كيف يصبح الدين” ضد نفسه؟

في الاحتفال بالمولد النبوي ("المولود" بلغة المغاربة)

دينبريس
آراء ومواقف
دينبريس10 أكتوبر 2022آخر تحديث : الإثنين 10 أكتوبر 2022 - 10:20 صباحًا
كيف يصبح الدين” ضد نفسه؟

بقلم: محمد زاوي
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رمز لكافة المسلمين، مبلغ رسالة الإسلام إلى العالمين والناس أجمعين. لا يختلف مسلم مع أخيه في ذلك، بل كان الاختلاف -وما يزال- في إثبات قوله وتأويله. ولكل تخصص رجال، فيناقش المحدثون وأهل مصطلح الحديث ما تعلق بإثبات الأحاديث سندا ومتنا، فيما يناقش الشراح ما تعلق بتأويل الأحاديث وحمل ألفاظها على ما يناسبها من معنى.

السيرة نفسها، وقد انقسم المتكلمون فيها بين قائل بالاستحالة وناف للوحي ومهمل لشروط التاريخ وجامع بين إثبات ما للغيب وما للشهادة؛ السيرة نفسها، رغم هذا الانقسام، تبقى معينا لاستنارة من بقي حيا في هذا الظلام، ظلام الاستهلاك الفاحش والقمار والغابوية الجنسية وعبادة الدولار وسطوة الأنانية والأحقاد، إلخ.

العودة للوحي، للحديث والسنة، للسيرة النبوية؛ ليست مسألة اختيار. إنها رجوع للوراء، للماضي، بهموم في الحاضر. من أراد التاريخ فله مجاله، ومن أراد التشدد في الأحكام فهو على النقيض مما جاء من أجله الدين. غاية الدين تقنين الحياة وتحسينها لصالح الإنسان، “توسيع دائرة الطهارة” لكل من دنست نفسَه أو جسمَه الأدران، رفع الحيف عن كل مظلوم اختار الاستغلال حتى لا يموت جوعا، إلخ.

لن ينتظرنا هذا الواقع المظلم، لن يمهلنا وقتا كافيا لنحقق التاريخ أو نحسم المسائل الفقهية. الخلاف إذن بين فئتين: فئة تنظر في المؤدى (المقصد في الواقع) أولا، وأخرى في المؤدي (النص قبل الواقع) قبل كل شيء. وهكذا، قد تستحيل نصرة النص (المؤدي) نقيضا لجوهره ومقاصده وما من أجله كان الدين.

“سبب نزول” هذا النقاش، ما يثار اليوم حول احتفال المسلمين بذكرى مولد رسولهم العظيم، محمد صلى الله عليه وسلم. أهل “التبديع” لا يرون لهذا الاحتفال سندا في الشريعة، يجهدون أنفسهم في تأويل نصوص الدين وفق ما تمليه مناهجهم في النظر، الواقع عندهم محل حكم لا محل قراءة، معركة مع البدعة (في تصورهم) لا معركة مع المسخ والعفن والاستغلال وتفكيك الضمير والذاكرة. كذلك يفعلون، فيُغفلون أن:

– للأشكال مضامين، للغايات وسائل، تقاس بغاياتها وبمدى نجاعتها في تحقيق تلك الغايات. فشعوب تعرف رسولها، رمزها الديني – من شحمها وعظمها، من ترابها وقُوتِها، من حياتها وموتها، من قوتها وضعفها، إلخ -؛ تعرفه وتتذكره وتحيي الصلة به بإحياء ذكرى مولده. أين العيب؟ وما الضرر، إذا تم ذلك بالحفاظ على عقيدة التوحيد، وحسب ما اعتاده أهل البلد من أساليبَ للفرح والابتهاج والإقبال على الخير؟

– العالم يعيش أزمة أخلاق، تجتاح الغرب بمظاهر الغابوية في النشاط الجنسي، الأنانية في العيش، الاستغلال في المزارع والمصانع والفنادق والمحلات التجارية الكبرى والفنادق إلخ، الفحش والتوحش في الاستهلاك، تسليع المرأة بل الإنسان ككل، إلخ. تسعى الإمبريالية الغربية الجديدة إلى تصدير أزماتها الأخلاقية هذه كما تسعى إلى تصدير رأسمالها المالي، والأزمات الأخلاقية قناع (أدلوجة) لمصالح الرأسمال في شرطه الحالي (وكله، يطلق عليه اليوم: النيوليبرالية). في سيرة الرسول (ص) وسنته ما يجب استحضاره على ضوء أزماتنا الأخلاقية، فكيف السبيل؟ الاستثمار في ارتباط الناس برسولهم، في احتفالهم بمولده، بإحياء الذكرى (“عيد المولود” بلغة المغاربة) ومعها الذاكرة الأخلاقية، السيرة ومعها السير إلى عالم جديد لا تفاوت فيه ولا تعفنَ عيشٍ، الماضي ومعه القدرة على تحريك مياه راكدة في الحاضر، إلخ.

– الناس في “ماديتهم” فاكهون، أين المتجاوِز في الإنسان؟ أين المفارِق فيه؟ أين الدالون على الغيب، المذكرون بما وراء الشهادة؟ أين القابضون على “جمر الفناء” في زمن الغفلة والتمسك ب”سراب الخلود”؟ أين “حكمة الشرق” (ومنها حكمة الرسول -ص-) كنقيض ل”حكمة الغرب” (كتاب لبرتراند راسل)؟ بالموحى إليه يتذكر المسلمون الموحي، بخبر نبيهم في الأرض يرتبطون بربهم في السماء، بالوسطاء من الشهادة (الأنبياء والرسل) يجدون للغيب سبيلا. الأولى إذن، إحياء ذكرى المولد في الشهادة لتكون سبيلا إلى الغيب. المطلوب استحضار هذه المعاني والناس في تعلق جماعي، أما مواجهة هذا التعلق، فلا السنة تحيي، ولا الغيب تدل عليه.

– إحياء ذكرى المولد في المغرب، ليست إحياء رمز أو خلق أو غيب فحسب، بل هي إحياء لركن من شرعية دولة، وتذكير به في زمن النسيان، حتى لا يتوهم أحد فصلا للدين عن الدولة في زمن العودة إلى الدين ومركزة الدين والسلطة معا، على النقيض من الاستعمار والاستهداف الخارجي. إحياء هذه الذكرى في المغرب، ليس إحياء شعب فحسب، بل إحياء ملك وشعب، دولة ومجتمع. إنها ذكرى يلتقي فيها الغيبي بالواقعي، الديني بالسياسي، الدستوري بالتاريخي، الوطني بالدولي، إلخ.

الدين كان لخدمة هذه الأدوار، يحل فيها فيصبح تدينا، من يستصحب الدين لغير ذلك يجعله ضد نفسه، ويطلب ما قبل الدين باسمه. لا يقفون بالعقل والخبرة التاريخية عند قول الله تعالى: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”، لو فعلوا ذلك لما أنكروا الوسائل مهما كانت غاياتها!

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.