ابتداء من سنة 2011 ـ التي توصف بأحداث الربيع العربي عند التيار الإسلامي الحركي وعند يسار الإخوان وتيارات أخرى ــ لكن، بمجرد اندلاع الحرب الأخير، أصبحت وتيرة تفاعل هذه الأسماء مرتفعة كثيرا مقارنة مع تفاعلات مرحلة ما القبل.
وهذا غيض من فيض دروس تفاعلنا الجمعي، وهي الدروس التي تقتضي الكثير من التأمل والاعتبار، سواء عند صناع القرار أو عند الباحثين والمتتبعين.
التعليقات