المزايدة باسم إيران وميزان الوطن بين الخطاب السياسي وحسابات المصلحة الوطنية

28 فبراير 2026

د. محمد بشاري 

ليست الأوطان حقائب تُحمل في مواسم الشعارات، ولا خرائط مؤقتة تُعلَّق على جدار الحماسة ثم تُطوى عند أول اختبار للمصلحة. الوطن معنىً متجذّر في الوعي، وعقدٌ أخلاقيّ جامع، وميزانُ مسؤوليةٍ تُوزن به المواقف قبل أن تُطلق فيه الكلمات. ومن هنا فإن أخطر ما يُبتلى به المجال العام أن يُختزل مفهوم “المناصرة” في انفعالٍ أيديولوجيّ عابر، يُقدَّم على أنه وفاءٌ لقضية عادلة، بينما هو في حقيقته إغفالٌ لمعادلات المصالح العليا، وتجاهلٌ لمآلاتٍ لا ترحم.

ليس في نصرة المظلوم ما يُستنكر، ولا في رفض العدوان ما يُستغرب؛ فهذه قيم إنسانية راسخة. غير أن الانحراف يبدأ حين تُستعمل تلك القيم مطيّةً لتبرير الاصطفاف مع مشاريع عابرة للحدود، أو أجنداتٍ لم تتردّد يومًا في العبث بأمن المنطقة واستقرارها. إنّ السياسة ليست بيانًا عاطفيًا، بل قراءةٌ دقيقةٌ للتاريخ، وفهمٌ لتوازنات القوة، واستحضارٌ لسلسلةٍ طويلةٍ من الوقائع التي لا يجوز أن تُمحى بسطورٍ حماسية.

لقد شهدت منطقتنا، خلال العقود الماضية، تحالفاتٍ مريبة، وتقاطعاتٍ غير بريئة، وتمويلًا لميليشيات، وتغذيةً لانقساماتٍ طائفية، ودعمًا لحركاتٍ انفصالية، وتوظيفًا للقضايا الكبرى في صراعاتٍ نفوذٍ لا علاقة لها بحماية المستضعفين. ومع ذلك يخرج من يُجمّل الصورة، ويعيد صياغة الرواية، ويطالب الشعوب أن تنسى ذاكرتها الاستراتيجية، وأن تنظر إلى المشهد من ثقبٍ ضيق، لا يتسع إلا لشعارٍ واحد.

أيّ منطقٍ هذا الذي يُدين التدخل الأجنبي في موضع، ثم يصمت عن تدخلٍ آخر لأنه يرتدي عباءةً أيديولوجية مختلفة؟ وأيّ عدالةٍ تُستحضر حين تُغضّ الأبصار عن دعم جماعاتٍ مسلّحة خرّبت مدنًا، وأضعفت دولًا، وزرعت بذور الانقسام في مجتمعاتٍ كانت في أمسّ الحاجة إلى السكينة؟ إنّ الازدواجية في المعايير ليست شجاعةً أخلاقية، بل خللٌ في البوصلة.

لقد تعلّمت دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، عبر التجربة القاسية، أن الخطر لا يُقاس بحدة الخطاب، بل باتجاه الصواريخ، ولا بارتفاع الشعارات، بل بوجهة الفعل. وحين تتعرض دولة لتهديدٍ عسكريّ، ثم تختار الردّ على جغرافيتها العربية القريبة بدل مواجهة مصدر التهديد المباشر، فإن الرسالة لا تحتاج إلى تأويلٍ معقّد. إنّ اختيار الساحة ليس صدفة، بل قرارٌ سياسيّ يكشف ترتيب الأولويات في عقل صانع القرار.

والأكثر إثارةً للتساؤل أن المصالح والقواعد الأجنبية موزّعة في أكثر من محيطٍ جغرافي، بعضها أقرب إلى مصدر الصراع، ومع ذلك لا تكون هي ساحة الردّ. فكيف يُفسَّر هذا الانتقاء؟ ولماذا يُعاد توجيه الغضب دومًا نحو المدن العربية الآمنة، تحت ذريعة استهداف خصمٍ بعيد؟ أليس في ذلك ما يكفي لإعادة النظر في الروايات المروّجة؟

إنّ الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة في العراق وسوريا ولبنان واليمن لم تعد تقبل أن تُستعمل مجددًا وقودًا في صراعات الوكالة. لقد رأت بأمّ عينها كيف تتبدّل التحالفات، وكيف تُستثمر الانقسامات، وكيف يُترك الحلفاء عند أول منعطف. والتاريخ القريب حافلٌ بأمثلةٍ لا تُحصى على تنسيقٍ خفيّ حينًا، وعلنيّ حينًا آخر، بين قوى تتخاصم في العلن وتتقاطع في الخفاء.

ليس المطلوب من المواطن أن يتحول إلى خبيرٍ في الجغرافيا السياسية، لكن المطلوب منه أن يحفظ ميزان المصالح العليا لوطنه، وأن يدرك أن الاستقرار ليس منحةً دائمة، بل ثمرةُ وعيٍ جمعيّ وتضامنٍ داخليّ وحسنِ اختيارٍ للتحالفات. ومن يُهوّن من شأن المخاطر المحدقة، أو يُسفّه التحذيرات بدعوى أنها “مبالغات سياسية”، يغفل أن الأمن إذا اختلّ لا يُستعاد بخطبةٍ ولا يُرمَّم ببيان.

إنّ الوطنية ليست تعصبًا أعمى، بل إدراكٌ رشيدٌ بأنّ بقاء الدولة شرطٌ لكلّ قيمةٍ أخرى. فالدولة التي تُستنزف في صراعاتٍ خارجية، أو تُستدرج إلى مواجهاتٍ لا تخدم مصالحها، تُضعف قدرتها على حماية مواطنيها وصيانة مكتسباتها. وحين تتقدّم الشعارات على الحسابات الدقيقة، يكون الثمن دائمًا من دماء الأبرياء واستقرار المجتمعات.

لقد آن الأوان أن يُعاد تعريف “المناصرة” تعريفًا أخلاقيًا مسؤولًا، يوازن بين المبادئ والمصالح، بين التعاطف والواقعية، بين الخطاب والنتائج. أما أن تُرفع راياتٌ كبرى لتغطية تاريخٍ من التدخلات والميليشيات والتخريب، فذلك ليس وفاءً للقضايا، بل تنكّرٌ للحقائق.

إنّ شعوب المنطقة أكثر وعيًا اليوم، وأشدّ تمسّكًا بأمنها الاستراتيجي، وأقدر على التمييز بين من يسعى إلى الاستقرار ومن يتغذّى على الفوضى. ومن أراد نصرة قضيةٍ عادلة فليبدأ بحماية وطنه من أن يُستعمل منصةً لصراعات الآخرين. فالوطن ليس تفصيلًا في معادلةٍ كبرى، بل هو الأصل الذي تُبنى عليه كلّ المعادلات. ومن خان هذا الأصل، مهما زيّن فعله بالشعارات، فقد أخلّ بأعظم الأمانات.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...