لماذا عاد سؤال الهوية إلى الواجهة اليوم؟
مصطفى عنترة
لم يعد سؤال الهوية اليوم سؤالا ثقافيا هامشيا، بل أصبح سؤالا مركزيا يفرضه زمن التحولات المتسارعة. ففي عالم تتداخل فيه القيم واللغات والرموز، ويضغط فيه النموذج الكوني الموحد على الخصوصيات المحلية، يشعر الفرد والجماعة معا بأن مركزهما الداخلي مهدد بالاهتزاز. لذلك يتحول السؤال: من نحن؟ إلى محاولة لإعادة التوازن بين الذات والعالم، لا بحثا عن الانغلاق، بل سعيا إلى موقع واضح داخل حركة التاريخ.
يرتبط الاهتمام بالهوية أولا بالحاجة إلى المعنى والانتماء؛ فالفرد لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالتأويل الذي يمنحه لها. ومع تراجع الروابط التقليدية واتساع الفضاء الرقمي، لم يعد الانتماء معطى جاهزا بل بناء واعيا. ومن خلال التفكير في الهوية يعيد الإنسان صياغة علاقته بلغته وتاريخه ومجتمعه، فيكتسب استقرارا نفسيا وقدرة أكبر على التفاعل مع الآخر دون خوف من الذوبان.
ويمثل سؤال الهوية أيضا آلية لحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان؛ فالمجتمعات التي لا تستحضر تاريخها تصبح قابلة لأن يُعاد تعريفها من الخارج. لذلك فإن استدعاء التراث واللغة والرموز الثقافية ليس حنينا إلى الماضي، بل حماية لمعنى الوجود الجماعي وضمان لاستمرار التجربة المشتركة عبر الأجيال.
وفي زمن التشابه الكوني، تتحول الهوية إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية. فالمطلوب ليس رفض الانفتاح، بل امتلاك القدرة على التفاعل دون فقدان الذات. إن المجتمع الذي لا يعبّر عن خصوصيته يدمج في نماذج او قوالب جاهزة، بينما المجتمع الواعي بذاته يشارك في العالم من موقع الندية لا التبعية.
لهذا نلاحظ أن كثيرا من المجتمعات التي اتجهت نحو المستقبل لم تفعل ذلك عبر القطيعة مع جذورها، بل عبر الانطلاق منها. فـالصين، أعادت توظيف ذاكرتها الحضارية داخل مشروع عالمي مثل مبادرة الحزام والطريق، حيث تحولت صورة طريق الحرير التاريخي إلى رؤية اقتصادية وجيوسياسية معاصرة تمنح المشروع شرعية رمزية وتقدمه كاستمرار لمسار قائم على التواصل والمصالح المشتركة.
كما أن الهند جعلت من تعددها الثقافي واللغوي طاقة اجتماعية دعمت قوتها الناعمة وتقدمها التكنولوجي؛ فتبنت نموذجا سياسيا يستوعب التنوع داخل بنية واحدة، ورافقت ذلك باستثمار واسع في التعليم والبرمجيات، فاندمجت في الاقتصاد الرقمي العالمي دون أن تفقد ملامحها الحضارية.
أما روسيا فقد أعادت صياغة دورها الدولي باستحضار خبرتها التاريخية وصورتها عن ذاتها كقوة حضارية وجيوسياسية، بحيث جاء التحديث تطويرا لقدرات الدولة ضمن تصور خاص لمكانتها في العالم. وهكذا تكشف هذه التجارب أن التحديث لم يكن تقليدا جاهزا ولا انغلاقا في الماضي، بل تكييفا خلاقا يجعل الانفتاح امتدادا للهوية لا نفيا لها.
وهذا ما جعل دولا مثل الصين والهند وروسيا وغيرها كما سبق ان قال المفكر حسن أوريد تتجاوز في تصورها حدود “الدولة-الأمة” نحو أفق “الدولة-الحضارة”، حيث لم تعد شرعية الدولة مستمدة فقط من الحدود السياسية، بل من عمق تاريخي وثقافي ممتد يمنحها رؤية أوسع لدورها في العالم؛ فتغدو الدولة حاملة لذاكرة حضارية وقيم كبرى، وتتحول السياسة إلى امتداد لتجربة ثقافية طويلة لا مجرد إدارة آنية للمجال الترابي.
وعلى هذا الأساس، يتضح أن سؤال الهوية ليس عودة إلى الماضي بقدر ما هو تفكير في المستقبل. فالهوية ليست معطى ثابتا، بل مشروعا متجددا يحدد الاتجاه ويمنح الفعل معناه.
لذلك نهتم به اليوم لأن العالم يتغير بسرعة، ولأن من لا يعرف ذاته لا يستطيع أن يحدد وجهته؛ أما من يمتلك وعياً بهويته فيستطيع أن ينفتح دون أن يذوب، وأن يتقدم دون أن يفقد نفسه.
وفي السياق المغربي، يكتسب سؤال الهوية بعدا خاصا بحكم تعدد المكونات والروافد التي تشكل الشخصية الوطنية. فـالمغرب لم يبن على تجانس أحادي او وحدة نمطية مغلقة، بل على تفاعل تاريخي بين الأمازيغي والعربي والإفريقي واليهودي والأندلسي والمتوسطي، ضمن إطار جامع منح هذه المكونات والروافد وحدة معنوية دون أن يلغي خصوصياتها. ومع التحولات الاجتماعية والرقمية الراهنة، عاد النقاش حول الهوية ليطرح بوصفه سعيا إلى تأويل هذا التعدد داخل رؤية منسجمة، لا باعتباره صراعا بين مكونات متنافرة، بل باعتباره ثراء يحتاج إلى تدبير ثقافي ومؤسساتي متوازن.
يُندرج هذا الهدف ضمن مهام المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الذي يمثل تجسيدا مؤسساتيا لفكرة تدبير التعدد داخل وحدة مرجعية جامعة. فقد أُنشئ المجلس كهيئة دستورية تعنى بحماية وتنمية اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، وصيانة مختلف التعبيرات الثقافية المغربية. وتكمن أهميته في كونه إطارا تنظيميا يحوّل الزخم الثقافي من حالة تفاعل عفوي أو سجال رمزي إلى فضاء مؤطر بسياسات وتصورات استراتيجية، مما يضمن التنسيق بين الفاعلين، وتكامل المبادرات، وتفادي تضارب الرؤى.
وضمن هذا المنظور، يصبح المجلس آلية لترجمة الاعتراف الدستوري بالتعدد إلى ممارسة مؤسساتية فعّالة، تدبر التنوع بوصفه رصيدا وطنيا مشتركا، وتمنحه أفقا تنمويا وحضاريا يربط بين الماضي والحاضر، وبين الهوية ومشروع الدولة.
كما أن المسار الدستوري والمؤسساتي الذي عرفه المغرب في العقود الأخيرة أعاد تنظيم العلاقة بين الذاكرة والراهن وتاطير الصلة بين الماضي والحاضر، فصار الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي جزءا من البناء الرسمي للهوية الوطنية. غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في النصوص وحدها، بل في تحويل هذا الاعتراف إلى وعي مجتمعي يومي يجعل من التنوع طاقة للاندماج لا مدخلا للتجاذب.
ومن هنا يصبح سؤال الهوية في المغرب تفكيرا عمليا في كيفية صيانة الوحدة داخل التعدد، وربط الأصالة بمشروع تنموي منفتح على العالم دون ذوبان أو انغلاق، بحيث يتحقق تحول الهوية من موضوع نقاش نظري إلى قوة اقتراحية تسند الفعل العمومي حين تدمج في الرؤية التنموية والمؤسساتية للدولة، فلا تبقى شعارا رمزيا بل تصبح مرجعية توجه السياسات في التعليم والثقافة والتخطيط والجهوية…، انطلاقا من خصوصيات المجتمع وتاريخه وتعدده.
فعندما يُترجم الاعتراف بالتنوع إلى برامج عملية تثمن اللغات الوطنية، وتحفظ الذاكرة الجماعية، وتدعم الصناعات الثقافية، وتربط المشروع التنموي برؤية تاريخية جامعة…، تتحول الهوية إلى مورد استراتيجي يعزز الانخراط المجتمعي ويقوي الشرعية الرمزية للسياسات العامة.
بهذا المعنى، تتحول الهوية من سؤال ثقافي مجرد إلى إطار مرجعي يوجّه الاختيارات الكبرى، ويمنح الفعل العمومي عمقا تاريخيا ومعنى حضاريا، لأنه يصبح امتدادا لتجربة حضارية متراكمة لا مجرد استجابة ظرفية لإكراهات آنية.
التعليقات