حفل تقديم كتاب فلسفة الصحة وسؤال الأخلاق
محمد عزلي
احتضن المركز الثقافي ليكسوس باب البحر بمدينة العرائش، مساء أمس الأحد 17 ماي 2026، ندوة فكرية بعنوان “فلسفة الصحة وسؤال الأخلاق”، وذلك ضمن فعاليات “الأسبوع الثقافي للعرائش”، المنظمة من طرف المركز الثقافي العرائش بشراكة مع مجلس إقليم العرائش وجماعة العرائش ومركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث والمجلس المنفتح للمجتمع المدني بالعرائش.
وعرفت الندوة مشاركة الدكتور جلال مودن، والدكتور مصطفى امقدوف، صاحبي العمل، والدكتور محمد سرو، والأستاذ شفيق العبودي، فيما تولى تسيير اللقاء الدكتور عواد إعبدون، الذي أبان عن تمكن وحضور متميز في إدارة النقاش وربط الأفكار الواردة في المداخلات وتفاعل الحضور مع القضايا المطروحة.
وقد تميزت مداخلة الدكتور محمد سرو بعمقها الفلسفي والمعرفي، حيث ناقش كرونولوجيا تطور سؤال الأخلاق والصحة عبر عدد من كبار الفلاسفة، متوقفاً عند التصورات الفكرية التي واكبت تطور هذا النقاش عبر التاريخ. كما قارب الأفكار الأساسية للكتاب من خلال وجهات نظر فلسفية متعددة، متناولاً إشكالية أنواع المعارف ومفهوم “الأمر الأخلاقي المطلق” وعلاقته بالمسؤولية الإنسانية والقيم التي ينبغي أن تؤطر الفعل العلمي والطبي.
أما الأستاذ شفيق العبودي فقد تناول العمل من زاوية إشكالية الفصل بين الطب باعتباره علماً تقنياً يتعامل مع الجسد كآلة تستدعي الإصلاح، وبين ضرورة النظر إلى الإنسان ككائن إنساني تحكمه القيم والأخلاق والمعنى. وأكد أن الكتاب ينتصر للعقل الإنساني المؤمن بما وصفه بـ”العقل الملكوتي”، الذي يجعل من بناء العلم والمعرفة وسيلة للارتقاء نحو الحكمة، وربط التقدم العلمي بالبعد الأخلاقي والإنساني.
فيما تطرق الدكتور جلال مودن إلى التحولات التي عرفها مفهوم الطب من صورة “الحكيم” المرتبط بالمعرفة والبعد الإنساني، إلى هيمنة النموذج التقني والعلمي الحديث، متحدثاً عن الانتقال “من هيمنة المهندس إلى هيمنة الطبيب”، ومن فكرة “الإنسان الخارق إلى الإنسان الرائق”. كما ناقش بعض الإشكالات المرتبطة بالتجارب العلمية والهندسة الوراثية، محذراً من اختزال الإنسان في بعده المادي بعيداً عن البعد القيمي والروحي، ومؤكداً أن الطب ينبغي أن يظل خادماً للإنسان لا متحكماً فيه، مع استحضار مفهوم “الائتمانية” وأخلاقيات الحياة “البيوتيقا” في تأطير العلاقة بين العلم والقيم الإنسانية.
أما الدكتور مصطفى امقدوف فقد تناول في مداخلته العلاقة بين “الميتافيزيقا الإلهية” و”الميتافيزيقا العقلية”، متوقفاً عند التحولات التي جعلت مفهوم الحرية المطلقة يتحول في بعض السياقات المعاصرة إلى عامل مناقض للصحة والبيئة والإنسان، مستحضراً نماذج من قبيل التلوث الصناعي والصناعات الحربية وما تخلفه من آثار مدمرة على الحياة البشرية والطبيعة. وأكد أن الجسد لا يمكن فصله عن الروح، معتبراً أن القرآن الكريم يجعل من الروح منطلقاً لشفاء الجسد واستقامة الإنسان، خلافاً لبعض المقاربات المادية أو العلمانية التي تختزل الإنسان في بعده الجسدي فقط، مما أوصل الإنسان إلى مرحلة ما وصفه بـ”صناعة المرض” في العالم المعاصر.
وفي ختام اللقاء، انفتح النقاش على تفاعل نقدي وفكري قوي بين المتدخلين والحاضرين، حيث تمت مناقشة قضايا العلمانية والدين والأخلاق والفلسفة والحداثة والرأسمالية المتوحشة، إلى جانب حدود التقدم العلمي وعلاقته بالقيم الإنسانية والروحية. وقد أضفى هذا النقاش الحيوي على الندوة بعداً فكرياً عميقاً، عكس مستوى التلقي والتفاعل عند الجمهور الحاضر ومستوى الاهتمام الذي أثارته القضايا المطروحة وأهمية الموضوع في السياق المعاصر.
التعليقات