هل ساهم خطاب مصطفي محمود في تهيئة المناخ الفكري للإسلام السياسي؟

20 مارس 2026

مارك مجدي

جاءني خبر إنتاج مسلسل يدور عن حياة الكاتب والإعلامي مصطفي محمود، ومن أجواء الخبر يتضح أن المسلسل يقدم الرجل باعتباره شخصية ملهمة أو شخصية ثقافية أو لها إسهام فكرى.

الدكتور مصطفي محمود ربما يكون شخصا أحب الخير ومارس الأعمال الخيرية والإنسانية، لكن لا ينفي ذلك حقيقة أنه مقدم محتوى ترفيهي أقرب للخيال العلمي عن كونه قدم محتوى علميا رصينا. والحقيقة أن ما قدمه الراحل كان يتسم بالأساس بتقديم المعلومات الخاطئة والمزج غير العلمي بين الإيمان والحقائق العلمية.

في مسألة خلط الإيمان بالعلم نجد الراحل يحاول أن يوجه نقدًا لنظرية التطور التي تنتمي لحقل علوم الأحياء ليقول بأن التطور يحدث بفعل فاعل وليس عبر مسببات التطور للأنواع وفقًا للنظرية العلمية، ثم يُخطِأ النظرية نفسها. اقتبس عن الأرشيف التليفزيوني منه «رأيي أن التطور حصل بفعل فاعل، بهداية ذات عُليا كامنة مهيمنة بصيرة عليمة سميعة، وكلام داروين عن التطور جذريًا غلط، لأن اللي حصل تطوير، يعنى في شيء من خارج، هو اللى طورها بعلمه وبصيرته، لذلك آثار الصنعة الإلهية باينة في كل شىء».

الأسلوب الذي يتبعه الرجل هنا لا علاقة له بالعلم، خصوصًا وأنه غير متخصص بأي شكل من الأشكال في الأحياء ليتاح له الحديث عن هذا الموضوع، ولا علاقة للحديث هنا بالدين لأن الأديان لم تأتى لتكون مصدرًا للحقائق العلمية، إنما مصدر للإيمان والأكواد الأخلاقية. صحة نظرية التطور من عدمه ليست مجال النقاش هنا، لكن النقاش حول طريقة تعليقه على الحقائق العلمية التي لا تنتمى لأدوات العلم والمنهج العلمي.

وهذا المثال نقطة من بحر المغالطات التي تكثر في المحتوى الذي قدمه الراحل طوال سنوات نشاطه في المجال الإعلامي. أتذكر في سياق المغالطات رفضه الحقيقة التاريخية للأهرامات بأنها مدافن الملوك، وتكراره لمقولة أن اللغة العربية هي أصل كل اللغات، وأن السد العالي صمم بشكل خاطئ وتسبب في كوارث للزراعة المصرية، وكل ما سبق خطأ واضح ويقع ضمن نطاق التزييف.

أتذكر أيضًا قوله بأن هرم خوفو ينسب لشخص مجهول وأن الملك خوفو لا وجود له في تاريخ الأسرات وهذا غير صحيح. أو أن اللاوعى البشرى نتيجة لاضطراب الروح وإذا اضطربت الروح ظهرت الأمراض النفسية، ليس أن الأمراض النفسية بعضها عضوى وبعضها نتيجة لمؤثرات خارجية، وهي أمراض كغيرها تحتاج لممارسة علاجية طبية. وأن الانتقال الكمومي مستحيل بسبب التصميم الإلهي للفيزياء وهو ادعاء كان خطأً حينها وتأكد أنه خطأ اليوم. القائمة طويلة جدًا، بحيث يتطلب كشف المعلومات الخاطئة في مسيرته الإعلامية على الأقل كتاب كامل يزيد عن 200 صفحة.

نرى أن الراحل في مسيرته قد اعتدى على العلم بالتضليل أو بالتأويلات الغريبة من عنده، لم تسلم أي من الفروع العلمية من حديثه فيها بشكل عشوائي. لدرجة أن محتوى برنامج العلم والإيمان كاملًا يخلو من ذكر أي مصدر علمي، فيكتفي الرجل بقول إن الموضوع الذي يتحدث فيه أكدته الدراسات دون أي ذكر لأى دراسة بعينها.

هل نحتاج لأن نؤكد الإيمان بالعلم؟ لا أعتقد أن الدين يُثبت في قلوب المؤمنين بالدراسات والاكتشافات وإلا ما سمى إيمانًا.

المهم أن طريقة الراحل في عرض العلوم والفلسفة والفكر السياسي كانت تضع المعرفة دائمًا تحت محاكمة قناعاته الإيمانية، حين يتحدث عن فيلسوف شهير أسس الفلسفة الحديثة بكتاباته مثل إيمانويل كانط مثلًا فهو يرفض مجمل ما يقدمه بسبب رفضه لفكرة كانط عن حدود العقل في المسائل الإيمانية. وهكذا تعامل مع فلاسفة كبار آخرين لا تقوم الفلسفة بدونهم.

الحقيقة أن محتوى الراحل ساهم في تهيئة المناخ الفكري للإسلام السياسي من خلال ربط المعرفة بالإيمان، وجعله معيارًا لتقييم كل الظواهر الفكرية والسياسية والاجتماعية. فخطابه المتكرر كان يؤكد أن العلم والفلسفة يجب أن يخضعا لقناعاته الإيمانية، وألا يُقبل أي استنتاج مخالف للإيمان بتعريفه هو الخاص للإيمان. خلق أسلوبه لدى الأجيال التي نشأت على برنامجه إحساسًا بأن الالتزام العقيدي واجب على كل منتجات العلم بمختلف مجالاته، عرقل ذلك الأمر الفكر العلمي النقدي لدى الآلاف، وساهم في تعزيز موقف التيارات الدينية. فتلك هي التيارات التي تحاكم كل شيء وفقًا لقناعاتها المذهبية حصرًا. وكان مصطفي محمود قد مارس تدريبًا متأنيًا لجماهير عريضة من المصريين على فعل نفس هذه الممارسة الأصولية.

عنوان هذا المقال هو سؤال لماذا مصطفي محمود؟ أنا لا أعرف من له المصلحة في الترويج لرجل قدم محتوى مغلوطا لم يعد يصلح للعصر الراهن بأي شكل، ومن يرى في خطابه خطابا مناسبا في سياقنا اليوم؟ هل يستطيع مصطفي محمود مواجهة الإلحاد بمحتواه الذي يخلو من أي مصدر علمي؟ أم أن الغرض هو إحياء مناخ قديم زخرت فيه تيارات الإسلام السياسي؟ لا أعرف ربما الهدف تجارى بحت.

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...