رغم التعددية المذهبية في العالم الإسلامي: واشنطن لها عين واحدة في القراءة

6 مارس 2026

عمار علي حسن 

رغم تعدد الرؤى داخل الدين الإسلامي: فرق وجماعات وأحزاب ومذاهب وتصورات تتدرج من الاعتدال إلى التطرف، ومن قبول الآخر، والبحث عن مساحات مشتركة معه ومنفعة لديه، إلى النفور منه وكراهيته، فقد بقيت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى المسلمين بعين واحدة، هي عين إمبراطورية بزغ نجمها بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تقف على رأس العالم من حيث القدرات العسكرية، والإمكانيات الاقتصادية، وفرض الأفكار التي تنتجها، وكذلك بعض التصورات السياسية التي تتبناها.
نعم يموج المجتمع الأمريكي بأفكار متعددة حول الإسلام، بعضها يحمله المسلمون الأمريكيون أنفسهم، أو مهاجرون يعتنقون ديانات مختلفة، لكن استراتيجية الدولة الأمريكية حيال المسلمين تتسم بقدر كبير من التماسك أو التوحد، الذي يخدم مصالح أمريكا في العالم الإسلامي، بوصفه الامتداد الجغرافي، الذي يتوسط العالم، من غانا إلى فرغانة.
تدرجت علاقة واشنطن، رسميًا، بالعالم الإسلامي ـ والإسلام كعقيدة وثقافة في قلبه ـ من محاولة الاكتشاف، وبناء علاقات تجارية أو أمنية، لتصل إلى محاولة تغيير الكثير من الأفكار والطقوس الدينية نفسها. ويمكن تتبع هذا التطور أو بالأحرى التغير، على النحو التالي:
1 ـ سعت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر إلى أن تجد على أرض بلاد المسلمين، لاسيما دول المغرب العربي، مرافيء ترسو فيها السفن الأمريكية التي تحمل السلع من دول شرق آسيا، وعلى رأسها التوابل والشاي. وأخذت واشنطن هذه المنفعة في حسبانها وهي تتصرف بمعزل عن الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا، كي لا تنعكس سلبياته على التجارة الأمريكية.
2 ـ حين انسحبت بريطانيا من شرق السويس، وهي تعني منطقة الخليج العربي الذي ظهر فيها النفط، كان على الولايات المتحدة أن تملأ هذا الفراغ، ومن ثم سعت واشنطن على بناء علاقات متميزة مع أنظمة الحكم القائمة، حتى تضمن تدفق النفط إليها.
3 ـ بعد إعلان قيام إسرائيل في عام 1948 أكملت الولايات المتحدة الطريق الذي بدأته بريطانيا بترتيب وهندسة علاقاتها مع نظم الحكم في المنطقة العربية، بما يضمن أمن الدولة العبرية.
4 ـ مع ظهور الاتحاد السوفيتي كمنافس قوي للولايات المتحدة في الساحة الدولية، كان على واشنطن، كما كانت لندن، أن توظف التصور الإٍسلامي التقليدي أو المحافظ، أو الجماعات والتنظيمات الإسلامية صاحبة المشروع السياسي، في مواجهة الشيوعية، وضد الأيديولوجيات القومية كالناصرية والبعثية.
 وبلغ الأمر ذروته حين حشدت أمريكا شباب هذه الجماعات لمنازلة الاتحاد السوفيتي على أرض أفغانستان بعد أن دخلها الجيش الأحمر عام 1979. وقتها كانت أمريكا معنية بالتصالح ظاهريًا مع الإسلام، ما انعكس في الدعاية لحركة الجهاد الأفغاني ـ العربي ضد موسكو، حتى أُجبرت على الخروج مهزومة من أفغانستان.
5 ـ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وجدت الولايات المتحدة نفسها في حاجة إلى صناعة “عدو” حتى تضمن استمرار سياسة الهيمنة في العالم، وتبررها أمام الشعب الأمريكي الذي تآلف مع الإنفاق المفرط على القدرات العسكرية، وعلى الدور الكبير الذي يلعبه المركب الصناعي ـ العسكري داخل القرار الأمريكي محليًا ودوليًا. وقتها ظهر من يتحدث عن “الإسلام كعدو” قائم أو محتمل، وكتب الباحث صمويل هنتنجتون رؤيته عما أسماه “صدام الحضاراتـ برعاية المخابرات الأمريكية، زاعمًا وقوع هذا الصدام بين الغرب المسيحي وبين تحالف الإسلام مع الكونفوشية.
والأهم من هذا هو ما جاء في كتاب صدر عام 1992 بعنوان “الفرصة السانحة” للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون حيث يقول: “المسلمون يزيدون على المليار نسمة، ويعيشون في 37 دولة من دول العالم، وينتمون إلى 190 جنسية، ويتكلمون مئات اللغات واللهجات، وهذا مصدر قوة كبير لهم .. إنهم يسيطرون على معظم البترول الموجود في العالم، ويتمتعون بخصوبة هائلة في مجال النسل، ومن المتوقع أن يتضاعف عددهم في خلال عشرين عاماً .. وهم يعيشون على أرض يبلغ طول أضلاعها عشرة آلاف كيلومتر .. هذه الإنجازات تبين ما كان عليه العالم الإسلامي في الماضي، وكذلك تُبين ما يمكن أن يكون عليه في المستقبل إذا توقفت الحروب بين المسلمين”.
6 ـ سعت أمريكا إلى صناعة ما تسميه “الإسلام المستأنس”، ورأت هذا في الطرق الصوفية، ومن ثم استضافت عدة مؤتمرات للمتصوفة، ودعت المئات من شيوخ الطرق عبر العالم، في محاولة لخلق مسار مسلم لا يناوئ المصالح والسياسات الأمريكية في العالم.
7 ـ تنبهت واشنطن إلى أن الطرق الصوفية لعبت دورًا مهمًا في الكفاح ضد الاستعمار، فبدأت تتحدث عما أسمته “تعميم النموذج التركي”، الذي بدأ مع حزب الرفاه ثم العدالة والتنمية، على العالم العربي. وكان تهدف من هذا دمج الجماعات السياسية الإسلامية في نظم ديمقراطية، بعد أن طالبت واشنطن أنظمة الحكم في المنطقة بالإصلاح السياسي.
8 ـ بحثت أمريكا عن صيغة لاحتواء التنظيمات المتطرفة التي اشتد ساعدها لاسيما بعد قيام تنظيم القاعدة عام 1998 ووقوع عمليات إرهابية في مدن أوروبية عدة، ثم في نيويورك في 11 سبتمبر 2001. وهنا تحدث أمريكيون عن تشجيع جماعات إسلامية معتدلة لاحتواء تنظيمات متطرفة، وتقليل خطرها على الغرب، أو دفعها للتخلي عن فكرة “منازلة العدو البعيد”، أمريكا وإسرائيل.
في ضوء هذا مولت مؤسسات أمريكية مشاريع بحثية ترفع شعار “إسلاميون لكن ديمقراطيين”، وبنت صلات مع الجماعات التي صنفتها معتدلة، لاسيما حين أدركت أنها هي التي تشكل بديلا لأنظمة الحكم القائمة، بتجذرها في الشارع، مع تراجع اليسار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وعدم وجود حوامل اجتماعية قوية للتيار الليبرالي.
9 ـ لم تلبث أن ظهرت داخل الولايات المتحدة أفكار ترى أن مشكلة أمريكا ليست مع جماعات متطرفة ولا ما يسمى “الإسلام السياسي” بمعتدليه ومتطرفيه، إنما مع الإسلام نفسه، الذي يحمل في متنه وحواشيه نزعة نضالية، تنظر إلى الغرب كطامع في العالم الإسلامي، ولا بد من مواجهته.
تمت ترجمة الرؤية الأخيرة الذي يعد برنارد لويس أبرز الداعين لها، ضمن مشروع المسيحية الصهيونية، الناجمة عن تحولات فرع من البروتستانتية، في هيئة تصورات رأيناها في ضغوط على أنظمة حكم لتغيير مناهج التعليم، وفي تمويل برامج بحثية، وقنوات إعلامية، استطاعت أن توظف عقولًا وأقلامًا في العالم الإسلامي، لاسيما من بين منتقدي الخطاب الديني بصيغته الراهنة.
ضمن هذا السياق جاء إبراهيم عيسى، ومن يقفون موقفه من القلة القليلة، وهو قد يكون واعيا لأهداف ومرامي هذا المشروع ومتفقا معه، أو لا يكون واعيا له، إنما فقط يؤدي دوره بأجر مجز فقط، وفي الحالتين لا نراه أبدا، إن كان تنويريا كما يقول، لديه أي انتقاد للخطاب التوراتي الذي يبرر القتل والتدمير والسبي ويعتبره تقربا إلى الرب، ولا المسيحية الصهونية التي تحولت إلى أيديولوحية عدوانية مسلحة، تعتبر مجرد غلاف لمشروع استعماري، إنما ينزلق خطابه من نقد التطرف الإٍسلامي إلى ما يدخل في ازدراء العقائد أحيانا، وهي مسألة يزعم الغرب، الذي يواليه خطاب عيسى، أنه يرفضها ضمن مساق “حقوق الإنسان”.
وإذا كان عيسى مجرد أجير في المشروع هذ، فليس هناك، وكما جرت عادته، أن نجده مستقبلا قد صار يتحدث باسم مشروع مضاد تماما، إن كان قدم عرضا أكبر، ليعود إلى مرحلة “الرائعان” و”الرائعتان” التي رأيناه يلبس لهما جلبابا وطاقية شبيكة على رأسه في برنامج بقناة دريم، ولولا الملامة لأطلق لحيته. وكانت هذه هي المرحلة التي دافع فيها عن جماعة الإخوان، وكان يرى حسن نصر أعظم رجل عربي، ويطالب بمناصرته، وهناك مقالات كثيرة كتبها في هذا الاتجاه.
دعنا من عيسى والذين مثله، فهم جميعا في كل الأحوال لا يرقون لبيدق على رقغة الشطرنج، ولنعد إلى تأثير تداعيات “طوفان الأقصى” وصولا إلى العدوان الأمريكي ـ الإٍسرائيلي ضد إيران على هذا المسار. وهنا أعتقد أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن تصورها الأخير، الذي انزلق من نقد الجماعات المتطرفة إلى مواجهة الإسلام نفسه، رغم حديث واشنطن المتكرر عن حرية الاعتقاد، أو مديحها القديم للجماعات الإسلامية حين كانت في حاجة إليها لمواجهة الشيوعية والقومية.
ومن أسف فإن الرؤية الأمريكية هذه أثرت سلبيًا على التصورات الإصلاحية الذاتية التي بدأت قبل أكثر من قرن، وأنتجت في العالم الإسلامي كله مفكرين راغبين حقًا في التجديد والإصلاح والعصرنة، ومؤمنين بأن الخطاب الديني الإسلامي، بشقيه الفقهي والسياسي، بات في حاجة ماسة إلى تجديد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...