إيران بين ثقل العقيدة ومأزق الدولة
عبده حقي
منذ أن أطاحت الثورة الإيرانية عام 1979 بنظام الإمبراطور الشاه، دخلت إيران مرحلة تاريخية جديدة لم تكن مجرد انتقال سياسي، بل تحوّلاً جذرياً في بنية الدولة ومعناها ووظيفتها. لم تعد الدولة إطاراً مدنياً لإدارة المصالح العامة، بل تحوّلت إلى تجسيد لعقيدة، وإلى مشروع أممي يتجاوز الحدود.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأخطاء الإيديولوجية والسياسية تتراكم، ليس بوصفها انحرافات عابرة، بل كخيارات تأسيسية طبعت مسار الجمهورية الإسلامية حتى اللحظة الراهنة.
أول هذه الأخطاء كان في طبيعة البناء نفسه. فقد أُسِّس النظام على مبدأ ولاية الفقيه، الذي منح المرجعية الدينية سلطة عليا فوق المؤسسات المنتخبة. وفقد بدا الأمر في بداياته حلاً ثورياً يضمن عدم “سرقة الثورة”، لكنه تحول تدريجياً إلى معضلة بنيوية: كيف يمكن التوفيق بين “جمهورية” تقوم على الإرادة الشعبية، ومرجعية مطلقة غير خاضعة للمساءلة الانتخابية؟
هذا التناقض ظل يتسع مع الزمن، حتى باتت الانتخابات تُقرأ باعتبارها آلية ضبط داخلي لا أداة تداول حقيقي للسلطة. ومع مرور السنوات، أصبح مجلس صيانة الدستور مرشحاً أعلى من الناخب، وصار المجال السياسي محكوماً بسقف أيديولوجي ضيق.
الخطأ الثاني تمثل في أولوية “تصدير الثورة” على بناء الدولة. بدل أن تنصرف طهران إلى إعادة إعمار اقتصاد أنهكته الاضطرابات، دخلت في حرب مدمرة مع العراق استمرت ثماني سنوات. ورغم أن الحرب قد تكون فرضت عليها، فإن إدارتها بشعار “استمرار الثورة” عمّق الاستنزاف.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، لم يتحول المسار نحو الداخل، بل اتجهت إيران إلى بناء نفوذ إقليمي عبر شبكات عسكرية وسياسية في لبنان والعراق وسوريا واليمن بل حاولت مرارا الامتداد إلى المغرب العربي بدعم من النظام الجزائري . وتحوّل الحرس الثوري إلى فاعل عابر للحدود، وأصبحت السياسة الخارجية امتداداً للعقيدة الثورية لا لمصالح الدولة القومية فقط.
هذا الخيار عزز صورة إيران كقوة إقليمية صلبة، لكنه في الوقت ذاته راكم عداءات عميقة في البيئة العربية، وخلق اصطفافات مضادة. كما أنه ربط الأمن القومي الإيراني بساحات بعيدة، بحيث صار أي اهتزاز في بغداد أو دمشق أو بيروت يرتد مباشرة على الداخل الإيراني. ومع مرور الوقت، غدت الدولة أسيرة مشروعها الخارجي.
أما الخطأ الثالث، فكان في إدارة الاقتصاد بعقلية أمنية. فقد توسع نفوذ المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري داخل قطاعات الطاقة والبناء والموانئ والاتصالات حيث تقلص دور القطاع الخاص المستقل، وازدادت قبضة البيروقراطية، وتعمقت ظاهرة الاقتصاد الموازي.
ومع تصاعد العقوبات الدولية، خاصة على خلفية البرنامج النووي، دخلت البلاد دوامة تضخم وانهيار في قيمة العملة. وكان الاتفاق النووي فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة إدماج الاقتصاد الإيراني في السوق العالمية، لكن التردد الداخلي والصراع بين التيارات أضعفا الثقة، وجاءت التحولات في واشنطن لتعيد العقوبات بقسوة أكبر. وهكذا وجد المواطن الإيراني نفسه يدفع ثمن معادلة لم يشارك في صياغتها وفق مسار ديموقراطي.
الخطأ الرابع تجلى في إدارة المجتمع بمنطق الوصاية. فالأجيال التي وُلدت بعد الثورة لم تعش زمن الشاه، ولم تحمل ذاكرة الصراع ذاته. إن تطلعاتها مختلفة، وارتباطها بالعالم الرقمي جعلها أقل قابلية للانغلاق. لكن الدولة تعاملت مع هذه التحولات بوصفها تهديداً ثقافياً، لا فرصة للتجديد.
تكررت موجات الاحتجاج، واتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي. ومع كل أزمة، كان الحل أمنياً أكثر منه سياسياً، ما عمّق الشعور بالاغتراب داخل قطاعات واسعة من الشباب والنساء والطبقة الوسطى.
أما الخطأ الخامس والأخير ، وربما الأعمق، فهو غياب تصور واضح لانتقال السلطة في نظام بُني حول شخصية المرشد. طوال عقود، تركزت الشرعية في موقع واحد، وتراكمت الصلاحيات في يد واحدة، ما جعل مسألة الخلافة سؤالاً مؤجلاً لكنه خطير.
إن الأنظمة التي لا تُطوّر آليات مؤسساتية مرنة لتجديد نفسها، تجد نفسها في لحظات التحول أمام فراغ مربك، حيث تتصارع مراكز القوى بدل أن تنتقل السلطة بسلاسة.
إن المأزق الإيراني اليوم ليس في نقص القوة، بل في فائض الأيديولوجيا. فالدولة التي قامت لتجسد فكرة بائدة ، تجد نفسها مطالبة بأن تتحول إلى مؤسسة تخدم مواطنيها قبل أن تخدم رسالتها العقائدية.
والسؤال الذي يواجه إيران ليس سؤال العداء مع الخارج فحسب وخصوصا إسرائيل، بل سؤال التعاقد الداخلي: هل تبقى دولة ثورية دائمة التعبئة، أم تعيد تعريف نفسها كجمهورية سياسية طبيعية داخل نظام دولي متغير؟
في النهاية، التجربة الإيرانية تقدم درساً بالغ الدلالة في تاريخ المنطقة: الثورات التي تنتصر سريعاً قد تواجه امتحان الدولة الأصعب. فبناء العقيدة أسهل من بناء الاقتصاد، وإشعال الحماس أيسر من إدارة التعدد.
وبين ثقل العقيدة ومأزق الدولة، تظل إيران واقفة على مفترق طرق تاريخي، حيث المستقبل غامض ومظلم ومرهون بقدرتها على مراجعة أخطائها التأسيسية والسياسية مع محيطها الشرق أوسطي ، لا بالتمسك بها.
التعليقات