التواصل السياسي البناء: مدخل استراتيجي لاستحقاقات ترسم مغرب المستقبل
الدكتور جمال العزيز
يعتبر العزوف الإنتخابي نتيجة تراكمات، تستدعي مقاربة جديدة، تجعل من التواصل السياسي أداة لإشراك المواطن في صناعة القرار وتغيير نمطية تلقي الوعود،بالإرتقاء إلى تواصل سياسي بناء يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي على أساس الثقة والأثر.
وفي هذا الإطار، تبقى التوجهات الملكية المتبصرة محور السياسات العمومية، لمواصلة التنمية الترابية كمدخل لتحقيق العدالة المجالية. إذ، أرست الرؤية الملكية أسس نموذج متكامل يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وتوجيه الإستثمارات نحو تحقيق التوازن بين مختلف جهات المملكة.
لقد دخل المغرب مرحلة متقدمة في تنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي أصبح إطارا عمليا يوجه السياسات العمومية نحو تحقيق النمو الشامل والإنصاف الإجتماعي. ويتجسد هذا التوجه من خلال أوراش كبرى في الحماية الإجتماعية، وتحفيز الاستثمار، ودعم المقاولة، إلى جانب إطلاق برامج التنمية الترابية المندمجة للإستجابة لخصوصيات كل جهة.
غير أن الرهان اليوم هو تجويد تسويق المنجز بلغة قريبة من المواطن،بلغة قادرة على إبراز واقع وأثر محسوس. وهنا تبرز الحاجة إلى ابتكار أساليب تواصل متجددة، تقوم على الرقمنة التفاعلية، والتواصل الميداني الذكي، والسرد السياسي القائم على إبراز النجاحات والنتائج التي تحتاج إلى مراجعات واقعية، واستعادة الوهج الإنساني للسياسة وتقريبها من انتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، أصبح من الضروري مواصلة ترسيخ نموذج في الفعل السياسي يقوم على الإنجاز ات، وعلى القرب من المواطن كآلية لمواصلة تأكيد الشرعية، بعيدا عن الغوغائية والإتهامات المجانية، عبر التركيز على التدبير الواقعي، وتحمل المسؤولية، وتقديم حلول قابلة للتنفيذ.
إن تمكين الشباب يظل ركيزة أساسية في هذه المرحلة، عبر إشراكهم من خلال منحهم أدوارا حقيقية في صناعة القرار، وتحويل طاقاتهم إلى قوة اقتراحية. كما أن تعزيز المشاركة النسائية يشكل شرطا جوهريا لترسيخ ديمقراطية متوازنة، قادرة على إنتاج سياسات عمومية أكثر فعالية.
إن الإستحقاقات التشريعية القادمة، تأتي في سياق جيوسياسي معقد، حيث يواصل المغرب تعزيز تموقعه من خلال مبادرات كبرى، في مقدمتها مقترح الحكم الذاتي، كحل واقعي يحظى بدعم دولي متزايد، ويترجم قدرة المملكة على الجمع بين الإستقرار والجرأة الدبلوماسية. كما يمثل رهان مونديال 2030 فرصة تاريخية لتسويق صورة مغرب حديث، منفتح، وقادر على تنظيم تظاهرات عالمية وفق أعلى المعايير، مقارنة مع الدول المنظمة والنسخ السابقة.
إن مغرب المستقبل يحتاج لإعادة بناء الثقة، وترسيخ سياسات عمومية تحقق الأثر ،وكذلك نخب سياسية تواكب التوجيهات الملكية، وتفعل النموذج التنموي الجديد، وتحسن تنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة، في انسجام تام بين الرؤية والتنفيذ.
إن التحدي الحقيقي، هو العمل على إنضاج التواصل السياسي وتحويله إلى ثقافة مؤسساتية، تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قوامها الشفافية، والمساءلة، والإنخراط الجماعي في بناء مغرب المستقبل.
التعليقات