شرعية القوانين الوضعية في الفقه المقاصدي: قراءة نقدية تفكيكية لخطابات التحريم
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
ليس من قبيل المصادفة أن يتجدد الجدل في كل مرحلة تاريخية حول مشروعية القوانين المدنية الوضعية، ولا أن يُطرح السؤال ذاته بصيغ مختلفة: هل يجوز الاحتكام إلى قوانين وضعها الإنسان؟ وهل يُعد ذلك خروجًا عن الشريعة؟
غير أن هذا السؤال – في عمقه – يكشف عن إشكال منهجي في فهم طبيعة الشريعة الإسلامية ذاتها، كما يكشف عن خلل في إدراك العلاقة بين النص والمقصد، وبين الثابت والمتغير، وبين الوحي والاجتهاد البشري.
إن النظر المقاصدي في الشريعة الإسلامية يفتح أفقًا واسعًا لفهم القوانين المدنية الوضعية باعتبارها امتدادًا وظيفيًا لمقاصد الدين، لا مناقضًا لها. فالشريعة لم تأتِ لتقيد حركة الإنسان في الزمان والمكان، بل جاءت لتؤطرها وتوجهها نحو تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وهذا ما عبّر عنه علماء الأصول بقولهم: “حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله”، وهي قاعدة لا تُفهم على إطلاقها الفوضوي، بل في إطار منضبط يراعي روح الشريعة ومقاصدها الكلية.
إن القوانين المدنية الحديثة – بما تتضمنه من تنظيم للعلاقات، وضبط للمعاملات، وتحديد للحقوق والواجبات – إنما تقوم في جوهرها بوظيفة حفظ الضروريات الخمس التي اتفقت عليها الشريعة: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال.
فحفظ النفس يتحقق من خلال قوانين الأمن والعقوبات، وحفظ المال يتجسد في قوانين الملكية والتجارة، وحفظ العقل يظهر في تنظيم التعليم ومنع ما يفسده، وحفظ النسل يتجلى في قوانين الأسرة، أما حفظ الدين فلا يعني فرضه بالقوة، بل ضمان حريته وصيانته من الاعتداء.
من هنا، فإن القول بأن القوانين الوضعية المدنية “حرام” بإطلاق هو حكم يفتقر إلى الدقة العلمية، ويغفل عن طبيعة التشريع الإسلامي الذي قام في جانب كبير منه على الاجتهاد البشري. فالفقه الإسلامي نفسه ليس نصًا مقدسًا، بل هو فهم بشري للنصوص، واستنباط للأحكام وفق معطيات الزمان والمكان.
وقد اختلف الفقهاء عبر العصور في كثير من المسائل، بل إن بعضهم غيّر اجتهاده عندما تغيرت الظروف، وهو ما يعكس مرونة الشريعة وقدرتها على التكيف .
إن من يرفض القوانين المدنية الوضعية بدعوى أنها “من صنع الإنسان” يقع في تناقض واضح، إذ إن الفقه الذي يحتكم إليه هو أيضًا من صنع الإنسان، وإن كان مستندًا إلى النص. فالفارق ليس بين “إلهي” و”بشري” كما يُتصور، بل بين اجتهاد منضبط بالمقاصد واجتهاد منغلق على ظواهر النصوص دون اعتبار لغاياتها.
ولعل من أبرز الأمثلة التي تكشف عن هذا الخلط، ما يتعلق بقوانين المرور. فهذه القوانين – التي تنظم السير وتحمي الأرواح – لم ترد بنص في القرآن أو السنة، ومع ذلك فإن الالتزام بها يدخل ضمن الواجبات الشرعية، لأنها تحقق مقصد حفظ النفس. فهل يُعقل أن يُقال إن الالتزام بإشارة المرور حرام لأنها “قانون وضعي”؟ إن مثل هذا القول يكشف عن فهم سطحي لطبيعة التشريع.
وكذلك الحال في قوانين الصيد البحري والقوانين التجارية التي تنظم المعاملات وتمنع الغش والاحتكار، فهي تحقق مقصد حفظ المال، بل إن كثيرًا منها ينسجم مع قواعد فقهية أصيلة مثل “لا ضرر ولا ضرار” و”الغنم بالغرم”. بل إن بعض القوانين الحديثة أكثر دقة في ضبط المعاملات من بعض التطبيقات الفقهية التقليدية، لأنها تستفيد من تطور العلوم والخبرات .
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون القانون وضعيًا أو شرعيًا، بل في مدى تحقيقه للعدل. فالعدل هو جوهر الشريعة وروحها، وقد قال العلماء إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. وهذا القول يعكس إدراكًا عميقًا بأن المقاصد مقدمة على الأشكال، وأن تحقيق العدل أولى من التمسك بصور شكلية قد تُفضي إلى الظلم.
إن بعض المعارضين للقوانين المدنية ينطلقون من تصور ثنائي حاد: إما شريعة اسلامية وإما قانون وضعي، وكأنهما نقيضان لا يجتمعان. غير أن هذا التصور يتجاهل أن الشريعة نفسها لم تضع نظامًا تفصيليًا لكل جزئيات الحياة، بل تركت مساحة واسعة للاجتهاد، وهو ما يُعرف بمنطقة “العفو التشريعي” أو “المصلحة المرسلة”.
وهذه المساحة هي التي تتحرك فيها القوانين المدنية الحديثة، وفي السياق الفقهي الإسلامي، هي المساحة التي لم تنزل فيها نصوص شرعية قطعية (من الكتاب أو السنة) تحدد حكماً بالوجوب أو التحريم، وتركها الشارع الحكيم عمداً لتكون خاضعة لاجتهاد أولي الأمر والعلماء والفقهاء بما يحقق المصلحة العامة .
كما أن هذا الرفض المطلق يعكس نوعًا من الجمود الفقهي الذي لا يراعي تغير الزمان. فالحياة المعاصرة أصبحت أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى أنظمة دقيقة لتنظيمها، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال قوانين مفصلة تستجيب لهذه التعقيدات.
وقد أدرك الفقهاء هذا الأمر منذ قرون، فابتكروا أدوات اجتهادية مثل الاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة، وكلها تهدف إلى تحقيق المقاصد في واقع متغير.
إن القول بحرمة القوانين الوضعية المدنية يؤدي – في الواقع – إلى نتائج خطيرة، منها الفوضى القانونية، وغياب التنظيم، وفتح الباب أمام الاجتهادات الفردية غير المنضبطة. كما أنه يضع المسلم في حالة صراع مع الدولة والمجتمع، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في تحقيق الاستقرار والأمن .
ومن الأمثلة الواقعية على أهمية القوانين المدنية، قوانين الأحوال الشخصية التي تنظم الزواج والطلاق والنفقة. ففي كثير من الدول، تم تقنين هذه الأحكام بما يحقق التوازن بين حقوق الرجل والمرأة، ويمنع التعسف، وهو ما ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية التي جاءت لرفع الظلم.
كما أن وجود محاكم مدنية تنظر في النزاعات يحقق مقصد حفظ الحقوق، ويمنع اللجوء إلى العنف أو تطبيق “شرع اليد” فهذا المصطلح دارج في المملكة المغربية ويُشير إلى قيام الأفراد أو الجماعات بتطبيق العقاب أو استيفاء الحقوق بأنفسهم، عبر استخدام العنف، دون اللجوء إلى السلطات الأمنية أو القضائية. وهو سلوك يستنكره الحقوقيون كما تحرمه الشريعة الإسلامية نفسها .
إن الفهم المقاصدي للشريعة يقتضي النظر إلى القوانين باعتبارها وسائل لا غايات، وأن الحكم عليها يكون بمدى تحقيقها للمصالح. فإذا كانت القوانين المدنية تحقق العدل، وتحفظ الحقوق، وتمنع الفساد والفوضى، فإنها تكون من صميم المقاصد الشرعية، بل إن الالتزام بها يصبح واجبًا دينيًا.
وفي المقابل، فإن رفض هذه القوانين بدعوى “التحاكم إلى غير ما أنزل الله” هو توظيف غير دقيق للنصوص، لأن هذه النصوص نزلت في سياقات تتعلق برفض حكم الله في القضايا الكبرى، لا في تنظيم شؤون الحياة التي تركت للاجتهاد.
كما أن هذا الفهم يتجاهل أن كثيرًا من القوانين مستلهم من مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، ولهذا تُعتبر أحد النظم القانونية الكبرى والمعترف بها كمصدر من مصادر القانون الدولي في الأمم المتحدة ، لا سيما في الجوانب المتعلقة بـ المبادئ العامة للقانون المعترف بها، والعرف الدولي. يُستدل بها في كثير من المنازعات الدولية والقانون الإنساني، وتتوافق مبادئها (مثل الوفاء بالعهود، وقواعد الحرب والسلم) مع العديد من بنود القانون الدولي الحديث .
إن الشريعة ليست نصوصًا جامدة كما يظن البعض، بل منظومة حية تتفاعل مع الواقع، وتستجيب لمتغيراته. والقوانين المدنية ليست خصمًا للشريعة، بل أداة من أدوات تحقيقها في العصر الحديث. ومن هنا، فإن الواجب ليس رفض هذه القوانين، بل تطويرها وتوجيهها بما ينسجم مع المقاصد الشرعية.
وفي الختام، يمكن القول إن القوانين المدنية الوضعية، إذا قامت على العدل وحققت المصالح، فإنها تمثل تجليًا معاصرًا للمقاصد الشرعية، وليست خروجًا عنها. وإن من يرفضها بإطلاق إنما يقع في فهم قاصر للشريعة، ويغفل عن بعدها المقاصدي الذي يجعلها صالحة لكل زمان ومكان.
فالشريعة جاءت لهداية الإنسان، لا لتعقيد حياته، وجاءت لتحقيق مصالحه، لا لتعطيلها. ومن هنا، فإن القوانين التي تنظم حياة الناس وتحفظ حقوقهم إنما تسير في الاتجاه ذاته الذي جاءت به الشريعة، وإن اختلفت في الصياغة والأدوات .
التعليقات