هل تحتاج إدارة المجتمعات إلى رأي شرعي في كل شيء؟

7 مارس 2026

نبيل البوركي. باحث يمني

قد يتردد أحياناً في النقاشات العامة مقولة : «لا رأي شرعياً في السياسة». وهذه العبارة، على إطلاقها، قد تبدو مستفزة للبعض أو مثيرة للجدل، لكنها في حقيقتها تطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين وإدارة الشأن العام. فالمجتمعات، ومنها المجتمعات الإسلامية، لا تعيش خارج منظومتها القيمية والدينية؛ بل إن هذه المنظومة تمثل الإطار الأخلاقي والثقافي الذي يوجه سلوكها العام.

وبالنسبة للمسلمين، فإن هذه القيم الحاكمة يمكن فهمها في ضوء ما استقر عليه الفقه الإسلامي من المقاصد الكلية الخمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وقد أجمع علماء أصول الفقه على أن هذه المقاصد تمثل الغاية الكبرى للتشريع الإسلامي، وأن كل ما يحققها أو يحفظها يدخل في دائرة المقاصد الشرعية.

من هذا المنطلق، فإن السياسة – إذا فهمناها بوصفها إدارة شؤون المجتمع وتنظيم مصالحه – لا تنفصل عن هذه المقاصد، بل إن وظيفتها الأساسية هي تحقيقها في الواقع العملي. فحفظ الأمن، وصيانة الأموال، وبناء المؤسسات التعليمية، وتنظيم الاقتصاد، وتطوير الخدمات الصحية، كلها أعمال سياسية وإدارية تصب في نهاية المطاف في تحقيق تلك المقاصد الكلية.

غير أن المشكلة تظهر عندما يُفهم الدين على أنه منظومة تفصيلية لإدارة كل جزئية من جزئيات الحياة اليومية. فحركة المجتمع بطبيعتها حركة واسعة ومتغيرة ومعقدة، ولا يمكن اختزالها في سلسلة متصلة من الفتاوى. فالمصالح التي تقوم عليها حياة الناس ليست ثابتة دائماً، بل هي مصالح متجددة ومتعددة ومتداخلة، وقد ازدادت تعقيداً مع تطور الدولة الحديثة وتوسع تدخلاتها في مجالات الاقتصاد والتجارة والتعليم والتكنولوجيا والصحة وغيرها.

ولهذا، فإن إدارة هذه المصالح لا تحتاج بالضرورة إلى فتوى في كل شاردة وواردة، بقدر ما تحتاج إلى خبرة بشرية وإدارية وعلمية. فالدولة الحديثة تقوم على شبكة واسعة من المتخصصين: اقتصاديين، وإداريين، ومهندسين، وخبراء قانون، ومخططي سياسات عامة. وهؤلاء جميعاً يعملون في إطار تحقيق مصالح المجتمع وتنظيمها، وهي مصالح يعرفها الناس بالضرورة ويدركونها بحكم الخبرة والتجربة.

وفي هذا السياق، لا يكون دور الفقيه أو المفتي هو إدارة تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع، بل تأطيرها بالقيم العامة والمقاصد الكلية. فالفقه الإسلامي نفسه يقرر أن «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات»، وأن مساحة الاجتهاد والفتوى إنما تتركز في دائرة هذه المشتبهات. وهي دائرة – إذا ما قورنت بسعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية – دائرة محدودة نسبياً.

أما تحويل الفقيه إلى مرجع مباشر لكل تفاصيل إدارة المجتمع اليومية، فذلك أمر لا نجد له سابقة واضحة في تاريخ الفقه الإسلامي. فقد كان الفقهاء يقدمون الرأي الشرعي في القضايا التي تستدعيه، لكن إدارة شؤون الدولة والمجتمع كانت في الغالب من اختصاص ولاة الأمر وأهل الخبرة والإدارة.

والأصل في الأشياء – كما قرر الفقهاء – الإباحة، ما لم يرد نص بالتحريم أو المنع. ومن هنا فإن مساحة الفعل الإنساني في إدارة الشأن العام تبقى واسعة، ما دامت تتحرك في إطار تحقيق المصالح العامة وعدم الإضرار بالمجتمع أو انتهاك المقاصد الكلية للشريعة.

ولهذا يمكن فهم العبارة المثيرة للجدل «لا حلال ولا حرام في السياسة» في سياقها الصحيح: فالمقصود ليس نفي القيم أو الأخلاق عن السياسة، بل الإشارة إلى أن السياسة – بمعناها العملي – هي مجال لتنظيم المصالح البشرية المتغيرة، لا مجالاً لتطبيق قائمة جامدة من الأحكام التفصيلية.

وقد عبّر الفقيه الحنبلي ابن عقيل عن هذا المعنى بدقة حين قال:

«السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولم ينزل به وحي».

بهذا المعنى، تصبح السياسة مجالاً واسعاً للاجتهاد الإنساني، يستلهم القيم الكبرى للدين، لكنه لا يقف عند حدود الفتوى في كل تفصيل من تفاصيل الحياة. فالدين يقدم الإطار القيمي والمقاصدي، أما إدارة الواقع المتغير فهي مهمة البشر وخبراتهم وتجاربهم.

وفي نهاية المطاف، فإن التوازن المطلوب ليس إقصاء الدين عن المجال العام، ولا تحويله إلى سلطة تفصيلية تدير كل حركة في المجتمع؛ بل الاسترشاد بالمقاصد والقيم الكبرى، وترك مساحة الاجتهاد البشري لتنظيم حياة الناس وتحقيق مصالحهم. وفي هذا التوازن يكمن أحد أهم أسرار حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على التفاعل مع تعقيدات الواقع المتجدد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...