تشريح العقل التفاوضي الإيراني بين الإيهام الصيني والتعثر الأفغاني وحروب التشويه
علي البلوي
في عالم السياسة الدولية، لا تُدار المعارك فقط بالصواريخ والمسيرات، بل بـ “هندسة الإدراك” التي تجعل الخصم يرى في منافسه قوة أسطورية لا تُقهر تفاوضياً، حيث نجحت إيران على مدى عقود في تسويق نموذجها الخاص المستند إلى فلسفة “الصبر الإستراتيجي” التي تجعل من “المماطلة” فنّاً يهدف لإرهاق الخصم ودفعه لتقديم تنازلات كبرى مقابل إنهاء الجمود.
تماماً كحائك السجاد الذي لا يهتم بالزمن بقدر اهتمامه بالدقة والمحصلة النهائية، ويتداخل هذا النفس الطويل مع ثقافة “البازار” التي تبرع في رفع سقف المطالب إلى حدود تعجيزية لجعل أي تنازل لاحق يبدو كأنه “منحة كبرى” تستحق ثمناً باهظاً، مع ممارسة ذكاء ميداني يعتمد على توزيع المهام بين “الدبلوماسي المبتسم” و”الرجل العسكري الخشن” لخلق إيحاء دائم بأن الاتفاق هو الوسيلة الوحيدة لتجنب كوارث يقودها المتشددون.
وإن المذهل في هذا النموذج هو قدرته الفائقة على التفاوض مراراً على ذات الموضوع، ثم إيجاد ثغرات بارعة للتراجع عما تم الاتفاق عليه والبدء من نقطة الصفر مجدداً دون شعور بالارتباك، وهي ممارسة تضعنا أمام مفارقة إستراتيجية في العقل الجمعي العربي.
فبينما يصف العرب المفاوضات الإسرائيلية واليهودية بأنها “عبثية” وتقوم على نقض العهود وإعادة التفاوض على الثوابت، نجد اليوم نوعاً من “التأليه” للعقل الإيراني وتصويره كنموذج فريد للدهاء، رغم أنه يمارس ذات التكتيكات القائمة على استنزاف الذاكرة السياسية للخصوم واللعب على حاجة الوسيط الدولي لتحقيق أي إنجاز شكلي.
وهذا الدهاء التفاوضي يتغذى على اختراقات استخباراتية ناعمة، كما كشفتها لنا حوارات ومناظرات مباشرة مع دبلوماسيين إيرانيين وباحثين كبار وبعضهم ضباط استخبارات كانوا يسرون لنا بأن لديهم القدرة على النفوذ والتأثير في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر والمغرب، حيث تعتمد طهران على “تفكيك الشفرة النفسية” للشعوب العربية لضمان النفوذ.
ففي بلاد المغرب العربي مثلاً، ونظراً لطبيعة المغاربة الحارة والانفعالية، ركزت الدعاية الإيرانية على تسويق مزدوج لشخصية خالد مشعل وحسن نصر الله لأن هدف المغاربة كان فلسطين، بينما كان هدف حزب الله تمكين إيران من النفاذ وتعزيز حركة التشيع في هذه الدول تحت غطاء القضية الفلسطينية.
ومن خلال تلك المحاورات تبين لنا وحسب اعترافاتهم أن عقدتهم السعودية تكمن في الجانب العقدي السعودي صعب الاختراق، ولهذا خططت الاستخبارات الإيرانية بالإساءة للسعودية وللسنة من خلال دعم تنظيمي القاعدة وداعش وإظهارهما كتنظيمات سنية تتكئ على جذور فكرية تمتد من ابن تيمية إلى مشايخ السعودية بهدف ضرب النموذج السعودي وتشويهه عالمياً واستعادة مخطط لعبة سبتمبر ٢٠٠١.
ولم تتوقف إيران عند هذا الإرث، بل استلهمت من العقلية الصينية فن “الزحف الهادئ” وبناء شبكات اقتصادية موازية لكسر فاعلية العقوبات، متبنية سياسة “تجميد الصراعات” وفرض وقائع ميدانية عبر أذرعها.
وما يؤكد عمق هذا الارتباط هو اللقاءات التي عقدناها بمتخصصين بفنون التفاوض ممن أشرفوا على تدريب الكوادر الإيرانية وغالبيتهم من الصين، حيث يُعتقد أن غالبيتهم من الاستخبارات الصينية التي استطاعت التحكم غير المباشر بالوعي الإيراني وتسخيره لخدمة الأمن القومي الصيني، محولةً إيران إلى أداة إستراتيجية لمشاغلة القوى الدولية بما يخدم مصالح بكين العليا.
ومع ذلك، اصطدم هذا النموذج بمرارة الواقع في الملف الأفغاني، حيث فشلت أدوات الاحتواء والبراغماتية الإيرانية أمام حركة طالبان التي تمتلك عصبية قومية بشتونية ترفض التبعية، مما كشف عن فجوة التوقعات بين الحسابات النظرية والواقع الجيوسياسي.
فبمجرد رحيل الأمريكيين انتهى مبدأ “عدو عدوي” ووجدت إيران نفسها وجهاً لوجه مع نظام سني متشدد لا يكترث كثيراً بلغة “السجاد” أو “البازار”، مما أدى لتعطل لغة المصالح أمام قضايا المياه والحدود والسيادة، ليثبت الدرس الأفغاني أن هندسة الإدراك تسقط عندما تتجاهل الخصوصيات الثقافية والسيادية للآخرين، وأن براعة حياكة الخيوط لا تمنع الطرف الآخر من حرقها بالكامل بدلاً من عقدها.
التعليقات