مشيخة الزاوية الوزانية .. بين الحقيقة المؤجلة والواجب التاريخي

7 مارس 2026

محمد التهامي القادري

في اللحظات المفصلية من تاريخ المؤسسات الروحية، لا يكون الصمت فضيلة، ولا المجاملة حكمة، ولا تأجيل الأسئلة الكبرى ضربا من التعقل. فحين يتعلق الأمر بمؤسسة عريقة مثل الزاوية الوزانية، فإن مسؤولية الكلمة تصبح جزءا من مسؤولية الانتماء، ويغدو النقد الواعي الرصين المسؤول مظهرا من مظاهر الوفاء للمؤسسة لا موقفا مناوئا لها، أو تعبيرا عن موقف عدائي ممن يقفون وراء تدبير وتسيير شؤونها. ومن هذا المنطلق، يفرض الواقع نفسه بإلحاح، ويستدعي إعادة طرح السؤال في صيغته الصحيحة، ليست القضية “من يكون الشيخ؟”، بل “أي نموذج للمشيخة نريد؟”، “وأي أهلية يجب أن تتوفر فيمن يتصدر هذا المقام؟”.

حين يُختزل النقاش في سؤال “من يكون الشيخ؟”، فإننا نُخطئ العنوان. فالقضية ليست اسما يُتداول، ولا لقبا يُورَّث، ولا صورة تُعلَّق في صدر المجالس. القضية أعمق من ذلك بكثير، إنها سؤال النموذج، سؤال الكفاءة، سؤال الأهلية. إن قراءة هادئة لواقع الزاوية الوزانية اليوم تُظهر بجلاء – لا لبس فيه – أن المسألة لا تتعلق بخلافات داخلية، بل بأزمة قيادة تعكس خللا في معيار الأهلية. فالمشيخة، حين تُسند إلى من لا يملك زادا علميا كافيا، ولا رؤية فكرية ناضجة، ولا قدرة على تمثيل المؤسسة أمام تحديات العصر، تتحول من قوة دافعة ورافعة للزاوية إلى عبء يثقل كاهلها، ومن منبع إشعاع ومكانة راسخة وسمعة مرموقة إلى موضع هشاشة وضعف أمام التحديات.

ليس المقصود هنا محاكمة أفراد، بل تشخيص وضع مؤسسي يفرض نفسه، وتوصيف لواقع ملموس يحتاج إلى مساءلة صريحة ويستدعي مراجعة وقراءة نقدية جادة. “شيخ طريقة” لا يُسمع له حضور علمي مُؤثر، ولا يُعرف عنه إنتاج فكري يُعتد به، ولا تبدو في آليات تدبيره وتسييره ملامح مشروع واضح لمستقبل الزاوية. فكيف يُنتظر من مؤسسة روحية عريقة أن تتجدد بقيادة لا تُجدد؟ وكيف يُطلب من المريدين (إن كان لا يزال لهم وجود في الواقع) أن يمنحوا ثقتهم لمشيخة عاجزة عن الإقناع علميا وعن الإلهام برؤية صائبة؟. لقد تغيّر السياق الديني في المغرب، بحيث أصبحت الزوايا جزءا من هندسة دينية دقيقة تُدار في ظل إمارة المؤمنين التي يتولاها سيدنا الهمام جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره. ولم يعد مقبولا أن تُدار مؤسسة تاريخية بعقلية تقليدية ضيقة وقاصرة، أو بمنطق “الحق العائلي” المجرد. المشيخة ليست لقبا يُحمل، بل وظيفة قيادية تُقاس بأهلية صاحبها وقدرته على النهوض بالمؤسسة، المشيخة مقام تكليف لا مقام تشريف، ومعيارها الكفاءة قبل كل اعتبار. فالنسب – مهما كان شريفا – لا يمنح صاحبه تلقائيا أهلية القيادة، إذ أن الجلوس في مقام المشيخة لا يكتسب قيمته من النسب وحده، بل من القدرة على حمل أعباء قيادة مؤسسة الزاوية وصون إرثها.

إن ضعف الأهلية اليوم لا يظهر فقط في غياب الإشعاع العلمي، بل كذلك في ارتباك التدبير، وفي عجز عن توحيد الصف، وفي غياب خطاب جامع يرفع منسوب الثقة داخل البيت الوزاني وخارجه. وكلما طال هذا الضعف، ازداد التآكل الرمزي، وتراجع حضور الزاوية في محيطها الاجتماعي. السؤال الحقيقي إذن ليس هو “هل الشيخ موجود؟”، بل “هل هو أهلٌ للمشيخة؟”، “هل يملك العلم الكافي؟”، “هل يمتلك رؤية إصلاحية واضحة؟”، “هل يستطيع أن يقود مؤسسة بتاريخ الزاوية الوزانية إلى مستقبل يليق بها؟”. إن النموذج الذي تحتاجه الزاوية الوزانية اليوم هو نموذج الشيخ العالم، القادر على مخاطبة العصر بلغة رصينة، وعلى إدارة الخلاف بحكمة، وعلى الجمع بين الشرعية النسبية والكفاءة الفعلية.

أما الإبقاء على وضع تُسند فيه المشيخة إلى من لا تتوافر فيه شروط القيادة الفكرية والمؤسساتية، فهو استمرار في استنزاف الرصيد التاريخي. هذه الملاحظات ليست نابعة من منطلقات ملغومة، أو من حسابات ضيقة، بل من غيرة على مستقبل الزاوية وحمايتها، المقصود هو إعادة الاعتبار لمقياس الأهلية في القيادة، لا الدخول في سجال شخصي، وترسيخ ثقافة القيادة الكفؤة داخل المؤسسة.

الزاوية الوزانية أكبر من أن تُختزل في أداء باهت، وأعرق من أن تُدار برؤية محدودة. ولهذا، فإن المطلب الجوهري يظل قائما بقوة، لسنا في حاجة إلى شيخ يحمل الاسم، بل إلى شيخ يحمل المشروع، ولسنا في حاجة إلى عنوان بلا مضمون، بل إلى مشيخة قادرة على القيادة والتجديد، وتملك أهلية حقيقية ومشروعا واضحا. وما لم يُحسم الاختيار لصالح نموذج قائم على العلم، والكفاءة، والقدرة القيادية الحقيقية، فسيظل النقاش دائرا في حلقة مفرغة، وسيبقى الضعف عنوان المرحلة، بدل أن يكون التجديد هو أفقها.

إن مستقبل الزاوية الوزانية لن يُبنى بالشعارات الفضفاضة الزائفة، ولا بمحاولة إخفاء الشمس بالغربال عبر التستر على أوجه القصور ومنعها من أن تكون موضوع نقد صريح، بل بإرساء معيار الأهلية كقاعدة تحفظ الرمزية وتحمي الإرث التاريخي. فالمؤسسات الروحية، حين تفقد بوصلة الكفاءة، تبدأ في فقدان تأثيرها تدريجيا، حتى وإن بقيت أسماؤها حاضرة في الذاكرة. إن لحظة الجهر بالحقيقة قد آن أوانها، إما مشيخة تُجدد وتُقنع وتُوحد، وإما استمرار في مسار يراكم الضعف والهوان ويعمّق الفجوة بين التاريخ والواقع. إن جوهر القضية لم يعد في تحديد من يتصدر المشهد ويقود، وإنما في الوجهة التي تُساق إليها المؤسسة نفسها، هل تُدفع نحو مسار يعيد إليها بريقها التاريخي ومكانتها الاعتبارية، أم نحو مزيد من التآكل الرمزي والتراجع المعنوي؟ …

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...