دفاعا عن الوزير أحمد التوفيق: من المستفيد من جعل النبي غازيا وليس هاديا؟

18 مايو 2026

عبد الخالق حسين. رئيس المجلس العلمي لطانطان

سيكون من الأفيد والمناسب أن أستحضر معكم سياق كتابة هذا المقال أو لنقل “المرافعة”؛ فهي تبدو في ظاهرها دفاعا عن السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد التوفيق؛ لكن في الحقيقة؛ غايتي أبعد من ذلك؛ فأنا أنظر إلى الهجوم على السيد الوزير كعنوان لهجوم يتقصد السياسة الدينية الرسمية برمتها؛ من نفر يعتبرون هذه السياسة تستهدف لجم الخطباء، ومنع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله؛ بل من غلاة القوم من يعتبرها سياسة تستهدف الإسلام!! لهذا أعتبر مرافعتي هذه دفاعا عن التوجهات الكبرى لمملكتنا الشريفة في مجال السياسة الدينية من خلال الدفاع عن المسؤول الأول عن تنزيلها.

واستصحب الهجمة على السيد الوزير باعتبارها باعث على الانطلاق من حيثية معبرة عن ” خلفية ” هذا التوجه المستنكر لكل ما هو رسمي في الشأن الديني.

لقد حضرت يوم 13 ماي 2026 مع جميع علماء المجالس العلمية بالمملكة الندوة التي نظمها المجلس العلمي الاعلى بمقره بالرباط تحت عنوان:” السيرة النبوية: مصدرا للعلم والعمل ومرجعا في القيم والأخلاق ” وكانت الكلمة الافتتاحية لوزير الأوقاف والشؤون الاسلامية الدكتور أحمد التوفيق؛ والذي كعادته قدم توليفة من التنظير العالي، الجامع بين قدرة تدبرية عجيبة للنص الشرعي، والتقاط ألمعي للعبر من تاريخ المسلمين، وتجميع لدرر من التدبير السياسي للسلاطين المغاربة في حماية بيضة الإسلام، مع بسط للتحديات الفكرية والحضارية التي واجهت وتواجه المسلمين والأمة المغربية بالخصوص؛ مع ذكاء في استحضار بعض المقارنات مع التجارب العالمية للأديان الكتابية وغيرها؛ وفوق كل هذا؛ يدهشك الحضور الروحي للسيد الوزير والاحساس الذي تضفيه كلماته على أجواء التلقي؛ وهو أن الرجل يتكلم من موقع رجل الدولة، وهموم أولي الأمر، وليس مجرد كلام عارض لبضاعة ثقافية يتغيا تنشيط ندوة جامعية.. وقد كان جليا هذا الحضور الروحي قبل شهور عندما استمتع العلماء بمداخلة للسيد الوزير تحدث فيها عن مسؤولية العلماء الربانيين أمام التحديات المعاصرة الخطيرة؛ وقد فوجئنا بلحظة انهمرت الدموع من عينيه وغلبه بكاء شديد وهو يستدل بآيات من كتاب الله؛ فتعذر عليه ان يكمل محاضرته؛ فانسحب من القاعة أمام تأثر وذهول الجميع !!

لقد ذكر السيد الوزير في ثنايا محاضرته في الندوة الأخيرة أن سيدنا رسول الله ” قد بعث هاديا وليس غازيا”؛ وهو كلام يستقبله ذو اللب – واللب هو العقل إذا صفا – وصاحب الفطرة السليمة، بكل ارتياح وقبول؛ فنحن أتباع النبي المعظم صلى الله عليه وسلم نحس أن قرآن ربنا وأن صلاتنا وذكرنا وصيامنا وكل شعائرنا؛ تدعونا لنكون “أهل قول معروف، لين، وجميل؛ وليس “أهل فظاظة، وعنف وعدوان وقتال” ..

لكن كانت هذه الجملة، هي موضوع الخرجات الاعلامية التي تستنكر قول الوزير؛ وتتهمه بتحريف سيرة النبي وتدعوه لقول الحقيقة كاملة؛ والحقيقة في نظرهم هي أن النبي “قد بعث هاديا، وغازيا كذلك ” أي أن النبوة جاءت إلى العالمين بلسانها وبسيفها أيضا !!

إن التأمل في طرح النبوة الغازية هذا؛ وهو طرح قد زرع في وجدان المتدينين دهرا طويلا؛ لأسباب يطول شرحها؛ يكشف أنه اتجاه يتأسس على منهج في التفكير يحتاج تقويما إبستيمولوجيا؛ بمعنى تقويما سابقا لمرحلة انتاج هذه الآراء؛ تقويما يشتغل على “الآليات المعرفية والمنهجية للإنتاج” نفسها.

فالذي يقرأ مثلا؛ “سيرة طبيب” دوره في الأصل انتاج ” الشفاء”؛ أي تمتيع الاجساد بالصحة والعافية والقوة؛ وقد مارس طول حياته مهمة تقديم خدمات الشفاء للناس؛ ثم يأتي من يدرس سيرة الطبيب؛ فيقتطع منها لحظتين مخصوصتين هما: لحظة وصف حمية قاسية لمريض مخصوص؛ ولحظة الاضطرار لإجراء عملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني لمريض مخصوص.

إن اختيار هاتين اللحظتين؛ لحظة الحمية القاسية؛ ولحظة الاستئصال العضوي؛ من أجل الاستدلال على أن “روح سيرة” الطبيب هي ” استعمال القسوة” في العلاج والاستشفاء؛ ليعبر عن خلل معرفي ومنهجي لدى دارس هذه السيرة؛ فالمهمة الأساسية للطبيب من خلال سيرته، والتي لا تحتمل التأويل؛ تقوم على استراتيجية” الرحمة بالأجساد والأرواح “؛ وكل عمل قام به الطبيب مخالف لهذه الرحمة ما هو إلا استثناء وخروج عن القاعدة مؤقتا واضطرارا للمحافظة على “قاعدة الشفاء”؛ فهو استثناء يدعم القاعدة ولا يبطلها.

وسوف أترك لعقولكم الحكم العدل على من استنتج من سيرة الطبيب أنه كان: “قاسيا عنيفا” على مرضاه!!

إن الداعية الذي يعلن بأن النبي بعث غازيا مقاتلا؛ لا يدرك “حجم الرعب” الذي يبثه في قلوب العالمين من هذا النبي؛ إن طبيبا يوصف “بالقسوة” سيجعل الناس يتفادون مجرد استشارته، فالأحرى تسليم أجسادهم لمبضعه.

ويمكن إجمال الخلل المنهجي في النظر الى سيرة سيدنا رسول الله الذي تصدر عنه ردود هؤلاء المنتقدين للوزير وللسياسة الدينية عموما، في العناصر الاتية:

أ- ان المهمة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعلن عنها في القرآن ” وما أرسلناك الا رحمة للعالمين” هي مهمة استثنائية؛ والأصل الذي يعلوها ويحكمها هو: “إكراه العالمين على اعتناق الاسلام”؛

ب- إن الغاية العظمى من خلق الناس حسب القرآن وسنة النبي هي “التعارف والتعاون”؛ هي غاية عند المنكرين غاية “تمويهية” وليست حقيقية؛

ج- إن حرص النبي على عدم تخويف الناس من مقام النبوة؛ وانفضاضهم من حوله والتي عبر عنها بقوله:” أتريدون أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه” ماهو إلا “صبر تكتيكي” على المنافقين وليس خلقا أصيلا يمقت الانتقام؛

د- إن إعلان النبي أنه جاء “ليتمم مكارم الاخلاق” وعلى رأسها أخلاق المحبة والتعاون والتسامح؛ ما هو إلا إعلان استدعته حالة ضعف أهل الإسلام في انتظار لحظة الاستقواء.

س- إن “وثيقة المدينة” التي أرست السلام والاستقرار في المجتمع واعتبرت سكان المدينة أمة واحدة يتعايشون في تعاون وحسن جوار؛ ماهي إلا حيلة سياسية مؤقتة؛

غ – إن فتح مكة الذي كان سلميا؛ وحرم فيه النبي الانتقام من أعداء الأمس؛ وأصدر فيه العفو العام؛ بقوله: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، لا يعبر عن خلق النبي الحامل للرحمة للعالمين، بقدر ما يعبر عن “دهاء المنتصر” الذي ينتظر اكتمال السيطرة على المدينة.

ق – أن دعوة النبي بالهداية لأعدائه المشركين في مكة بقوله: “اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون” كان دعاء المستضعف والخائف من القتل.

إن هذه الخلفية في التفكير كافية لتقنعنا بأن النبي فعلا كان غازيا وليس هاديا؛ بيد أننا سوف نحاصر بآلاف الأدلة الناسفة لهذا الطرح !!

فما حقيقة هذا النبي الغازي العاشق للقتال الذي كان يمارس حربا خاضعة لمنطق المحبة والرحمة؛ منطقها ” لا تقتلوا امرأة، ولا طفلا، وشيخا كبيرا، ولا معتزلا في صومعته، ولا تقطعوا شجرا مثمرا “؛ هل فعلا كان هدف هذا النبي هو الغزو وإذلال الأعداء؟

إن تاريخ الحروب هو تاريخ تدمير العدو: بشريا وعمرانيا واقتصاديا؛ والنبي لم يمارس هذه الحرب أبدا.

ولهذا فالخلل عند “دعاة العزو” يتأسس على تصور للنبوة جاءت لجر الاجساد إلى المساجد لعبادة الله؛ وأن النبي رجل يحمل السيف ليقطع عنق من قال:” لا؛ لن أدخل في الاسلام”؛ في الحقيقة كان النبي يحمل سيفه ولكن ظروف الصحراء وغياب القانون وثقافة الغزو عند البدو تلزم كل انسان اي يتأبط سيفه والى عهد قريب اجدادنا كانوا يحملون الخنجر في كل وقت.

لكن هذا لا يعني أن حمل الخنجر من مقومات الحياة الإجتماعية السوية؛

فالنبوة جاءت للدعوة إلى التعاون على البر والتقوى؛ وعدم التعاون على الاثم والعدوان؛ جاءت بالرحمة للعالمين والدخول في السلم كافة؛ لقد ارسل الله موسى الى المجرم فرعون وأمره بأن يخاطبه بأسلوب الانبياء ” اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى”.

إنه منهج الأنبياء القائم على أن كلمة الله لا تحتاج الى السلاح؛ فهي قوية في ذاتها وبذاتها؛ والنبي يحتاج الى السلام والحوار والتعارف

لأنه بعث هاديا؛ والهداية سر إلهي؛ فالله هو وحده سبحانه “الهادي”؛ ومن شروط الهداية أن يكون العقل والقلب في حال هدوء واطمئنان وليس في اجواء رعب وخوف وفتنة؛ والقتال والغزو الذي نقرأه في سيرة النبي هو الاسلوب الذي يتبنه أعداء كلمة الله منذ نببنا آدم عليه السلام إلى قيام الساعة؛ لأن أعداء الانبياء يعرفون أن نور الله جميل وجليل وقوي وفاتن ومحبوب وموافق للفطرة؛ لهذا يحاولون اطفاءه بزعزعة الأوضاع باللغو والتخويف والفتنة؛ ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون.

نعم يحتاج الحق لقوة تدفع عنه العدوان؛ وهذا هو الوجه الاستثنائي للنبوة؛ الجنوح أحيانا إلى الحل الطارئ والمؤقت، ولكنه يبقى خيارا تكتيكيا وليس خيارا استراتيجيا في سيرة النبي المعظم.

دعوني أبدأ من النهاية؛ كل داعية اختار طريق النصيحة للناس، يستبطن في مرحلة من مراحل الانخراط في الدعوة إلى الله هذه القناعة؛ ينبغي أن تختبر إيمانك بنقد وتجريح المسؤولين على تدبير الشأن الديني من رجال الدولة لأن هذا الاختبار مندرج تحت ” قولة حق عند سلطان جائر “؛ وهو شعور عشناه في بدايات انخراطنا في الدعوة الى الله منذ الفترة التلاميذية بالثانوي، مرورا بحياتنا الجامعية الصاخبة.. هكذا يجد المتدين من خلال ” إنشاء” أدبي ممتد عبر التاريخ أن الاحتجاج على المسؤول على السياسة الدينية انجاز “لا يستطيعه” إلا نفر من “الدعاة الصادقين”!!؛ ويستصحب هذا الشعور ” شفقة ” على علماء المؤسسة الرسمية لأنهم خانعون مطبلون للتدين الرسمي السلطاني ” الكاتم للحق” من منطلق ” الساكت على الحق شيطان أخرص” !!

ينبغي أن يكون المرء مجردا من ” كثير من المقروءات الاعتراضية المنزوعة من سياقاتها ” وأن يتمتع بخيال انطولوجي واسع، وبرؤية دبلوماسية ممتدة في التاريخ؛ لكي يستوعب في “نسق شديد التركيب” الكثير من الثنائيات الجدالية المتأسسة على أعطاب منهجية في التفكير الإسلامي المعاصر.

إننا ملزمون بحكم التمييز المنهجي بين الآيات المحكمات والأخر المتشابهات؛ وكذا بالتوسل بالحس والعقل وسنن التاريخ أن نعتقد يقينا بأن “روح دين الله: الإسلام” هو الاتصاف بالرحمة خلقا؛ والدخول في السلام والسلم دعوة؛ وأن التصرف والفعل التاريخي للإيمان والمؤمنين هونشر هذه الرحمة بين الخلائق؛ وجعل التعارف أساس كل عمران واجتماع؛ وهي أخلاق وأسس لا تقبل الجدل أو المراجعة تحت أي ظرف؛ “فالنبوة القدوة” ما قبل ( عدوان الظالمين) بل وما بعد عدوانهم؛ هي الدعوة إلى الهدى بالكلمة والحوار؛ و”النبوة القدوة” تبقى المؤتمنة على الخطاب الجامع لأخلاق “التبشير لا التنفير” والبر والتقوى لا الإثم والعدوان؛ سواء قبل ( تهجم اهل الباطل ) أو بعد تهجمهم.

إن معالي وزير الأوقاف يمثل المؤسسة الدينية الرسمية المنتجة للخطاب الديني في سياق مخصوص هو الآن، ومجال مخصوص هو المملكة المغربية الشريفة؛ والمطلوب منه كمدبر للسياسة الدينية – واهم أشد الوهم من يظن أن الوزير هو المنتج والمنظر لهذه السياسة – بالأساس هو المحافظة على “ارث النبوة في الرحمة”.. أما صناعة “الردود المقابلة للاعتداء بمثل حجمه”؛ فهو تخصص مؤسسات رسمية اخرى تمثل التصرف النبوي في كل مقام من مقامات النبوة الجامعة؛ “فالنبوة” هي المركز الجامع لكل المؤسسات؛ التربوية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية والسياسية والعسكرية والديبلوماسية؛ والمملكة الشريفة بمقتضى التدبير الدولتي المعاصر تقوم بتصريف “الحكمة النبوية” عبر مختلف المؤسسات؛ وكل مؤسسة رسمية أعلم وأدرى بتكتيكات الردود على ” التحديات المعاصرة المستهدفة لإرث النبوة ” وتقدير حجم هذه التحديات؛ ووزير الأوقاف ينتج من الخطاب المعبر عن السياسة الدينية وينزل ما يوافق ويناسب مقتضيات السياق المغربي؛ ويكون محافظا على “جوهر النبوة الخالص”؛ وليس ما يوافق ” خطابات وتنزيلات وحلول وعلاجات ” أملتها تدافعات أنتجت في سياقات تاريخية وحضارية ماضية.

فالوزير وهو عضو بالمجلس العلمي الأعلى حريص على حماية وجه النبوة وجوهرها وروحها المتمثل في ” الرحمة للعالمين”؛ وهو يعرف حدود ومجال خطابه وتدبيره في جغرافية تتجاور فيها مجالات وقطاعات ومؤسسات رسمية أخرى. فعندما كان النبي حيا؛ كان يتصرف بألوان من التصرفات والقبعات داخل مجال الدولة الإسلامية؛ وكان المسجد كذلك هو مجال الحل والعقد وتدبير الشأن العام، والمركز الجامع لكل أصناف التصرف النبوي تربويا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو حتى عسكريا، أما اليوم؛ فصيانة لقدسية بيت الله، استقلت مؤسسات التدبير عن المسجد؛ فأصبحت المؤسسة العسكرية مثلا؛ قائمة الذات بتنظيراتها واجراءاتها الميدانية، مستحضرة لروح النبوة في حفظ دين الأمة ودماء الأمة وحوزتها؛ وأصبح خطاب النبوة:” أمرت أن أقاتل ” خطاب تنفرد به مؤسسة الدفاع وليس مؤسسة وزير الأوقاف أو مؤسسة العلماء؛ مع العلم أن داخل المؤسسة العسكرية هناك قطاع للدعم المعنوي والإرشاد الديني وهو تخصص موجود في كل دول العالم.

إن الدعاة المنكرون على السيد الوزير يعانون – وهي معاناة مفهومة لنا نحن على الأقل، الذين شببنا من طفولتنا داخل تيار الدعوة إلى الله – من ضبابية في الرؤية الدينية، وتشوش منهجي في التعامل من النصوص التأسيسية: قرآنا وسنة؛ بالإضافة إلى الغرق في بحر السيرة المجيدة؛ وهو بحر يحتاج مهارات خاصة لكل خائض لعبابه؛ والسيرة في حقيقتها هي “كلام الله وسنة رسوله” المطلقين؛ عندما يتنزلان سياسة في معمعة التاريخ النسبي؛ وبين المطلق المعصوم والنسبي المظنون تاهت عقول الكثير من الدعاة.

إنه لمن دواعي الأسى أن تجد خريجا من مسالك العلوم الشرعية، وقد يحمل شهادة الدكتوراه؛ يكتب أو يخطب منتجا “إنشاء” معطوبا، سواء عرضته على مسلمات علم الاجتماع الديني؛ أو حاكمته بمسلمات العلوم السياسة؛ واستطيع أن أجزم أنها أعطاب تخترق الشخصية الدينية المشاكسة بشكل مدهش..

وإني على يقين أن الكثير من الدعاة – ولست جانحا إلى التعميم – المستهدفين للسياسة الرسمية بالنقد؛ كما شهدنا في الموجة الشعواء على خطبة الجمعة وهي الموجة التي تصلح أن تكون ” مادة” لتحليل شخصيات أصحابها الذين استبطنت مزيجا من “التقليدانية والحجج الباهتة”؛ قد تكثلوا في مجموعات تشتغل بعقلية الملأ؛ وتلتحم علاقاتهم الدعوية بمودة في الحياة الدنيا ينقصها الكثير من حسن الظن؛ فتجدهم في اجتماعاتهم يعرضون غنائم غزواتهم الخطابية بكل فخر وثقة؛ ويتبادلون ردودهم الافحامية على الوزير وعلى علماء المجلس العلمي الأعلى بكثير من السخرية الممقوتة في سورة الحجرات ناسين مفعول ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) الداعية إلى “التواضع المعرفي” على الأقل.. فالطائفة المتفقهة في الدين والمتصدية للنذارة من علماء المجالس العلمية تأتمر بأمر أمير المؤمنين أعزه الله حامل لواء الدود عن دين الأمة وتوابثها من منظور الدولة الاستراتيجي؛ وهو منظور كنا في زمن “مراهقتنا الدعوية” نعتبره “مضيع لأمانات النبوة؛ لكونه قريبا من السلطان ! ” ..

إن تراثا عريضا موروثا عن فترات من تاريخ الأمة انفصل وتباعد فيها السلطان عن أهل القرآن؛ وانتقم فيها أهل القرآن بالدعوة الى مقاطعة السلطان الجائر وعدم الاقتراب من عتبة القصور ورعا؛ بالموازاة مع مقاطعة القبور براءة من الشرك؛ إن هذا التراث قد شكل “سيكولوجية دعوية تعتقد أنه من المستحيل قيام “سلطان” يعيد لأهل القرآن مقامهم في الدولة قائمين بالقسط، منافحين عن دينهم، ومنخرطين في نفخ روح القرآن وسنة رسول الله في مفاصل وعروق الأمة والدولة.

وإن ثمة إحساس ينتابني أنك مهما حاولت الدولة مجتهدة في خدمة الإسلام بآليات مبتكرة مستجيبة لروح العصر؛ فلن تستطيع إقناع هذا الاتجاه الدعوي التشاؤمي الذي يتمتع بسيكولوجية يائسة من وعد الله ” أن الأرض سيرثها عبادي الصالحون “؛ والشاك في قدرة الله على الجمع المتجدد في التاريخ بين السلطان والقرآن؛ بعد الجمع النبوي المبارك الأول.

ونحن كمنخرطين بكل تواضع؛ وبكل مسؤولية أيضا؛ في المؤسسة الرسمية التي يرأسها مولانا أمير المؤمنين – وأنا أعلم الوقع المدهش لهذا التوصيف على ” الصيد” بتعبير اهل الصحراء؛ أي على ( دعاة الاستحالة هؤلاء) – نحن علماء السلطان لمقتنعون بأن هذا “التوليف المبارك” بين “كلام ربنا وسنة نبينا” وبين “سياق حضاري جديد وفريد غير مسبوق” قد استأنف عن علم وحكمة في مملكتنا المغربية الشريفة؛ وهو استئناف مبني على ” تنظير اندماجي” شاركت فيه أعظم الأدمغة المغربية المعاصرة المنتمية لجميع التخصصات وفي مقدمتها ” علوم الشريعة بلحاظ مقاصدها” وعلوم التاريخ بلحاظ فلسفتها” وعلوم المستقبليات بلحاظ مدارسها”؛ بيد أن هناك “وهما” يدعو للسخرية يدعي أن السياسة الدينية ينتجها الوزير على هواه؛ وهووهم تنتجه الكبرياء وشح بالنفس يستعصي علاجه بدون تواضع صوفي صادق؛ ولو اطلع دعاة الإنكار على “أسماء الخبراء المشاركين” في انتاج السياسة الدينية ومقامهم العلمي؛ لامتنعوا عن الكلام زمنا غير يسير؛ وانشغلوا بشد عضد السياسة الدينية لبلدهم ..

ولعل من المناسب أن أصرح هنا بأننا كنا مثلهم؛ فمن الله علينا، وأنا أقدر عن تجربة وخبرة “الحجب” التي تعيق المتدين من إبصار السيرورة التاريخية للحضارة المغربية كما هي حقيقة؛ وليس كما لقن هوعن طريق الكثير من قصيري النظر في الشأن الديني؛ و”الذين تنتجهم جامعاتنا” للأسف الشديد.

وفي الختام: ثمة حقيقة يجب ان يدركها كل الدعاة الذي انتهجوا سبيل التنقيص بل والتنمر على معالي وزير الاوقاف؛ إن الوزير يجتهد ليقدم في خطبه ومحاضراته وتوجيهاته جوهر النبوة المحمدية الخاتمة وهو” الرحمة للعالمين”؛ وأما الاختيارت التي فرضت على النبي استثناء مثل حمل السلاح والقتال؛ فالقرآن يصف هذا الإختيار بأنه ” جاء تحت ظروف قاهرة غير مرغوبة” يقول سبحانه:” كتب عليكم القتال وهو كره لكم “؛ كما أن الاختيارات الاستثنائية وهي من أمر الخوف والأمن ترجع إلى “مؤسسات” متأسسة على الفعل وليس القول؛ فمن تقاليدها التزام ” واجب التحفظ”؛ إذ تفكر بمنطق أمني دقيق؛ وهي منشغلة بوضع الاستراتيجيات وتطوير الصناعات ومواجهة الاختراقات الظاهرة والباطنة والسبيرانية وغيرها.

وسيكون من رجاحة العقل والتواضع المحمود؛ وكذا الاستجابة لسيرة الرسول المعظم أن يتدبر الكثير من “الدعاة المشاكسين لاختيارات أمتهم” نصيحة رسول الله: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”؛ ومالا يعني المرء في سياق مرافعتي هذه؛ هو “ما لا يحيط المشاكس بتفاصيله وأسراره وخباياه الشديدة التعقيد !!

بعد كلمة معالي الوزير في ندوة المجلس العلمي الاعلى التي سبقتها قراءة ملائكية من العلامة الفقيه واللغوي والمقرئ سيدي عبد الرحيم النابلسي بحر القراءات القرآنية وعلوم القرآن؛ تتالت المداخلات المتدبرة في سيرة رسول الله من خيرة وألمع علماء المملكة؛ لتختتم الندوة بوصلات السماع والمديح لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ جسد فيها العلماء التعلق الجمالي بسيرة نبي الرحمة والجمال؛ ورفع الدعاء لمولانا أمير المؤمنين أعزه الله، الذي أهاب بالعلماء وبالأمة المغربية أن يجعلوا “شخ

صية” سيدنا رسول الله موضوعا للدرس والتدبر والاعتزاز والصلاة والمديح في كل زمان ومكان.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...