تفكيك مقولة “النبي الغازي”: قراءة تحليلية في ضوء وقائع السيرة النبوية
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومرشد ديني بفرنسا
قرأتُ مقالًا لصاحبه يردّ فيه على فكرة أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن هاديًا فقط، بل كان “غازيًا”، ثم صوّر هذا الجانب وكأنه الأصل في رسالته، حتى بدا وكأن وجود الغزوات في السيرة ينفي عنه وصف الرحمة والهداية. غير أن هذه القراءة ـ في نظري ـ قراءة مجتزأة؛ لأنها تنتزع جانبًا من السيرة من سياقه التاريخي والشرعي، ثم تبني عليه حكمًا عامًا، مع أن القرآن والسيرة كلاهما يقرران بوضوح أن الأصل في بعثة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو الهداية والرحمة، لا المواجهة والحرب. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يبدأ دعوته بسيف ولا بجيش، وإنما بدأها بكلمة: (اقرأ) وبقي ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتحمّل هو وأصحابه شتى أنواع الأذى من قريش وإيذاءٍ بلغ حدّ قتل بعض المستضعفين، دون أن يُؤذن لهم بالردّ على ذلك بالقوة أو المواجهة المسلحة. ولو كان الغزو هو الأصل في دعوته لبدأ به منذ اللحظة الأولى، لكنه لم يُؤذن له بحمل السلاح أو الدخول في مواجهة عسكرية إلا بعد الهجرة، وبعد أن تحولت قريش إلى قوة تسعى إلى استئصال المسلمين وإنهاء الدعوة. ولهذا جاء أول إذن بمواجهة المعتدين مرتبطًا بسبب واضح وصريح، قال تعالى: (أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلِموا)، فالآية لم تقل: “أُذن لهم للتوسع أو الهيمنة”، وإنما لأنهم ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم وقوتلوا بغير حق. ولو تأملنا أبرز غزوات النبي محمد صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن معظمها كان دفاعًا صريحًا أو ردًّا على عدوان قائم. فغزوة بدر جاءت بعد سنوات من الاضطهاد ومصادرة أموال المهاجرين وإخراجهم من ديارهم، ثم تحولت إلى مواجهة فرضتها قريش حين خرجت بجيشها لحماية نفوذها والقضاء على المسلمين. وأما غزوة أُحد فكانت هجومًا شنّته قريش على المدينة، وغزوة الخندق كانت حصارًا اجتمعت فيه الأحزاب لاستئصال المسلمين، حتى قال الله تعالى بعد انصرافهم: (وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال)، فجعل الله دفع الحرب نعمة ومنّة، وكأن القتال أمرٌ تُفرض ضرورته ولا يُطلب لذاته. بل إن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم نفسه نهى عن التطلع إلى الحرب، فقال: ” لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية…” وهذا الحديث وحده كافٍ في بيان أن الحرب في الإسلام ليس غاية مستقلة، وإنما ضرورة تُقدَّر بقدرها حين تُفرض على الأمة. أما فتح مكة، وهو أعظم انتصار في السيرة النبوية، فقد كان شاهدًا واضحًا على طبيعة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه. فقد دخل مكة منتصرًا بعد سنوات طويلة من الاضطهاد والحروب، وكان قادرًا على الانتقام ممن آذوه وحاربوه، لكنه أعلن العفو العام وقال لقريش: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” بل جعل الأمان لمن أغلق بابه، أو ألقى سلاحه، أو دخل دار أبي سفيان. فأيُّ “غازٍ” في التاريخ يفعل ذلك بعد أن تمكن من خصومه؟ إن وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه “هادٍ” ليس وصفًا عاطفيًا أو محاولة لتجميل السيرة، أو رسول الإسلام بل هو الوصف القرآني الأصيل لشخصيته ورسالته، قال تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)، وقال سبحانه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فالمعارك في حياته صلى الله عليه وسلم لم تكن هي جوهر الرسالة ولا غايتها العليا، وإنما وقعت في سياق ظروف فُرضت عليه واعترضت طريق رسالته، فكانت جزءًا من مسؤولية حماية الرسالة وصونها والدفاع عنها في مواجهة العدوان. ولهذا فإن اختزال السيرة في عنوان “النبي الغازي” فهم قاصر؛ لأنه يتعامل مع الوقائع العسكرية بمعزل عن أسبابها وظروفها وأخلاقياتها. فالغزوات النبوية لم تكن مشروعًا للهيمنة الدموية أو سفك الدماء، وإنما كانت ـ في أغلبها ـ دفاعًا عن مجتمع ناشئ، وحماية لحرية اختيار التدين، وردًّا على من أرادوا استئصال المسلمين ومنع الناس من سماع الرسالة. ولهذا بقي الإسلام يقرر أن الأصل هو السلم كما في قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) فالإسلام لا يتشوف إلى سفك الدماء، بل هو دين أمن وسلام، يدعو إلى حفظ الأنفس والأموال والممتلكات، وإلى المصالحة والمهادنة متى أمكن ذلك. وما شُوِّهت صورته إلا بأفعال بعض الأفراد والجماعات الذين خالفوا هديه الصحيح. ولو استقرأنا تاريخ انتشار الإسلام لوجدنا أنه انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالسيف والإكراه؛ لأن القلوب لا تُفتح بالقوة، وإنما تُفتح بالكلمة الطيبة والحجة والخلق الحسن. ولذلك أسلم كثير من الناس حين سمعوا القرآن، وعرفوا تعاليم هذا الدين وعدله ورحمته. وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم حريصًا على الصلح وتجنب الحرب، حتى ولو استلزم ذلك بعض التنازلات التي لا تمس الثوابت الشرعية، كما وقع في صلح الحديبية، الذي قبله النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما فيه من مصلحة عظيمة للمسلمين، رغم ما بدا فيه من شروط شاقة على بعض الصحابة. وهذا يدل على فقهه العميق في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وأن المقصود الأعظم هو حفظ الدين والناس وحقن الدماء، لا مجرد الانتصار العسكري. ومن يتأمل سيرته صلى الله عليه وسلم يجد أنه أكثر من المعاهدات والاتفاقات والمراسلات التي تحقق الأمن والاستقرار، مثل معاهدته مع بني ضَمْرة، ومعاهدته مع بني مُدلج، وتحالفاته مع بعض القبائل التي لم تكن معتدية…الخ وكل ذلك يدل على أن غايته لم تكن الحرب لذاتها، وإنما حماية رسالة الإسلام وردّ العدوان عمن يهدد المسلمين ويتربص بهم. وحتى حين فُرضت عليه المعارك، بقي ملتزمًا بأخلاقيات سامية قلَّ أن عرفها تاريخ الحروب؛ فنهى عن قتل النساء والأطفال والرهبان وكبار السن المسالمين، ومنع تخريب الممتلكات وإفساد البيئة، وأمر بالوفاء بالعهود وعدم الغدر والخيانة للمسلم وغير المسلم إلا ممن بدرت منه، وأوصى بالإحسان إلى الأسرى ومعاملتهم بكرامة ورحمة وإنسانية؛ وهي قيم إنسانية راقية ما تزال كثير من الحروب الحديثة تنتهكها إلى اليوم! إن المشكلة ليست في الاعتراف بأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم حارب حين فُرضت عليه الحرب، فهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، وإنما المشكلة في تحويل هذا الجانب الاستثنائي المرتبط بالضرورة إلى أصل وعنوان دائم للإسلام ورسوله. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن رجل حرب عاش لأجل الحرب، وإنما نبي هداية ورحمة في أصله.
فاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وافتح لنا فهم سيرة نبيك، واجعلنا من المنصفين.
التعليقات