قراءة في مقال الدكتور مهدي جواني: حين يُهزم الاسم أمام النص
أحمد المهداوي
يقدّم، الأستاذ الباحث في علوم البلاغة القرآنية و علوم تقويم اللسان العربي، الدكتور مولاي مهدي جواني في مقاله قصة لافتة تُبنى على مفارقة صادمة: أديب بحجم الكاتب المصري الشهير توفيق الحكيم يُفترض أنه “يرسب” في كتابة إنشاء مدرسي، في حادثة تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للتصديق، غير أنها تُستثمر سردياً لتفكيك إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الاسم بالقيمة، والرمز بالفعل الإبداعي.
ينطلق المقال من أسلوب حكائي يعتمد على الإثارة والدهشة، حيث تُقدَّم القصة بوصفها واقعة موثقة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أداة للتأمل النقدي في آليات التلقي الثقافي، والدكتور مولاي مهدي لا يكتفي بسرد الحكاية، ولكنَّه يوظفها لإبراز خلل في “ميزان التقييم” داخل الوعي الثقافي حيث قد يطغى الاسم اللامع على جودة النص، أو يُهمَّش العمل الجيد إذا كان صاحبه مغموراً.
في هذا السياق، يطرح النص نقداً ضمنياً لظاهرة “سلطة الاسم”، التي تجعل الجمهور أحياناً أسيراً للرمز أكثر من انشغاله بالنص ذاته، وتتحول القصة إلى مدخل لمساءلة طريقة حكمنا على الأعمال الإبداعية: هل نقوم بتقييم النص بذاته أم بما يحمله من رصيد صاحبه الرمزي والاجتماعي؟
كما يُبرز المقال مفارقة تربوية لافتة حين تُمنح نقطة “رسوب” لعمل يُنسب إلى أديب كبير، في دلالة على استقلال معيار التقييم داخل الفضاء التعليمي، لكنه استقلال قد يبدو صادماً إذا انفصل عن المعرفة بسياق العمل وصاحبه، وهنا تتجلى قوة المفارقة التي يعتمدها الكاتب، والممثلة في صدام بين المعرفة الرمزية والمعرفة المؤسسية.
ويعزز المقال أطروحته باستحضار رموز الأدب العربي الحديث، ومنهم الروائي الحائز على نوبل نجيب محفوظ، في إشارة إلى شبكة الاعتراف المتبادل داخل الحقل الأدبي، حيث تتحول الأسماء الكبرى إلى علامات مرجعية تعيد إنتاج شرعية بعضها البعض.
في المحصلة، لا يسعى مقال الدكتور مولاي مهدي جواني إلى إثبات واقعة بقدر ما يسعى إلى بناء درس ثقافي يتحدد في كون القيمة الحقيقية للأعمال لا تُختزل في أسماء أصحابها، وأن التلقي النقدي يظل مهدداً بالانحراف حين يُستبدل معيار الجودة بسلطة الرموز.. إنَّها قراءة تقوم، في جوهرها، بإعادة طرح سؤال جوهري في الثقافة العربية: من يحكم على من.. النص أم الاسم؟
التعليقات