الهجرة تجربة إنسانية تحمل في طياتها آمالا وآلاما: هجرة المغاربة نموذجا
ذ.محمد المهدي اقرابش
إن الهجرة هي عبارة عن عملية انتقال مؤقت أو دائم من أرض البلد الأصل إلى أرض أخرى، طلبا للرزق بأوسع معانيه، سواء كان علما أو مالا أو وظيفة يسعى إليها المهاجر . يبحث المهاجر في هذه العملية عن الأفضل في معاشه، وشأْنُهُ في هذا شأن باقي الكائنات الحية. فلننظر على سبيل المثال إلى الطيور المهاجرة التي تقطع آلاف الكيلومترات فتغدو وتروح بحثا عن الرزق.
يمكننا ان نقول بناء على هذا التصور المقتضب: إن الهجرة هي عملية انتقال مرتبطة بالزمان والمكان والدوافع أو الأسباب. وهو حق من حقوق الإنسان، تنص عليه الشرائع السماوية والمواثيق الدولية و الاتفاقيات والدساتير الحديثة.
و الهجرة -من الناحية الدينية والفلسفية- هي عملية مركوزة في الطبيعة الإنسانية، ولا أدل على ذلك من هجرة آدم وخروجه من الجنة إلى الأرض، وهجرة الأنبياء كإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، بل وخروج الجنين من بطن أمه إلى الحياة، والوليد من بيت أبويه إلى الشارع ومن الشارع إلى المدرسة وهكذا دواليك.
إن النصوص الدينية مليئة بحوادث الهجرة، نسوق منها كأمثلة و شواهد، هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرة الصحابة، وقد اعتمد عمر ابن الخطاب رضي اللهُ عنه التقويم الهجري انطلاقا من حدث الهجرة النبوية الذي مر عليه 1447 عام.
كما شكلت الهجرة مرجعا في التقويم الأمازيغي، إذ أنه بدأ من واقعة انتقال الأمازيغ إلى مصر، إثر انتصارهم على الفراعنة و قد حدث هذا الأمر منذ 2976 عام، وهو رأس السنة الأمازيغية عندهم.
يحدث فعل الهجرة سواء كان اختياريا او اضطراريا، ألما في النفس والروح. و لا يشعر بهذا الألم إلا من عاش هذه تجربة. ولقد لمستُ هذا الألم عند المهاجرين الذين يستبد بهم الحنين، ويسكنهم الوجع، وجع مغادرة تراب الوطن الأم والأسرة بسبب فقر أو علم أو حاجة من الحاجات.
فتقع في الأسرة والبلد الأم حوادث لا يعيشها المهاجر لبعد الدار. فهو كالنبتة التي اقتلعت جذورها من تربة ألفها وألفته، لتُغْرَسَ في تربة أخرى لا يعرفها، بل يسعى إلى التعرف عليها وامتلاكها. ولكن هيهات هيهات! فذاك أمر يستعصي على الإنسان ولو وُلِدَ له الولد وبلغ ما أراد من مال أو منصب. تكون نفسية المهاجر مضطربة شيئا ما لأنها في مجال التوتر بين الماضي والحاضر، والبلد الأصل وبلد الاستقبال. فهو كمن وجد نفسه في منزلة وسطى بين الماء والنار، أو البر والجو. ومن اراد ان يختبر هذا الشعور، فليقرأ لأدباء المهجر أو ليعش هذه التجربة بآمالها وآلامها. ولا أعني بالاضطراب هذا حالة مرضية وإنما هو شعور إنساني يعيشه كل من ابتعد عن وطنه وأهله.
لقد رافقت هجرات المغاربة في العصر الحديث الظاهرة الاستعمارية الفرنسية؛ فشاركوا في الحرب العالمية الأولى والثانية و في حرب الفيتنام؛ ومات وجُرِحَ عشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ إلا لأنهم هربوا من البطالة والعوز أو عقدوا أملا في نيل الاستقلال استجابة لخطاب السلطان وإغراء المقيم العام الفرنسي. فزَجَّ بهم الجنرال ليوطي و قواد بعض القبائل المغربية كالكلاوي في الحرب العالمية الأولى. و قد كان بناء مسجد باريس الكبير اعترافا بتضحيات المغاربة وغيرهم من المسلمين في الحرب العالمية الأولى. و قد ذكر المؤرخون وبعض المقاومين منهم أبو بكر القادري من ذلك الـشيء الكثير. ثم جاءت مرحلة العمالة المنجمية، والأشغال العمومية، و الفلاحة و القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تحتاج إلى اليد العاملة كالتجارة وصناعة السيارات. فقد احتاجت هذه الشركات و المصالح الفرنسية إلى الأيادي العاملة لمواجهة الخصاص في العمال الناتج عن الحرب، و لمواكبة الطفرة النوعية الاقتصادية التي عاشتها فرنسا ابتداء من الستينات و إلى غاية التسعينات.
أما الطلبة المغاربة فقد توافدوا منذ عقود بمئات الآلاف إلى الجامعات والمدارس والمعاهد الفرنسية. فاستفادت فرنسا منهم استفادة عظيمة؛ أبرزها نشر الفرانكفونية والثقافة الفرنسية على مستوى المغرب والنهوض باقتصاد فرنسا وتطويره. و إن كنت في شك من هذا أيها القاريء الكريم فانظر في هذا السياق إلى الدراسات والمعطيات الاحصائية، فهي تدل على هذا بشكل واضح لا لبس فيه. لهذا يقول بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين المنصفين: إن الهجرة هي مكسب وفرصة لفرنسا المستقبلة للمهاجرين وهي كذلك مكسب وفرصة للمغرب المصدر للهجرة. و على الطرفين ان يستفيدا بمنطق رابح رابح .
يستفيد المغرب من مشاركة المواطنين المهاجرين المغاربة بخبراتهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية؛ و تستفيد فرنسا منهم في سعيها للحفاظ على مكانتها الدبلوماسية و الاقتصادية والثقافية في المغرب. وبين هذا وذاك لا ينبغي نسيان مصالح المواطنين و المهاجرين والعمال في الاتفاقيات المبرمة بين البلدين. فهم قطب الرحى في العلاقات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية بين البلدين.
و”إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين”. الآية 128سورة الأعراف.
التعليقات