إصدار.. على حافة الفوضى: ألكسندر ستوب وصراع إعادة توازن عالم يتفكك
عزت إبراهيم
حالت الظروف دون الاستماع إلي رؤية رئيس فنلندا ألكسندر ستوب في الجامعة الأمريكية يوم أمس، ولكني اقدم هنا أفكاره التي ضمنها في كتابه “مثلث القوة” الذي صدر قبل شهور قليلة وتزامن مع التصعيد الدرامي في الشرق الأوسط وهنا اعرض في نسخة عربية وأخري إنجليزية لأفكار الرئيس الذي يقدم رؤية وهو في السلطة وليس خارجها عن مستقبل النظام الدولي.
ألكسندر ستوب، رئيس فنلندا ورئيس وزرائها الأسبق، ليس مجرد كاتب في الشؤون الدولية، بل أحد أولئك القلائل الذين يكتبون من داخل دوائر صنع القرار. في كتابه «مثلث القوة: إعادة توازن النظام العالمي الجديد» يقدم قراءة تتجاوز التنظير الأكاديمي إلى محاولة لفهم عالم يتغير أمام أعين صانعيه. خبرته الممتدة بين بروكسل وهلسنكي، وبين مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوائر الحكم، تمنح نصه ثقل خاص. فهو لا يصف النظام الدولي من مسافة، بل من موقع من تعامل مع قادته واختبر اختلالاته وشهد تآكل قواعده التي بدت لعقود ثابتة.
وتكتسب هذه الرؤية بعد عملي في سياق زيارته الحالية إلى مصر، التي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. القاهرة ليست محطة بروتوكولية في أجندة ستوب، بل نقطة ارتكاز في فهمه للعالم الجديد. لقاءاته مع المسؤولين المصريين تناولت ملفات تتجاوز الثنائية التقليدية لتشمل أمن الإقليم واستقرار الممرات البحرية والتحولات في بنية الاقتصاد العالمي ومستقبل العمل متعدد الأطراف. في ظل حرب مستمرة في غزة وتصاعد التوتر في البحر الأحمر وحالة ترقب حذر في الخليج تبدو مصر دولة مركزية في معادلة التوازن الإقليمي. حضور ستوب في هذا التوقيت يعكس إدراك متزايد في العواصم الغربية بأن إعادة صياغة النظام الدولي لن تتم من دون الانخراط مع القوى المحورية في الجنوب العالمي وفي مقدمتها دول الشرق الأوسط.
ينطلق الكتاب من فرضية واضحة وحاسمة: النظام الدولي الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وترسخ بعد نهاية الحرب الباردة لم يعد قادرا على تنظيم العلاقات الدولية كما كان في السابق. الأمر يتجاوز أزمة عابرة أو اختلال مؤقت إلى تحول هيكلي يعيد تشكيل موازين القوة. الافتراض الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي بأن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق سيتوسعان تدريجيا ليشملا العالم لم يصمد أمام اختبار الواقع. ما نشهده اليوم تباعد في المسارات وتعدد في مراكز القرار وتراجع في قدرة المؤسسات على فرض قواعد مشتركة.
قراءة ستوب لهذا التحول تتجه أيضا إلى نقد الذات الغربية. فترة ما بعد الحرب الباردة لم تكن فقط لحظة انتصار، بل لحظة ثقة مفرطة. توسعت المؤسسات من دون إعادة توزيع حقيقية للنفوذ داخلها، وتم الترويج لقيم عالمية مع تطبيق انتقائي لها. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة خلق فجوة متزايدة في الثقة، خاصة لدى الدول التي شعرت بأنها مستبعدة من عملية صنع القرار العالمي.
تجلت هذه الإشكالية بوضوح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. الحرب على الإرهاب أعادت ترتيب أولويات السياسة الغربية حيث تقدمت اعتبارات الأمن على حساب القيم التي كان يفترض الدفاع عنها. التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق لم تؤد فقط إلى زعزعة استقرار مناطق واسعة، بل كشفت حدود القوة الغربية واستعدادها لتجاوز الأطر التي أسستها بنفسها. النتيجة لم تكن فقط فوضى إقليمية، بل تآكل تدريجي في شرعية النظام الدولي القائم.
تكتسب هذه التحولات بعدا أكثر وضوحا في سرد ستوب الشخصي، خاصة في وصفه للحظات الأولى من الحرب في أوكرانيا. محاولته التواصل مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم تكن تفصيل عابر، بل تعبير عن انهيار لغة مشتركة كانت تحكم الدبلوماسية.  الحوار الذي بدا بلا جدوى يعكس واقع أعمق حيث لم يعد هناك اتفاق على قواعد اللعبة ولا على تعريف الحقائق. الحرب في أوكرانيا في هذا السياق ليست حدث منفصل، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر اضطراب.
في قلب هذا التحليل يطرح ستوب مفهوم «مثلث القوة» الذي يقسم العالم إلى ثلاث كتل رئيسية: الغرب العالمي والشرق العالمي والجنوب العالمي. الغرب بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا لا يزال يمتلك أدوات اقتصادية ومؤسسية هائلة، مع تزايد الانقسامات الداخلية وتراجع القدرة على فرض الرؤية. الشرق بقيادة الصين وبدعم من روسيا يقدم نموذج مختلف يقوم على السيادة الصارمة ودور الدولة المركزي. الجنوب العالمي يمثل الكتلة الأكثر تنوعا والأكثر تأثيرا في تحديد اتجاه النظام الدولي.
أهمية هذا التصور تكمن في أنه يمنح دول الجنوب موقع الفاعل. لم تعد هذه الدول مجرد ساحات للتنافس بين القوى الكبرى، بل أطراف تفاوض وتوازن وتختار وفق مصالحها. في الشرق الأوسط والخليج العربي يتجلى هذا التحول بوضوح. دول مثل السعودية والإمارات تعيد صياغة علاقاتها الدولية من خلال تنويع الشراكات والانفتاح على قوى متعددة مع الحفاظ على هامش استقلال واسع. هذا السلوك يعكس انتقال من التبعية إلى القدرة على المناورة.
غير أن هذا التحول يحدث في بيئة إقليمية شديدة الهشاشة. الحرب في غزة أعادت رسم خطوط التوتر السياسي، والتصعيد في البحر الأحمر يهدد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، والخليج يقف على حافة معادلة أمنية معقدة تتداخل فيها الطاقة مع السياسة مع حسابات القوى الكبرى. في هذا السياق لا يبدو التنافس مجرد تنافس اقتصادي أو سياسي، بل حالة احتكاك دائم قابلة للتصعيد.
هنا يميز ستوب بين مفهومين أساسيين: التعددية والتعدد القطبي. التعددية تعني نظام قائم على قواعد ومؤسسات مشتركة تسمح بمشاركة أوسع في صنع القرار. التعدد القطبي يعكس واقع تتنافس فيه مراكز قوة متعددة من دون إطار ناظم واضح. الخطر يكمن في أن العالم يتجه نحو الحالة الثانية من دون امتلاك أدوات كافية لضبط التوازنات.
ولشرح هذا الفارق يستحضر ستوب تجربتين تاريخيتين: يالطا وهلسنكي. يالطا تمثل نظام تقرر فيه القوى الكبرى مصير الآخرين وفق مناطق نفوذ. هلسنكي تقدم نموذج لتعاون يقوم على القواعد والمشاركة المتكافئة. هذا التباين يعكس خيار يواجه العالم اليوم. في الشرق الأوسط تتزايد المؤشرات على عودة أنماط الترتيبات القائمة على الصفقات والتوازنات المؤقتة.
ويحدد ستوب ثلاث ديناميكيات تحكم هذا المثلث: التنافس والصراع والتعاون. التنافس حاضر في كل المجالات من الاقتصاد إلى التكنولوجيا إلى الأمن. مع غياب الضوابط يتحول بسهولة إلى صراع. في عالم يمكن فيه استخدام الطاقة أو المال أو المعلومات كأدوات ضغط تصبح الحدود بين المجالات أقل وضوح. في الخليج تتجسد هذه المعادلة في تداخل أسواق الطاقة مع الحسابات الأمنية.
في المقابل يصبح التعاون ضرورة ملحة رغم صعوبته. التحديات العالمية مثل التغير المناخي والتحولات التكنولوجية لا تعترف بالحدود. التعامل معها يتطلب تنسيق واسع في وقت تتراجع فيه الثقة بين الأطراف. هذه المفارقة تشكل أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية.
في محاولة للتعامل مع هذا الواقع يطرح ستوب مفهوم «الواقعية القائمة على القيم». الفكرة تقوم على التوازن بين المبادئ والمصالح من خلال الانخراط مع أطراف مختلفة مع الحفاظ على حد أدنى من الالتزام بالقواعد الأساسية. هذا الطرح يعكس إدراك لتعقيد البيئة الدولية، مع استمرار التساؤلات حول مدى قدرته على التطبيق في سياقات يغلب عليها منطق القوة.
رغم ذلك يقدم الكتاب إطار تحليلي متماسك يساعد على فهم التحولات الجارية. لا يقدم إجابات جاهزة، لكنه يوضح طبيعة المرحلة والأسئلة التي تفرض نفسها. بالنسبة للقارئ في مصر والعالم العربي تكمن أهمية هذا الطرح في أنه يعيد وضع المنطقة في قلب التحولات الدولية. لم تعد المنطقة مجرد ساحة للصراعات، بل عنصر فاعل في تشكيل النظام القادم.
في النهاية يقدم «مثلث القوة» قراءة لعالم يقف بين نظامين: أحدهما يتراجع وآخر لم تتحدد ملامحه بعد. الرسالة التي يحملها ستوب واضحة: المسار لم يحسم بعد، والنتائج ستتوقف على كيفية إدارة الدول لعلاقاتها في ظل هذه البيئة المتغيرة. في الشرق الأوسط والخليج حيث تتقاطع الأزمات مع الفرص يصبح الدور أكثر تأثيرا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
التعليقات