هندسة الوهم : كيف تُصاغ سردية “النصر المتخيل” من حطام الهزيمة؟
علي البلوي
في المشهد الجيوسياسي الراهن، تبرز الحالة الإيرانية كنموذج راديكالي لظاهرة “إدارة الهزيمة”، حيث لا يُقاس النصر بالنتائج المادية على الأرض، بل بالقدرة على إعادة تدوير الانكسارات الاستراتيجية وتحويلها إلى مكاسب سياسية متخيلة عبر هندسة دقيقة للوهم.
فهذا النظام لا يواجه خصومه بأدوات السياسة الواقعية فحسب، بل يرتكز في جوهر بقائه على “صناعة الذهول” وتزييف المآلات، مستخدماً المراوغة كعقيدة تشغيلية تهدف إلى تحويل الخسارة الفعلية في الملفات الكبرى من تقويض الأذرع إلى تآكل الردع وانهيار الاقتصاد إلى منصة للتفاوض على الهوامش بدلاً من الجوهر، ورفض الاعتراف بالواقع مهما بلغت كلفته على الدولة والشعب.
وتتمحور العقدة المركزية للنظام حالياً حول ضرورة الحفاظ على “البنية الصلبة” للسلطة فوق أنقاض الدولة، وذلك عبر آلية سيكولوجية معقدة تعمل على إبقاء “المغيب” حياً في الذاكرة الجمعية للإيرانيين، وربط شرعية الوجود السياسي بفكرة “الإمام الغائب”؛ هذا الربط الغيبي ليس مجرد غطاء أيديولوجي، بل هو أداة استراتيجية تمنح النظام حصانة ضد الهزيمة المادية، فما يراه العالم انكساراً يراه النظام “ابتلاءً” أو “تمهيداً”، مما يجعل التنازل تحت الضغط يظهر أمام الأتباع كاستجابة لإشارة غيبية أو “مرونة إلهية” لا تخضع للحسابات البشرية.
كما لم يعد مجدياً استمرار النظام في لعبة “توزيع الأدوار” وإبراز خلافات داخلية بين تيار إصلاحي وآخر متشدد؛ وهي مسرحية ممتهنة استهلكت تماماً ولم تعد تنطلي على المجتمع الدولي، خاصة مع التحول البنيوي للدولة في مرحلة ما بعد خامنئي إلى احتكار خاص وحصري لمؤسسة الحرس الثوري، وبروز “أولغارشيا” عسكرية واقتصادية مرتبطة به أحكمت قبضتها على مفاصل القرار.
هذا الواقع الجديد يسقط ورقة التوت عن ادعاءات التعددية السياسية، ويكشف أن المناورات الدبلوماسية ليست سوى وسيلة لامتصاص الزخم، حيث يتم تفعيل الوساطات لتمييع الضغط العسكري في اللحظات التي يقترب فيها النظام من “لحظة تجرع السم”، ليتحول النقاش تدريجياً من السؤال عن موعد التوقيع على الشروط الجوهرية إلى السؤال عن شكليات الحضور، وفي نهاية المطاف، يتم تسويق الانكسار المادي بوصفه “إرادة سماوية” منحت الإذن بالانكفاء، مما يضمن بقاء المنظومة وأولغارشيتها الحاكمة حتى وهي في أوج فشلها الاستراتيجي.
التعليقات