قليلا من الإنصاف في التفاعل مع مداخلة الأستاذ أحمد التوفيق

18 مايو 2026

محمد التهامي الحراق

تابعتُ باهتمام وأسى بعض ردود الفعل غير الرشيدة على المداخلة الافتتاحية التي ألقاها الأستاذ أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في الندوة الوطنية التي نظمها المجلس العلمي الأعلى بتاريخ 2026/05/13، في موضوع: “السيرة النبوية مصدرا للعلم والعمل، ومرجعا للقيم والأخلاق”. وكانت مداخلة الأستاذ التوفيق غنية بالرؤى والأفكار ، لكن البعض اقتطع منها أمرين أخرجا من سياقهما، وتم التعسف في تأويلهما لتقويل المحاضر ما لم يقله؛ وذاك ما لا يقبله عقل منصف أو تدين سليم أو خلق كريم.

– الأمر الأول يتعلق بحكاية الوفد المغربي المتكون من سبعة رجال من ركراكة خرجوا من المغرب إلى الحجاز بعد أن سمعوا بظهور النبي ﷺ، فلما وصلوا إليه وأسلموا، خاطبهم بكلمات أمازيغية. وقد أشار الأستاذ التوفيق إلى أن هذه القصة مختلف في صحتها، وإن كان البعض يستدل عليها بطرق متعددة؛ فإنها، وسواء صحت أم لم تصح، قد صارت قصة ذات قيمة رمزية وروحية كبيرة في المخيال المغربي؛ لأنها تعبّر عن شعور المغاربة بعمق صلتهم بالإسلام وبالمحبة النبوية، وتكشف عن اعتناق المغاربة للإسلام في وقت مبكر.

الأستاذ التوفيق بحكم تخصصه كمؤرخ محترف يدرك أكثر من غيره، أنه لا ينظر هنا في القصة من حيث وقوعُها أو عدمه، بل من حيث آثارُها التاريخية في الوعي الجمعي المغربي، وإسهام ذلك في صنع مسار أهل المغرب وتشكيل ذاكرتهم الروحية، وتوجيه فعلهم في التاريخ. وهنا يتم تناول القصة خارج منطقة الصدق أو الكذب، بل بالنظر إلى أثرها التاريخي في الوعي والواقع. إنه الأمر الذي غاب عن إدراك من راحوا يتهمونه باعتماد قصة خرافية مختلقة لهذا الغرض أو ذاك. فيما الحقيقة بخلاف ذلك، المحاضر أشار إلى من قال بصحة القصة واستدل لها، وكذا إلى من أنكر القصة واستدل على اختلاقها؛ ومن ثم نحى منحى آخر في التعامل التاريخي المنهاجي معها بالنظر إلى أثرها التاريخي بعيدا عن منطقة ومنطق الصدق أو الكذب. وهو نظر يندرج ضمن الأفق الابستمولوجي الرحب لعلم التاريخ الذي يرى الحقيقة كمفعول لا كفاعل.

– الأمر الثاني الذي أُخرج أيضا من سياقه هو التهجم على كلام الأستاذ التوفيق الذي قال إن النبي الكريم “بُعِث هاديا لا جابيا ولا غازيا”؛ حيث ذهب البعض إلى أن المحاضر ينكر الغزوات ويلغيها من مكونات السيرة، ومن ثم يحرف وقائع السيرة النبوية لهذا الاعتبار أو ذاك…إلخ. وهذا كلام مجاف ومجانب للصواب، لأن سياق حديث الوزير كان ضمن محاضرة تنص على الأفق الكوني للقيم المحمدية، والذي يتم تشويهه في الغرب من خلال بعض الأحكام الظالمة، كما هو شأن اتهام الرسول بالعنف واتهام المسلمين بنشر الإسلام بالسيف وسفك الدماء في الغزوات. وهو ما دفع بعض المنصفين من الكُتّاب الغربيين أمثال آني ماري شيمل الألمانية وكارين أرمسترونغ البريطانية إلى نفي ذلك، فيما انتبه الكاتب الروسي ليو تولستوي إلى القيم الكونية في أحاديث النبي الكريم ضمن كتابه عن “حِكَم النبي” كما وضح ذلك الأستاذ التوفيق، مما يعني أن كلامه كان في سياق نفي العنف عن النبي الكريم، ودفع تهمة نشر الإسلام بالسيف، مما ساد في المتخيل المسيحي عن الإسلام منذ القرون الوسطى، وتبنته اليوم كثير من الأوساط اليمينية المعادية للإسلام.

أما كون الغزوات كانت حاضرة في السيرة فهذا لم ينكره أحد، لكننا لا ينبغي اختزال السيرة في “المغازي”، فضلا عن كون غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت بغاية تمكين صوت الإسلام من الوصول إلى كافة الناس، ورفع ودفع الموانع الحاجبة عن ذلك، ولم يكن القصد قط إكراه الناس على الإيمان. وهو ما أوضحه بجلاء العلامة اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، في مداخلته عن “السيرة النبوية وفقه المقاصد”. ويؤسف هنا القول إن بعض الردود، وهي تتوهم الدفاع عن الإسلام، وتأتي بجم من النصوص الحديثية لتقرأها خارج سياق الرؤية القرآنية الشمولية؛ إن هذه الردود تدعم من حيث لا تعي تلك الاتهامات المغرضة للإسلام بالعنف، وتسلب من هذا الدين الخاتم حقيقته الرحموتية التي لا تعني نفي الجهاد، بل تعني استدعاءه بما هو خادم لقيم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وخادم لدفع الإكراه على الكفر لا بما هو أداة لإكراه الناس على الإيمان.

وإجمالا، ربما وجب الإنصاف في الإنصات وفي الحكم، بدل المسارعة إلى جني الآثام بكيل الهجوم والاتهام، دون تحر كافٍ، ولا مراعاة سياق قول، ولا قطع برهان.

بوركتم

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...