شرب الهيم: من ميتافيزيقا الحرمان القرآني إلى سيكولوجية جاك لاكان
طارق حنيش. باحث مغربي
قوله تعالى: {فشاربون شرب الهيم} [الواقعة: 55] هو من جنس الخطاب الغيبي الذي ينفذ إلى بنية المآل الوجودي، فيكشف عن حقيقة الانحراف في مبدإ الطلب قبل أن يكون عقوبة في منتهى العقاب. والهيم — على ما ذكره أهل اللغة — هي الإبل المصابة بداء العطش المزمن، تشرب ولا ترتوي، وتزداد بالشرب ظمأ، فكأن الآية تؤسس لمفهوم أنطولوجي للعطش، لا يتعلق بفقد الماء فحسب، بل باختلال محل التلقي وفساد وجهة القصد. فإذا تدبرت سياق السورة، رأيت أن القرآن يقابل بين شراب أهل اليمين الذي هو سلام ونعيم وروح وريحان، وبين شرب الهيم الذي هو استغراق في العطش نفسه؛ فثم شرب يفضي إلى الاستكمال، وهنا شرب يفضي إلى الاستحالة على الارتواء. وفي ذلك إشارة دقيقة إلى أن الجزاء هو تجل لحقيقته الباطنة؛ فمن عاش في الدنيا على نمط الاستهلاك الذي لا يعرف حدا، وعلى نفسية الالتهام التي لا تقف عند كفاية، فإنما يبعث على هيئته، ويجازى بصورته.
والعجيب أن التعبير لم يقل: “فشاربون كالهيم”، بل قال: {شرب الهيم}، فأضاف المصدر إلى صفة تفيد التماثل في الحال لا في المقدار فقط؛ فكأنهم يتحولون إلى نفس بنية الهيم في الافتقار المستديم. وهذا من باب الاستعارة الكبرى التي تنقل الإنسان من مقام التكريم إلى دركة البهيمية عندما يعطل وجهة قلبه عن الحق، فيغدو جسما يطلب ولا يعقل، ويستهلك ولا يعرف غاية. ومن جهة التركيب البياني، فإن تقديم الفاء في {فشاربون} يفيد التفريع على ما سبق من ذكر الزقوم، فكأن الشرب هنا ليس اختيارا، بل هو تتمة سلسلة من الانحراف المتراكم؛ أكل من شجرة اللعنة، ثم شرب كشرب الهيم، ثم مآل إلى الحميم. فالسلسلة هنا تكشف عن بنية الاشتهاء إذا انفلت من ضابطه الوجودي، فتحول من طلب كمال إلى دوامة نهم. وإذا ارتقينا بالآية إلى مرتبة التأمل المعرفي، وجدنا أن الهيم تمثل نموذجا للوعي الذي انقلب على فطرته؛ فإن الإنسان خلق بقابلية التوجه إلى المطلق، فإذا صرف هذه القابلية إلى المتناهي، ظل يشرب من بحر المحدثات ولا يبلغ ساحلا؛ لأن المتناهي لا يسد فجوة الميل إلى المطلق. فكأن الآية تقيم برهانا وجوديا صامتا: أن من طلب المطلق في غير المطلق، كان حاله كالهيم، يشرب ولا يروى، ويسعى ولا يبلغ.
وعلى هذا، فالآية ليست وصفا لعقوبة جسدية فحسب، وإنما هي كشف عن ميتافيزيقا الحرمان: أن المحروم حقيقة هو من انقلبت عنده المعاني، فطلب الاكتمال في غير محله، والارتواء في غير منبعه، فانصرف عن ذات الحق إلى ظلال الكثرة، واستبدل مائدة الحقيقة بمأدبة الوهم؛ فكان جزاؤه أن يرد إلى نفس صورته التي ارتضاها، وأن يسقى من جنس ما أحب، شرب الهيم، عطشا فوق عطش، وحرمانا يتكاثر بقدر ما يطلب له الري. وقد قرر الشوكاني في «فتح القدير» {جـ5، صـ185} أن «الهيم» هن الإبل المصابة بداء الهيام، وهو — كما نقله أهل اللغة عن أئمة المعجم — داء يعرض لها في أجوافها، فيحدث فيها تلفا في مجاري الري، فتشرب ولا ترتوي، وترد المياه ورود المستغيث، ثم تنصرف عنها وهي أشد ظمأ مما كانت.
وقيل: إن أصل «الهيام» من الهيم، وهو العطش المفرط، وقيل: هو داء يفسد الكبد، فلا تقبل الري ولا تحفظ الماء، فيكون الشرب عندها عملا عديم الغاية، وسعيا خاليا من الإشباع. وهذا التقرير اللغوي لا يقف عند حد التشخيص الطبي، بل ينفتح — عند التدبر — على بعد رمزي عميق؛ فإن الهيم تصير مثالا للذات التي اختل فيها ميزان التلقي، ففقدت قابلية الاستفادة مما يرد عليها. فليس العطش هنا ناتجا عن فقد الماء، بل عن فساد المحل؛ إذ الماء موجود، ولكن القابلة للري قد تعطلت. وفي ذلك إيماء إلى سنة إلهية في الوجود: أن من فسدت فطرته لا ينتفع بالآيات ولو تكاثرت، ولا يرتوي من الحكمة ولو توالت عليه. وإذا ربطنا هذا المعنى بسياق قوله تعالى: {فشاربون شرب الهيم}، تبين أن التشبيه ليس تشبيها في كثرة الشرب فقط، وإنما في طبيعة الحال؛ فهم يشربون شربا لا يفضي إلى ري، كما كانوا في الدنيا يطلبون طلبا لا يفضي إلى سكينة.
فكأن الآية تكشف عن تماثل بين الباطن والظاهر، وبين السلوك والجزاء؛ إذ العقوبة ليست إلا تجليا لما استقر في النفس من نمط التعلق والانصراف. ثم إن في تعبير الشوكاني إشارة دقيقة إلى أن داء الهيام «لا يسكنه سقيا»، وهذه عبارة تفتح بابا في فهم حقيقة الاشتهاء إذا انفصل عن غايته الحقة؛ فإن الشهوة إذا لم توجه إلى ما خلقت له، انقلبت إلى دوامة تأكل صاحبها. ومن ثم كأن الهيم خلقت — على سبيل التمثيل — لتسقي الفقد بالفقد، وتروي الحرمان بالسراب؛ فلا تزداد إلا احتياجا، ولا تشتد إلا فاقة، كما أن النفس إذا استبدلت بالحق غيره، ظلت تنتقل من متاع إلى متاع، ومن لذة إلى لذة، وهي في حقيقة أمرها تفر من الفراغ إلى الفراغ. ولعل من أدق ما يلاحظ أن الهيم — مع كثرة شربها — لا تملك قدرة الاحتفاظ بما تشرب، فيكون فعلها تكرارا بلا تراكم، وسعيا بلا ثمرة؛ وهذا بعينه حال من تراكمت عليه النعم ولم تحدث فيه شكرا، وتوالت عليه الآيات ولم تنشئ فيه اعتبارا. فيكون وروده على الأسباب ورودا صوريا، لا ينفذ إلى جوهر المعنى، كما أن ورود الهيم على الماء لا ينفذ إلى حقيقة الري.
وعلى هذا، فتقرير الشوكاني يمهد لفهم بنية الآية كلها؛ إذ يتبين أن شرب الهيم ليس صورة عرضية للعذاب، بل هو تجسيد لمسار وجودي اختاره العبد في دنياه: مسار الارتواء من غير منبع، والطلب من غير غاية، والسعي في غير محل السعادة. فكان جزاؤه أن يرد إلى حاله، وأن يذاق من جنس عمله، عطشا يتجدد كلما ظن أنه قد ارتوى، وحرمانا يتعاظم كلما خيل إليه أنه أدرك الري. وهذا وجه التشبيه في الآية، لا من حيث الظاهر الحسي الذي يقف عند صورة إبل عطشى ترد الماء، بل من حيث ما وراء الظاهر من بنية معيارية تنقلب فيها الحقائق على أصولها. إذ المقصود بالهيم — على سبيل التأميل الباطني الذي لا يناقض الظاهر بل يستوفيه — هم أولئك الذين انقلب عليهم المعيار الوجودي، فاختلت عندهم نسبة الوسيلة إلى الغاية، فصارت الوسائل مقاصد، والعرض جوهرا، والظاهر حقا مطلقا، وانحجب عنهم باطن المعنى الذي به قوام الحقيقة.
فالآية — في بنائها البياني — لا تقدم تشبيها ساذجا، بل تؤسس لمعادلة أنطولوجية: عطش لا ينتهي لأنه موجه إلى غير مصدر الري. فالهيم هنا رمز للذات التي فقدت القابلية للتحقق بالمعنى، لا لعدم ورود المعنى عليها، بل لفساد آلة التلقي فيها؛ فكلما ورد عليها «ماء» — أي مظهر من مظاهر المتاع أو المعرفة أو السلطان — ازدادت تعلقا، لأنها تطلب في المتناهي ما لا يعطيه إلا المطلق. ومن هنا يتبين أن الهيم هي تجسيد لحالة معرفية ونفسية؛ حالة يتحول فيها «العطش» من عرض إلى بنية، ومن حاجة إلى هوية. فيصير العطش هو المحرك الأول، والمطلوب ليس الري في حقيقته، بل استمرار الحركة نفسها؛ حركة الطلب التي تتغذى من عدم الاكتفاء. وكأن الآية تلمح إلى أن بعض الذوات لا تطلب الإشباع، بل تستعذب بنية النقص، لأنها لا تعرف ذاتها إلا من خلاله.
وإذا قرأنا ذلك في ضوء التحليل النفسي البنيوي، أمكن أن نلحظ تواطؤا بين هذه الصورة القرآنية وبين بنى الرغبة كما تصور في النظريات اللغوية الحديثة؛ إذ الرغبة — في تحليلها — لا تتوجه إلى شيء محدد بقدر ما تنبني على فجوة لا تسد، وعلى نقص يعيد إنتاج نفسه في كل إشباع متوهم. فيكون «الماء» الذي يفترض أن ينهى العطش، مجرد عنصر في دورة إعادة إنتاجه؛ وهنا يتحول الماء — على سبيل المقابلة القرآنية — إلى «مهل يشوي الوجوه»، أي إلى ضد ما ينتظر منه. فالماء في أصل دلالته رحمة وحياة، لكنه هنا — في بنية العقوبة — ينقلب إلى أداة إهلاك، لأن القابل قد انقلب. وهذا هو عين انقلاب المعيار: إذا فسدت النسبة بين الشيء وغايته، انقلبت الأشياء عن طبيعتها في تجربة المتلقي. فيكون ما هو في ذاته سبب حياة، سبب عذاب، وما هو في أصله آية هداية، مادة ضلال.
وعلى هذا، فإن التشبيه بالهيم يكشف عن مأزق وجودي عميق: مأزق ذات تعيش في دورة رغبة لا تعرف مصدرها، ولا تحسن تعيين غايتها، فتظن أنها كلما أكثرت من الامتلاك اقتربت من الاكتمال، وهي في الحقيقة تتباعد عنه. فيكون شربها شرب الهيم: حركة لا تنقطع، وعطشا لا يفتر، ومصيرا ينبع من صلب اختيارها، لا يفرض عليها فرضا خارجيا، بل يتشكل من داخل بنيتها التي انقلب فيها الميزان، واختلت فيها القبلة، فصارت تدور حول سراب، وتحسبه ماء، حتى إذا وردته لم تجده إلا مهلا يشوي الوجوه. والهـيام — إذا قرأناه في أفق لاكاني متجاوز للوصف اللغوي — هو «وضع دالي» يستولي على مكان الـدال {Signifiant} في سلسلة الرمزي، فيحدث اختلالا في نسبة الدال إلى المدلول، ويولد فائضا داليا لا يرتد إلى شبع ولا ينتهي إلى تطابق. فالعطش هنا لا يقرأ كحاجة بيولوجية، بل كتموضع في بنية الرمزي، حيث ينفلت الدال من وجهته الإحالية، ويدور حول فجوة لا تسد.
وعلى هذا، يتحول العطش إلى نقص في الوجود {manque-à-être}، لا إلى نقص في المورد؛ أي إنه نقص يصيب الذات في بنيتها الأنطولوجية، فيصبح هو المنظم الخفي لنظام الرغبة. فالرغبة — كما يقول لاكان في تفكيكه للفارق بين الحاجة {besoin} والطلب {demande} والرغبة {désir} — لا تتعلق بالموضوع الحسي في ذاته، بل بما يتخلف عن كل إشباع من أثر رمزي.
ومن ثم فالماء — في صورة الهيم — يتحدد بموقعه في سلسلة الدوال؛ إذ هو دال يحمل وعدا بالري، لكنه لا يستطيع أن يملأ الفجوة التي أنشأها انفصال الذات عن امتلاكها لذاتها. وهنا يظهر الـobjet petit a لا كموضوع إشباعي يطابق الدال، بل كـ«باق» {reste} أو «بائد» يحتل مكان الفجوة، ويتخذ شكل وعد دائم لا يتحقق. إنه ليس شيئا يمكن الاستيلاء عليه، بل أثر فقد يعيد إنتاج نفسه في كل مرة يظن فيها أنه قد أمسك. وبهذا المعنى يصير الهيم صورة لذات تدور حول الـa، تظن أنه في «الماء»، وهو في الحقيقة في بنية الدوران نفسها. وأما التكرار {répétition} فليس — في أفق القراءة اللاكانية — هو الآلية البنيوية التي تثبت نظام النقص وتؤبده.
فكل ورود على الماء — في صورة «الهيم» — لا يقع في أفق إشباع حاجة، بل في أفق إعادة إنتاج الفجوة التي تتغذى منها الرغبة. وهنا يتبين أن التكرار ليس حركة نحو شيء، بل دوران حول شيء مفقود لا يمكن أن يدرك. فلاكان — في استئنافه لفرويد وتأويله لمفهوم «وسواس الإعادة» {Wiederholungszwang} — يرى أن التكرار هو إصرار الذات على ملامسة «الواقعي» {le Réel} من حيث هو ما يستعصي على الرمزنة. فالذات تكرر لتعيد تجربة الإخفاق نفسه؛ وكأنها تتقصد أن تصطدم بحد لا يتجاوز، لتثبت لنفسها حقيقة هذا الحد. وبهذا المعنى، تصير كل جرعة ماء عند «الهيم» إعادة تشكيل لمشهد العطش، لا نقضا له؛ إذ الماء لا يمس الواقعي الذي يسكن في صلب النقص، بل يدور في فلك الرمزي، فيتكاثر الدال، وتبقى الفجوة على حالها.
وهنا يتضح الفارق بين الحاجة {besoin} والرغبة {désir}: فالحاجة تنتهي إلى إشباع ممكن، أما الرغبة فهي بنية لغوية تتشكل في المسافة بين الدال والمدلول، وتعيش على فائض هذه المسافة. فإذا انقلب العطش من حاجة جسدية إلى رغبة بنيوية، صار كل إشباع ممكن مجرد محفز لتجدده؛ وهنا يتحول «شرب الهيم» إلى مثال أقصى لرغبة لا تعرف غايتها، بل تتخذ من الاستمرار في الطلب هوية لها. ومن هذا الأفق تنبثق الـلذة {jouissance} كنشوة متجاوزة لمبدإ اللذة الفرويدي؛ فليست الغاية هنا هي الاتزان أو الراحة، بل الاقتراب من حافة الواقعي حيث يتلاشى المعنى.
إن الـjouissance ليست لذة مطمئنة، بل اختراق مؤلم لحدود الرمزي؛ هي نشوة تنبني على التوتر، وتتغذى من الاصطدام بما لا يمكن تمثيله تمثيلا كاملا. وبذلك تصير نشوة مدمرة، لأنها لا تسعى إلى ردم النقص، بل إلى تثبيته وتأبيده. فالعطش — في هذا التأويل — لا يراد تجاوزه، بل يراد إعادة إنتاجه؛ والماء لا يكون حلا، بل أداة في دورة الإعادة. وكأن «الهيم» يجسدون ذاتا استقرت في علاقة مرضية بالـobjet petit a، حيث يصير الموضوع لا ما يشبع، بل ما يبقي الرغبة متقدة. وفي هذا يتبين بعد تفسيري جديد للآية: أن العذاب ليس في فقد الماء، بل في استحالة الري؛ أي في انحباس الذات في بنية تكرار تنتج لذتها من نقصها، وتجد هويتها في دورانها حول ما لا يدرك.
وعلى هذا، يصير «شرب الهيم» صورة قرآنية لمصير ذات أسست وجودها على بنية النقص، واتخذت من التكرار قدرا، ومن الـjouissance نظاما خفيا لكينونتها؛ فلا هي تبلغ سكونا، ولا هي تتخلص من العطش، بل تغدو هي ذاتها عطشا متجسدا، يعيد إنتاج نفسه مع كل ورود، ويستمد بقاءه من استحالة ارتوائه.
وإذا عدنا إلى صورة «الهيم» القرآنية، رأينا أنها تجسد هذه البنية بدقة مذهشة: عطش لا ينهى، وماء لا يشبع، وحركة تتغذى من فشلها. فالهيم ليسوا مجرد عطاش، بل ذوات استقرت في بنية نقص لا يقبل الردم؛ وبهذا يتحول الهـيام إلى بنية دالية تظهر كيف يصير النقص منظما للرغبة، وكيف تتحول الرغبة إلى دورة مغلقة تنتج لذتها من عدم اكتمالها. فكأن «شرب الهيم» ليس عقوبة خارجية، بل تجليا لبنية رغبية استقرت في مقام النقص، واتخذت من الدوران حول الـobjet petit a قدرا لها؛ فلا هي تبلغ إشباعا، ولا هي تكف عن الطلب، بل تثبت في نشوة العطش، حيث يصير النقص هو موطن الهوية، والهـيام هو نظام الوجود.
فالماء — وهو في أصله مادة للعياش وموضع إرتواء — ينقلب، في سيرورة الـدلالة {signification}، من مجرد مدلول طبيعي إلى عقدة دالية تفجر ما لا يستوعب لغويا. فلا يعود «الماء» ماء، بل يغدو موضع انكشاف شق في نظام المعنى. هنا ينبثق الـواقعي {Réel} لا كماهية مضادة للرمزي، بل كحد لاستحالة الرمزنة ذاتها؛ فيظهر الماء في هيئة «ماه يشوي الوجوه»، لا ليرويها، بل ليظهر فيها مكان العدم. إنه لا يلغي النقص، بل يبرزه تبريزا مفجعا، حيث تتكشف الذات على حافة ما لا يمكن تمثيله. ويحدث هذا الفجر عند نقطة انفصال الـتخيلي {Imaginaire} عن الـرمزي {Symbolique}. ففي مرحلة المرآة، كما صاغها لاكان، تتأسس هوية الأنا على تماه صوري يضفي وهم التماسك على جسد متشظ. لكن «الماء» — حين يتحول إلى صورة حارقة — يحرق الصورة نفسها؛ أي يفكك ذلك التماهي المرآيي، فتنهار الهوية التي كانت مستندة إلى توازن التخيل والرمز.
وعندئذ تتصدع البنى البورومية {Borroméen knot}: ذلك الربط الثلاثي بين التخيلي والرمزي والواقعي الذي إذا انفك منه حلقة انفك الكل. فيتسنم الواقعي المشهد بتجل مرضي، لا كعنصر إضافي، بل كانهيار في نسق الذات. وما يسميه لاكان «بأث الخلف» {après-coup} {وهو ما يوازي عند فرويد مفهوم Nachträglichkeit} هو الآلية التي يتشكل بها المعنى تشكلا تآخريا. فالاستغاثة — التي قيلت في لحظة أولى كصرخة جسدية — لا تتحول إلى دال مشبع بالمعنى إلا في زمن ثان يعيد تأويلها. هنا ينقلب الزمن خطا مستقيما إلى بنية حلقية، حيث يعيد المستقبل كتابة الماضي. فلا يستقيم المعنى بالضربة الأولى، بل يتكون كأثر لتأخير بنيوي، يجعل كل لفظ مفتوحا على إعادة تشكيل لا نهائية. ومن هنا يفهم كيف يتكون الفنطاسم {fantasme}: إنه ليس صورة منعزلة، بل بنية صيغتها المعروفة عند لاكان {$ ◊ a$} تدل على ذات مشقوقة ($) في علاقة بموضوعها الصغير {objet petit a}. فتراكم اللمحات الدالية — صور الماء، لفظ العطش، صرخة الاستغاثة — لا ينتج معنى متماسكا، بل ينسج مشهدا فنطاسميا تتموضع فيه الذات ككائن يتلذذ بدورانه حول موضوع يستحيل بلوغه.
وعندئذ يغدو «الماء» لا شيئا يطلب لذاته، بل شاشة يسقط عليها مشهد الرغبة كلها. فحرق الصورة — في هذا السياق — ليس إفناء للمرئي فقط، بل تفتتا للهوية المرآيية التي كانت تتوهم الاكتمال. فحين يشوي الماء الوجوه، فإنه يعلن انكشاف الذات أمام حقيقة تشظيها الداخلي. وبهذا يصير الهيم — في تأويل جديد لم تألفه القراءة التقليدية — تجسيدا لذات انفك عنها الربط البورومي، فتسلط عليها الواقعي في صورة مادة كان يفترض أن تكون مصدر حياة، فصارت مظهر انهيار. وعلى هذا، يتحول «الماء» من عنصر طبيعي إلى موضع كشف أنطولوجي: حيث يتعرى المعنى، وينفضح وهم الاتساق، وتتجلى الذات في انقسامها. لا ليروى عطشها، بل لتدرك — ولو بتجل مرضي — أن ما يطاردها ليس فقدان شيء محسوس، بل استحالة اكتمال بنيوي يسكن في صلب وجودها. ولا بد أن القول عن schème-L لا ينحصر في اعتباره مجرد خريطة رسمية أو تخطيطا بيانيا لعلاقات أربع؛ بل هو — في جوهره — صيغة زمنية-قانونية تنظم توازع الدالات في حبك السلطة الرمزية التي تنتج الذات بوصفها أثرا، لا مبدأ.
ففي هذا التخطيط الذي صاغه لاكان في سياق عودته المنهجية إلى فرويد، لا نجد تمثيلا لعلاقات شخصية بين «أنا» و«آخر»، بل نجد بنية تكشف أن الذات الموسومة بالخطإ ($) لا تتشكل إلا في مقطع تقاطع خطين: خط المخاطبة الرمزية {من الآخر الكبير A إلى الذات}، وخط التماهي التخيلي {من الأنا إلى صورتها المرآيية}. فschème-L يظهر أن ما نحسبه تواصلا مباشرا بين ذاتين هو، في الحقيقة، مرور إجباري عبر بنية الآخر الكبير؛ أي عبر الشبكة الرمزية للغة والقانون والإشارة. ومن ثم فإن objet-a — بوصفه «باقيا» أو فضلة لا تندرج في نظام التمثيل — يظهر كأثر قطع في هذه الشبكة. إنه نفلة، فائض، شظية لا تقصد لذاتها، ولكنها — على نحو مفارق — «سبب الرغبة». فهو يطلب من حيث هو يسد مكانا فارغا أنتجه انقسام الذات نفسها. وفي هذا المعنى، schème-L هو نص تشكيليا يكتب زمنية الذات. فالذات الموسومة بالخطإ ($) لا تحيا في حضور متصل، بل في تأخر بنيوي عن نفسها؛ دائما ما تكون في موضع ما قد قيل عنها قبل أن تقول هي عن نفسها شيئا.
وهنا يتدخل الآخر (A) لا كشخص، بل كمخزون دالي سابق على الذات. فتحاط الذات بمتباينات: الآخر الكبير (A)، الآخر الصغير (a’) كصورة تخيلية، المؤشر (S1)، والمدلول (S2)؛ وفي هذا التداخل ينبثق objet-a كبقايا تمزق لا ينطبق على نظام الخيط اللغوي. فالسؤال الذي يرد عليه schème-L هو: كيف يثبت موقف موقعي لـ«معلم» يحمل معنى مرنا وفعليا في آن؟ والجواب ليس في إثبات جوهر، بل في رسم خطوط زمنية تؤطر طرق الإشارة {le signe}. فعبر تكرار التسمية وتثبيت الدال الرئيس (S1)، يتكون مجموع من «نقاط الثبت» {points de fixation}، وهي نقاط تعمل كـ«نقاط تنجيد» {points de capiton} تربط الدال بالمدلول ربطا مؤقتا، فتوقف انزلاق المعنى في السيرية السيميوطيقية. إنها لا تلغي الانزلاق، بل تؤجله؛ لذلك يبقى المعنى دائما قابلا لإعادة الحبك. وإذا أسقطنا هذه البنية على «الهيم» في القراءة القرآنية، تبين أن العطش لا يفهم كحالة فيزيولوجية، بل كموضع تثبيت دالي؛ نقطة تنجيد تربط سلسلة الدالات {الماء، الشرب، الحرق، الوجوه} بتجربة انقسام الذات. فالماء لا يمثل مدلولا مستقرا، بل يشغل موضع objet-a: سبب الرغبة الذي لا يستقر في شيء.
وبذلك يصير «الهيم» تجليا لذات انعقدت في بنية schème-L على نحو مرضي؛ ذات يمر تواصلها دوما عبر الآخر، ولا تلتقي بنفسها إلا كأثر مؤجل في خطاب سبقها. وهنا تتضح أصالة هذه الصيغة: فهي لا ترسم علاقة بين أطراف، وإنما تكشف أن الذات نفسها هي أثر هذه العلاقة. وأن ما يظهر كعطش إنما هو أثر خيط لغوي انقطع عند موضع، فتجسد في صورة رغبة لا تنقضي. فـschème-L — في هذا التأويل — ليس شكلا تعليميا، وإنما مفتاحا أنطولوجيا لفهم كيف ينتج الخطاب ذاتا تتعلق ببقاياها، وتجعل من هذه البقايا سببا لاستمرارها في الدوران حول ما لا يمكن امتلاكه. لكن هنا المفاجئة: الـ objet-a يبقى له قطع زائد يتسرب كـبقية لا تدرك كموضوع، بل تدرك كـ«مسر» يحرك الخيط من داخله. ومن هنا تتضح لنا رؤية لاكان في مقارنة الرغبة بالقانون: فـ schème-L يبين كيف تتشكل الرغبة على هيئة مسلوك زمني ينبت من طريق مقاطع لغوية منظمة، وكيف يبقى الـ objet-a كـنقطة اعتلال تحول كل تثبيت إلى تثبيت معاد — أي: فوق كل تحجيم تظهر ذرة من الاستحلال. فالـschème-L هو النظم الذي يقيد السير الزمني للإشارات حتى تتجسد «طريقة الطلب» وتقرر موقع الـ objet-a كـمحطة لـ«الوجد المحروق»؛ والتقييد هذا — مع ذلك — لا يقنعه: فالمتبقي من الـobjet-a هو ما يعطل سلطان الحكم ويفتت قطع الخياط اللغوية.
ويجب أن نذكر أن شغف لاكان بالتوجيه الطوبولوجي للتصور يمنح schème-L وضعا تشكيليا أوليا قبل أن يتصل بـنظم النقط البرومية {nœuds borroméens} التي سيأتي لاحقا. فهو — إذا — جهاز تسلوكي زمني يجعل من التسلسل السينومي سلما تسلمه النقاط فتكون الـobjet-a بين هذه النقاط على شاكلة «باعث» يحفز الدوامة الراغبة، ويبقى جسرا للفجر كيفية الانقراض، لا كأحد من مواضع الاستقرار. فإذا أردنا ترجمة ما سبق إلى مصطلح أكثر تجربية: فschème-L خريطة تحكم «نبض» السير الزمني للإشارات فيعين مواضع للتوقف — نقاط ثبت — تقيد مروية الـobjet-a فوق مسارها، ولكن الـobjet-a بخاصيته «بقية النقص» تبقى تفوق حجب هذه النقاط، فيتكون لدينا مشهد ثنائي: من جهة قانونية الترتيب {قيمة في التسليل}، ومن جهة أخرى «بقية الرغبة» التي تجعل من الزمن موقفا لا حدا. فالوقف عند الـobjet a ليس وقوفا لدى «بقية» نفسية تخالف نظام الإشباع فحسب، بل هو وقوف عند محور الانشطار الأول الذي يقع فيه الكائن لحظة دخوله في رواق اللغة.
فـ«الـa» هنا ليس موجودا يعثر عليه، بل هو مكون ينشب في «الفجوة البنائية» التي يتركها صدم الدخول إلى النظام الرمزي — ذاك الدخول الذي يعرف عند لكان بـ«جرح اللسان» أو «الجرح الدال». والـ objet a لا يمكن فهمه إلا بإدراك أن الرغبة لا تنشأ من «أربكة» نفسية، بل من خسران بنيوي ينجبس في نقطة يتركز فيها العدم ككثافة. فلكان يجعل الذات كائنا «منقسما» على نفسها {S barré}، وهذا الانقسام ليس حدثا لاحقا، بل أصلا مقوما لكل تشكل نفسي، حيث يخلق الكائن مثلوبا؛ ثم يقضي عمره كله في محاولة رأب ذلك الشق الذي لا يجابسه رأب. وهنا تنشأ صلة الهيام القرآني بهذا الجوهر النقصي المؤسس.
فالهيام في «البناء القرآني» هو توجه كوني ناتج من انقلاع الكائن عن تمامه؛ فالآية: {فشاربون شرب الهيم} تشير إلى سير بلا غاية لغوية، وإلى انخلاع من مركز كالنزع الذي يصيب الذات عند دخولها في «الخطاب الكبير الآخر» {le grand Autre}. وموطن الانطباق هنا يكمن في أن الهيام هو ذاته «أثر الـobjet a» لكن بصياغة وحيانية، فالكائن الهائم يسعى. ولك أن تلمس هذه العلاقة في ما يسميه لاكان:l’objet cause du désir — أي «الموضوع السببي للرغبة» — الذي لا يمكن تلومه لأنه سبب ينتج نفسه وينفلت من نفسه. والهيام القرآني، في أقصى دلالاته، يجسد هذا الانفلات: فهو سفر ينخرق من باطنه لكونه تتبعا لمفقود لا يمسك.
فالـobjet a مفتاح كل خطاب؛ فلولا هذه البقية التي لا تستعاد، لما نطق الكائن، ولا اندرج في العلائق الرمزية، ولا جرت عليه «سياسة الرغبة». وهكذا يتبين أن الهيام القرآني يشغل الوظيفة نفسها: فهو تشغيل وجودي لما لا يتم، ومسرحة للفقد الذي يصنع المعنى. وبهذا، يتخذ الهيام مع لكان صورة «البنية الناقصة» التي لو تمت لبطلت الرغبة؛ ويتخذ الـ objet a صورة «الموجود اللاموجود» الذي لو أمسك لبطلت الذات نفسها. ففي موقف الهيام القرآني وموقف الـobjet a اللكاني نحن أمام ثنائية لا تؤلف إلا لتزيد الفصال، وثلاثية لا تنتظم إلا لتزيد الانقسام: ذات مجروحة، رغبة مندفعة، وفقد يتعدى كل إدراك.
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك
التعليقات