فخاخ الاستلاب وضجيج الهويات الجوفاء والتخادم للأجنبي
علي البلوي
تتجلى اليوم أزمة حادة في البنية السيكولوجية والوعي الجمعي العربي، حيث تندفع فئات واسعة نحو حالة من “الاستلاب الحضاري” الذي يجرّد الفرد من سيادته الذهنية لصالح قوى مهيمنة، تدعمها فئات كانت ولازالت اداة في بث الخديعة والتخدير الديني وشرعنة حالة انتماء للتخادم الاجنبي.
هذا الانكشاف ليس مجرد تبعية سياسية، بل هو نكوص أنثروبولوجي يعيد إحياء ولاءات بدائية تتجاوز حدود الدولة والوطن.
إن الشعور المتزايد بالضعف والوهن التاريخي، وفقدان المكانة في عالم تقوده التكنولوجيا وتوازنات القوة الصلبة، دفع بالكثيرين إلى الهروب نحو “هويات تعويضية” توفر لهم شعوراً زائفاً بالانتصار والانتماء، مما جعلهم أدوات طيعة في صراعات إقليمية تدار بالوكالة.
وإذا ما استعدنا طروحات الدكتور مصطفى حجازي حول “سيكولوجية الإنسان المقهور”، نجد أن هذا الارتهان يمثل ذروة “الدونية الاستكانية”؛ حيث يعجز الإنسان الذي سُحقت مكانته عن مواجهة واقعه، فيلجأ إلى التماهي مع “المتسلط” أو القوي الخارجي بحثاً عن حماية متخيلة.
إن هذا التشبث بالآخر سواء كان مشروعاً إقليمياً أو أيديولوجية عابرة للحدود هو ميكانيزم دفاعي نفسي يُغطي على عجز الذات وفشلها في تحقيق فاعليتها التاريخية.
فالإنسان المستلب، في محاولته للتخلص من شعوره بالضعة، يذوب في كيانات أكبر يظن أنها تمنحه القوة، بينما هي في الحقيقة تعمق اغترابه وتستخدمه وقوداً لمصالحها، مؤكدةً من منظور أنثروبولوجي أن التبعية هي ضريبة فقدان “البوصلة الثقافية” والارتهان لمركزية الآخر.
هذا الفراغ المعرفي حوّل الساحة العامة إلى ميدان لـ “الطبول الجوفاء”؛ فكلما ضاقت مساحة الوعي الحقيقي، ارتفع ضجيج خطابات الكراهية والتخوين.
ويبرز هنا خطر “الإغواء الإعلامي” الذي يمارس تسطيحاً منظماً للمفاهيم الدينية والسياسية، مستهدفاً الفئات الأكثر هشاشة نفسياً ليصوغ منها جبهات ولاء للخارج تحت مسميات مضللة.
إن خلع أقنعة “التقية” وعودة نغمات التكفير والولاء لمشاريع إقليمية متصارعة، يثبت أن الأزمة تكمن في غياب “الحصانة الوطنية” والارتهان السيكولوجي للقوي، مهما كان هذا القوي غريباً عن النسيج القومي.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو الانفصال التام عن لغة العصر ومحركاته الحقيقية.
فبينما يعاد تشكيل الجغرافيا السياسية عبر الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومعادلات الاقتصاد السياسي، لا يزال الخطاب السائد غارقاً في “قراءات الأماني” والعواطف الجياشة. ثمة ندرة مخيفة في التحليلات التي تنهل من العلم والبيانات، مقابل وفرة في “خطاب الذاكرة القصيرة” الذي يتجاهل دروس التاريخ القريب والبعيد.
هذا التسطيح المنظم جعل من المجتمع بيئة خصبة لتسميم الأجواء بأفكار ضحلة تعيق أي مشروع نهضوي حقيقي.
إن استعادة التوازن تتطلب ما يشبه “ثورة في التربية والوعي”، تعمل على إنشاء محاضن لإعادة تأهيل العقل الجمعي وتحريره من عقدة الضعف والتبعية.
إن رفع سوية الوعي ليس ترفاً ثقافياً، بل هو ضرورة أمنية ووجودية لإسكات الأصوات الخشنة التي تقتات على الجهل، ولإعادة الاعتبار لقيم الانتماء القائمة على الإنتاج والمعرفة.
إن مواجهة “سيكولوجية التبعية للغالب” تقتضي كسر حلقة الوهن ميكانيكياً عبر نظام تعليمي يقدس النقد الرقمي ويفهم آليات الهيمنة الحديثة؛ فالسيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، ومن قدرة الإنسان على فهم تعقيدات العالم الحديث بعيداً عن ضجيج الشعارات الفارغة التي لا تتقن سوى صناعة الوهم وتدمير المنجز الوطني.
رَقَصْتُمُ فَوْقَ حَدِّ النَّصْلِ فِي صَلَفٍ
وَبِعْتُمُ العُمْقَ لِلأَوْهَامِ وَالكَذِبِ
فَمَا جَنَيْتُمْ سِوَى زَيْفٍ يُحَاصِرُكُم
وَمَا حَصَدْتُمْ سِوَى الرَّمْضَاءِ وَاللَّهَبِ
التعليقات