بين الفقه والسياسة: لماذا عادت فتوى تحريم سبّ الصحابة إلى الواجهة بعد اغتيال علي خامنئي؟
أحمد المهداوي/كاتب صحافي
في خضم الصدمة التي عايشها العالم، الإسلامي على وجه الخصوص، إثر اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في هجوم أمريكي-إسرائيلي، والذي لم تكن واقعة اغتياله حدثاً سياسياً فحسب، بل لحظة أعادت فتح ملفات، كانت تتوارى في الظل إلى أن كادت تتلاشى من الذاكرة الجمعية للذات الإسلامية لولا عودة الجدل حول الإرث الديني والسياسي لعلي خامنئي حيث عادت إلى الواجهة فتواه الشهيرة التي حرم فيها الإساءة للصحابة وأمهات المؤمنين، هذه الفتوى التي، صدرت في السابع من أكتوبر 2010، أثارت جدلا واسعاً بين الطيف الإسلامي وأسالت المداد حول غائيتها بين من يراها محاولة حقيقية وتعبيراً صادقاً عن مد جسور التقارب الشيعي-السني والحد من الاحتقان المذهبي، أو لا أقل من تهدئته، وبين من ينظر إليها بوصفها جزء من خطاب سياسي وظيفي ارتبط بحسابات القوة والنفوذ وسياق الصراع الإقليمي.
نص الفتوى، التي على قدر ما ولدت الإعجاب بقدر ما بثت، في الآن نفسه، الريبة والشك، يمكن قراءته قراءتين متباينتين؛ أولاهما كإرث تقريبي للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تنبني مقصديته على تهدئة التوتر المذهبي، حيث تم اعتبار الفتوى الصادرة عنه، والتي تقضي بتحريم النيل من رموز أهل السنة، رسالة فقهية عميقة، من مرجع شيعي له وزنه وحضوره الرمزي، تدعو لتجاوز الخلاف التاريخي إذ أن الأخير لا يبرر الإساءة الرمزية للشخوص التي تتسم بنوع من «القداسة الرمزية» لدى طائفة أخرى، وهو ما يدخل في باب حرمة إثارة الفتنة بين المسلمين في محاولة للتقريب بين المذاهب، وتوحيد الكلمة، وإخماد الاحتقان الطائفي المتأجج بمنع تصريف خطاب الكراهية بين الطوائف الإسلامية.
وعلى النقيض من هذا لم يخل المشهد حينها من شكوك عميقة؛ إذ كانت فرضية قراءة الفتوى من منطلق التوظيف السياسي البحت، حاضرة لما لها من معقولية على الرغم من الأهمية الرمزية للفتوى كخطوة غير مسبوقة. إذ تم النظر إلى الفتوى كستار سياسي يسعى لإخفاء حقيقة الإرث العقدي المترسب في مقابل رسم صورة معدلة لإيران في العالم السني خاصة في ظل النزاعات التي تعرفها المنطقة، وتصاعد التصريحات الطائفية، والتي كان النظام الإيراني يود الحد منها لأن من شأنها الإضرار بمصالحه وبمشروعه السياسي داخل المنطقة، فالفتوى من منطلق سياقها يمكن أن تفهم كجزء من الدبلوماسية الدينية لا مجرد رأي فقهي، وبين التفسيرين تجلى السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط لماذا صدرت تلك الفتوى بل لماذا عادت الآن لتحتل مركز الجدل بعد غياب صاحبها؟
وأياً يكن الأمر بالنسبة لهذه الفتوى سواء قامت على تفسير ديني ينطلق من كونها تسعى إلى الحد من الاحتقان الطائفي، أو بناء على تأويل سياسي باعتبارها أداة خطابية في سياق صراع إقليمي سني-شيعي، فإنها في كلا الحالتين كانت خطوة نحو بناء جسور التقارب المذهبي في محاولة لرأب الصدع، ووضع حد للفتنة المذهبية، وامتصاصاً لخطاب الكراهية الناجم عن النعرات الطائفية، وليست فتوى علي خامنئي بالموقف المُحدث في الخطاب الشيعي المعاصر، فكثير من المراجع الشيعية _وعلى رأسهم علي السيستاني_ أفتوا بتحريم الإساءة لرموز أهل السنة درء لإثارة العداوة، غير أن الفتوى في جوهرها لا تنفي النقد والتقييم التاريخي للحوادث ومواقف الصحابة؛ إذ هي تحرم السب المباشر المؤدي إلى إثارة الفتنة بين المسلمين، ولكنها لا تمنع تصريف المواقف النقدية في سياقها التاريخي والعقدي.
وبالعودة إلى قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، 1979، نجد أن القيادة تحملت عبء رفع شعار “الوحدة الإسلامية”، وكان أول من طرحه روح الله الخميني، الذي حاول تصدير الثورة بوصفها ثورة إسلامية عامة لا شيعية محضة، على أن الواقع الإقليمي، المتأجج بفعل صراعات السلطة والتحالفات العسكرية، رفض سردية الثورة الإسلامية التي بات ينظر إليها من زاوية الشك؛ ذلك أن الأنظمة السنية وأنصارها توجسوا ريبة من مشروع “تشييع سياسي”، فيما رأى النظام الشيعي وأشياعه في الخطاب المضاد عزلا سياسياً ودينياً لهم.
ولا يمكن قراءة فتوى الخامنئي بمعزل عن هذا المشهد المعقد؛ فكما يمكن حملها على أنها خطوة حقيقية تميل نحو التهدئة، ولمّ الشمل الإسلامي، يمكن كذلك اعتبارها محاولة لتجميل صورة مشروع سياسي له طموحه التوسعي في المنطقة، ولا تخرج عن دائرة حسابات القوة والنفوذ، والتي كانت إيران، وفقاً لتلك الحسابات، تدرك أن الاحتقان الطائفي حجر عثرة يحد من قدرتها على بناء تحالفات مع العالم السني.
ومع اغتيال صاحب الفتوى أعادت الأخيرة إلى الأذهان رؤيته المتسمة بالاعتدال، حسب أنصاره، بينما استدعاها خصومه لإثارة سؤال بالغ الحساسية: لماذا لم تترجم الفتوى، كموقف رسمي واضح، إلى سياسات عملية قادرة على كبح الخطاب الطائفي في الإعلام والمنابر التابعة لمحور طهران؟ حيث ظل هذا الخطاب حاضراً كجزء من الصراعات السياسية في المنطقة، خاصة تلك التي خاضتها إيران ومن شايعها في كل من العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وهو ما تم اعتباره تناقضا ظاهريا على بين الخطاب الفقهي والواقع السياسي؛ وهو الشيء الذي يحفظ للفتوى راهنيتها ويجعلها مادة خصبة للجدل.
ما يعني أن الجدل حول الفتوى الصادرة عن علي خامنئي، “بعدم جواز النيل من رموز السنة”، كفتوى تحمل في طياتها جزء من تاريخه السياسي والفكري في آن واحد، (الجدل) لا يقف على نهاية، فهو نقاش مفتوح حول إرث الرجل، ممتد نحو أفق متجدد يمكن من خلاله إعادة تقييم الإرث الفقهي والسياسي ليس للمرشد الإيراني فحسب، بل للمشروع الشيعي ككل، وهنا تكمن المفارقة فالفتوى التي صيغت، من منطلق رفض الإساءة، وتوطيد وشائج التقارب الشيعي-السني، في محاولة لنبذ خطاب الكراهية وتبني تعددية الآراء والاجتهادات و«قداسة» الرمز الديني، صارت هي نفسها مادة لصراع تأويلي جديد عاد بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي بات روادها يتداولون فتاوى الخامنئي على نطاق واسع سواء من باب الانتصار أو من باب المخالفة.
وهذا الجدل الدائر اليوم حول فتاواه يجعل منه حاضراً في قلب المشهد وإن غاب عنه، كما يكشف في الوقت نفسه عن حقيقة أعمق من مجرد تقييم فتاواه، وخاصة الفتوى القائلة بتحريم الإساءة لرموز أهل السنة وزوجات النبي، وهي أن العالم الإسلامي ما يزال يبحث عن صيغة صادقة للتعايش والتقارب المذهبي؛ صيغة تتجاوز النصوص الرمزية، والسرديات لتصل إلى فهم أعمق للواقع؛ واقع متشكل وفق سياسات حقيقية تبني الثقة بين المجتمعات، وتنتشلها من براثن التفرق المذهبي، والتمزق السياسي نحو أفق مشترك.
حتى ذلك الحين، ستظل فتوى الخامنئي مثالا حيا على التوتر الدائم والمتجدد في جدلية الدين والسياسة، وبين ما يُقال في الفقه، وإمكانات تنزيله، وما يحدث وترسمه الحدود على أرض الواقع.
التعليقات