هل غير ترامب موقف الصين من إيران؟
سعيد الزياني ـ دين بريس
تحتاج التصريحات الأميركية التي رافقت زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الصين، إلى قراءة متأنية، بعيدا عن الضجيج السياسي الذي حاولت واشنطن إنتاجه حول ما وصفته بتحول في موقف بكين من إيران، فقد سعت الرواية الأميركية إلى تقديم الزيارة وكأنها اختراق دبلوماسي كبير، يقوم على أن ترامب أقنع القيادة الصينية بمراجعة حساباتها تجاه طهران، وأن بكين بدأت تقترب من الموقف الأميركي تحت ضغط المصالح الاقتصادية وأزمة مضيق هرمز.
وتكشف الوقائع المتاحة أن هذه القراءة لا تستند إلى أساس قوي، لأن ما صدر عن الصين لا يدل على تغيير جذري في الموقف، وإنما يعكس إدارة دقيقة لأزمة شديدة التعقيد، تجمع بين أمن الطاقة، واستقرار الملاحة، والحفاظ على العلاقة مع إيران، فبكين لم تنتقل من دعم الحل السياسي إلى دعم الضغط العسكري الأميركي، ولم تعتمد خطاب واشنطن الذي يقدم إيران كطرف وحيد مسؤول عن الأزمة.
لقد حافظت الصين، منذ بداية التصعيد العسكري ضد إيران، على خط سياسي واضح، يقوم على رفض استعمال القوة في العلاقات الدولية، والتشديد على احترام سيادة الدول، والدعوة إلى وقف العمليات العسكرية ومنع توسع الحرب، كما عبرت وزارة الخارجية الصينية، في أكثر من مناسبة، عن قلقها من المسار العسكري، واعتبرت أن الأولوية يجب أن تكون لإيقاف العمليات، ومنع انتقال الأزمة إلى مستوى إقليمي أوسع، والعودة إلى الحلول السياسية.
يبدو أن الذي تغير، ليس الموقف الاستراتيجي الصيني من إيران، وإنما درجة انخراط بكين في تدبير آثار الأزمة على مصالحها المباشرة، خصوصا في ما يتعلق بالطاقة، والملاحة، واستقرار الأسواق، فالصين تدرك أنها معنية مباشرة بما يجري في مضيق هرمز، وأي اضطراب طويل في هذا الممر البحري ينعكس على أسعار النفط والغاز، وعلى سلاسل التوريد، وعلى الاقتصاد الصيني نفسه.
تريد بكين أن يبقى المضيق مفتوحا، وأن تتراجع المخاطر العسكرية حول السفن، وأن لا يتحول الخليج إلى ورقة ضغط دائمة في يد أي طرف، لذلك فإن حديث بعض المسؤولين الأميركيين عن رغبة الصين في فتح مضيق هرمز دون قيود أو رسوم أو سيطرة عسكرية، يعبر عن قراءة أميركية لمصالح بكين، ولا يعني أن الصين تبنت الرؤية الأميركية للصراع مع إيران.
قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، بعد اجتماعات بكين، إن الصين تريد رؤية المضيق مفتوحا، وإن واشنطن تثق في أن بكين ستعمل على الحد من أي دعم مادي لإيران، إلا أن هذا الكلام يبقى تصريحا أميركيا، لا إعلانا صينيا بالانتقال إلى معسكر الضغط على طهران، لأن بكين تتحرك وفق حساباتها الخاصة، لا وفق حاجات الدعاية الأميركية.
ربما أضعفت الترتيبات التي جرت بين طهران وبكين هذه السردية الأميركية، بعدما بدأت إيران تسمح لبعض السفن الصينية بالعبور في مضيق هرمز، وفق تفاهمات خاصة حول إدارة الممر البحري، وبناء على اتصالات مباشرة مع الجانب الصيني، وهذا يؤكد أن بكين لم تضغط على إيران من موقع الاصطفاف مع واشنطن، وإنما فاوضت طهران من داخل علاقة خاصة تراكمت خلال سنوات.
وتتصرف الصين في هذه الأزمة كقوة كبرى تحاول حماية مصالحها داخل شبكة علاقات متناقضة، فهي تتحدث مع واشنطن لخفض التوتر، وتتحدث مع طهران لحماية مصالحها، وتحافظ في الوقت نفسه على خطاب دبلوماسي يمنعها من الظهور كطرف في الحرب، لذلك لا توجد قطيعة صينية مع إيران، ولا يوجد تفويض مفتوح لطهران لاستعمال ورقة هرمز بلا حدود.
ظهر هذا التوازن بوضوح خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين قبل قمة ترامب وشي جين بينغ، حيث أكدت الصين أن وقف إطلاق النار الشامل أصبح ضرورة عاجلة، وأن العودة إلى المفاوضات هي الطريق الأقل كلفة، وفي الوقت نفسه واصلت بكين انتقاد الأعمال العسكرية الأميركية والإسرائيلية، وحرصت على عدم منح إيران غطاء كاملا لاستخدام التصعيد البحري.
وهكذا تكشف رواية أن ترامب أقنع الصين، عن محاولة أميركية لصناعة نصر سياسي أكثر مما تكشف عن تحول حقيقي في موازين القوة، لأن ترامب يحتاج إلى تقديم زيارته إلى بكين باعتبارها اختراقا في ملف حساس، ويحتاج إلى القول إن الضغط الأميركي بدأ يعطي نتائجه، بينما تتحرك الصين وفق جدول مصالحها، ولا تمنح واشنطن نصرا مجانيا.
ومن جهتها، تدرك إيران بدورها أن علاقتها مع الصين علاقة مصالح ثقيلة، فالصين تشتري النفط الإيراني، وتوفر لطهران متنفسا اقتصاديا وسياسيا، وتساعدها على مقاومة آثار العقوبات والضغط الأميركي، لكنها لا تريد فوضى طويلة في الخليج، ولا اضطرابا مستمرا في مضيق هرمز، لذلك تراعي طهران المصالح الصينية وتحافظ على هامش المناورة.
تؤكد هذه المعطيات أن الصين لم تبدل موقفها من إيران استجابة لإقناع ترامب، ولم تتحول إلى أداة في الضغط الأميركي على طهران، وإنما قرأت الأزمة من زاوية أمن الطاقة، واستقرار التجارة، وحماية صورتها كقوة عظمى مسؤولة، فتواصل إدارة مصالحها بهدوء، وتفتح قنواتها مع إيران، وتناقش مع واشنطن خفض التصعيد، وتحافظ على خطابها التقليدي الرافض للحرب..
التعليقات