قراءة في كتاب من لجج الشك إلى مرافئ الإيمان لمصطفى الحسناوي

مصطفى بن عمور المعاشي الحسني
قبل بضعة أشهر أرسل لي صديقنا الكاتب والصحفي مصطفى الحسناوي نسخة رقمية أولية من كتابه الجديد لأطلع عليه عن مكث وأبدي رأيي فيه عن قرب …وإني شاكر له هذا الظن الجميل وشاكر له هذه المتعة التي أحسستها وأنا أقرأ كتابه بفصوله المتنوعة رويدا رويدا ….وحين انتهيت من القراءة شرعت أكتب ملاحظات مختلفة وكنت على وشك نشرها في صفحتي ، بيد أنني تحاورت مع سي مصطفى الذي أكد لي أن كتابه طبع وأنه سيكون متاحا للقراء في معرض الكتاب بالرباط ….وما علي سوى أن أترصد خروجه للقراء ثم أذيع ما أنا كاتبه عنه كما أشاء …فذلك أفضل للقراء. فالحديث عن كتاب غير متاح لن يكون بنفس التأثير منه حين يصبح بين يدي القراء يقلبون صفحاته ويتتبعون فصوله ….وكذلك كان …وها أنا أستهل حديثي عنه بهاته التقدمة لعلها تفتح شهية قارئ ليطالع الكتاب ويتعرف محتواه.
أقول وبالله التوفيق:
إن تجارب الناس تختلف قوة وعمقا وحيوية ….فلو تعرفنا على تجارب من طواهم الزمن وطوحت بهم القرون أو العقود ….سنحصل على فوائد جمة لا شك …ولكن حين نطالع تجارب من يعيش بين أيامنا ويتنفس هواء زماننا ويمشي على أرض نمشي عليها في وقتنا ….فستكون الحصيلة أكبر والعائدة أضمن ….لأننا نشعر بهاته التجارب حية تتقلب في الحياة وحيوية تتصل مع حيواتنا بسبب من الأسباب، خاصة مع تمدد وسائل التواصل وتغلغلها في كل نجد ووهد وسهل ووعر ….وليس كل تجربة تكتب، وليس كل ما يكتب يُقرأ، وليس كل ما يُقرأ يَترك في النفس أثرًا، ولكن ثمَّة كتب تخطفك من أول سطر، لا لأن كاتبها أديب مبدع، بل لأنه يتحدث عنك، عن أسئلتك التي تخشى أن تنطق بها، عن حيرتك التي تظن أنك وحدك تعانيها. وهذا بالضبط ما يفعله مصطفى الحسناوي في كتابه “من لجج الشك إلى مرافئ الإيمان (نقض عرى الإلحاد)”.
إنه كتاب ليس كغيره من الكتب التي تتصدى لظاهرة الإلحاد، لأنه لا ينطلق من برج عاجي ، ولا زاوية نظرية ، ولا من منصة خطابة خاصة ، ولا من وراء ستار الانتماءات الجاهزة. بل ينطلق من تجربة شخصية عاشها المؤلف بنفسه، تجربة امتدت قرابة الثلاثين عامًا من التدين الحماسي، ثم سنوات من التذبذب والشك، ثم خمس سنوات من اللا دينية الصريحة، ثم عودة إلى الإيمان عبر رؤيا تحولت إلى رؤية. فجاء الكتاب خلاصة هذه الرحلة، يجمع بين نقد الخطاب الديني (الذي كان سببًا في خروجه) ونقد الخطاب اللاديني (الذي عاش في كنفه سنوات.
***************************
في البدء عمد الحسناوي إلى تحديد أهم المفاهيم التي تتحرك في الكتاب حتى يكون القارئ على بصيرة مما يطالع دون خلاف مع الكاتب وهذه هي أهم المفاهيم التي حد لها تعريفا واضحا:
· المتدين في سياق الكتاب: هو المنتسب إلى جماعة إسلامية معاصرة، لا المسلم بوجه عام. والفرق بينهما كالفرق بين الجزء والكل.
· الخطاب الديني: هو الكلام المعاصر الذي يستعمله المتدئنون، المستند إلى أدبيات الجماعات ومقتطفات من التراث، وليس إلى الوحي نفسه.
· التراث: ما نسج حول الوحي من أفهام وتأويلات وتفاسير وشروحات. وهو كالثوب يلبسه الجسد، والجسد غير الثوب.
· اللاديني: من لا يؤمن بدين، وهو أعم من الملحد، فالملحد فرع منه.
· الربوبي: يؤمن بخالق لكنه لا يؤمن بوحي ولا رسل.
· اللاأدري: يقف على الحياد، لا يدري أيوجد الخالق أم لا.
· الملحد: يحسم بالأدلة – أو بما يراه أدلة – بعدم وجود إله.
ثم يميز بعد ذلك بين أنواع الإلحاد: فمنه سياسي وفلسفي وعلمي ومنه نفسي. لكن الذي يجتاح العالم العربي اليوم، كما يرى الكاتب، ليس هذه الأنواع، بل “الإلحاد الشعبوي” أو “الشعبي”. وهو موجة لادينية تعيد تدوير الأطروحات الاستشراقية القديمة في قالب شبابي سهل، تعتمد على الإثارة والعدائية، وتستقطب الجهلة من المراهقين والطلبة. وكأنما يعيد التاريخ نفسه: فكما كان عامة الناس في الماضي يتبعون الدجالين، كذلك يفعلون اليوم مع مدعي التنوير.
قصة الرؤيا التي تحولت إلى رؤية
ويفتتح الكتاب بفصل صغير لكنه محوري: القصة الشخصية التي كانت الدافع لكل هذه الرحلة الفكرية. يروي الحسناوي كيف رأى في منامه، في ليلة عرفة، رجلاً كأنه طيف شفاف، سأله: “هل عرفت من أنا؟” فأجاب: “أنت محمد”. قال: “ألن تقول رسول الله؟” قال: “أنا أبحث عن دليل، ولو وجدته لآمنت بك”. قال: “ستجد ذلك”.
تكررت الرؤيا على مدى سنة كاملة، وفي كل مرة بتفاصيل جديدة، حتى قرر أخيراً السفر إلى المدينة المنورة. وهناك، وهو يطأ الأرض المباركة، حدث ما لم يتوقعه: تحول من ملحد إلى مؤمن في لحظة، ليس عبر حوار فلسفي أو دليل عقلي، بل عبر تجربة روحية إيمانية إحساسية غامرة. وهذه التجربة هي التي أنتجت هذا الكتاب.
ثانياً: في تقويم الخطاب الديني – مسؤولية لا تُنكر
يبدأ الحسناوي باعتراف جريء لا يصدر إلا عن شجاعة والتزام : أن جزءاً من الخطاب الديني المعاصر يتحمل جزءاً من المسؤولية في خروج الشباب من الدين وضلالهم عن سبيله . ويشبّه ما حدث في العالم الإسلامي بما حدث في الغرب مع الكنيسة، حيث كان التمرد في البداية على رجال الدين لا على الدين نفسه. لكن الفرق أن الكنيسة تعلمت الدرس وأصلحت، بينما بعض المسلمين ما زالوا يصرون على الخطأ.
زلزال لشبونة
يستعير المؤلف من تاريخ الغرب حدثاً عظيماً: زلزال لشبونة عام 1755 الذي هز ثقة الأوروبيين في الكنيسة، فإذا بهم يسألون: كيف يسمح الله بذلك؟ وقد كان للعالم الإسلامي زلازله الخاصة:
· 11 سبتمبر 2001: وضع بذور الخطاب الإلحادي الجديد، وجعل السؤال الملح: لماذا يكفرون بنا نحن الضحايا؟
· الربيع العربي (2011-2013): وعد به الخطاب الإسلامي بوعود مسرفة، فلما فشل انقلب عليه الشباب.
· داعش (2014-2019): أشد الزلازل وأعنفها، حيث رأى الناس فتاوى منزوعة من التراث بصورة منغلقة وسطحية تطبق على الأرض – سفك الدماء، سبى النساء، قطع الرؤوس – فكانت تلك التطبيقات أشد خطباً في تشكيك بعض الشباب بل وإخراجهم من الدين. أقول : لقد اتضح أخير من صنع رؤوس الدواعش ومن يمولهم ويوجههم باعتراف مسؤولين غربيين وأمريكيين.
· كورونا وما بعدها: حيث فتحت تطبيقات التواصل الجديدة (كلوب هاوس، تيك توك) المجال لنقاشات حية مباشرة، فانتقلت الشبهات من بطون الكتب إلى الآذان والألباب.
ألغام التراث
والتراث، كما يصفه المؤلف، حقل ألغام. فيه الصالح وفيه الطالح، فيه ما يوافق العصر وفيه ما يتناقض معه. لكن المشكلة أن بعض المتدينين يقدسون التراث كله، فلا يفرقون بين ما هو وحي وما هو بشري. فإذا اكتشف الشاب خطأً في تراثهم، ظن أن الخطأ في الدين نفسه.
وهذه مفارقة خطيرة: تقديس العامة لما يجهلونه، ثم صدمتهم حين يكتشفون حقيقته. وكأنهم يبنون على رمل، فإذا جاء السيل أتى على كل ما بنوه.
آفات الخطاب الديني
ويسرد المؤلف آفات كثيرة، وكأنه يكتب فصولاً من تاريخ الانحراف الفكري:
· بيع الوهم: كرامات سخيفة ووعود كاذبة وتنبؤات بقيام الخلافة في سنوات محددة.
· التزهيد في العقل: شيوخ يشبهون العقل بالحمار، ويقولون “اربط عقلك خارجاً”. وكأن العقل عدو وليس نعمة.
· تقديم التاريخ باللون الوردي: يصورون الماضي كجنة مفقودة، فإذا اكتشف الشاب الحقيقة انقلب حاقداً.
· الإعجاز العلمي المزيف: نسب اكتشافات علمية للقرآن بطريقة ساذجة، كإسلام نيل أرمسترونغ وجاك كوستو، وهي أكاذيب انكشفت فكانت سبباً في ارتداد كثيرين.
الريدبيلية المتأسلمة والإلحاد المؤنث
ومن أخطر ما يتناوله الكتاب: تسلل خطاب الكراهية للنساء – المعروف بـ”الريدبيل” – إلى الخطاب الديني. فأصبح بعض المتدينين يتبنون أفكاراً تكراه المرأة وتتهمها وتستبيح ظلمها، متخفين وراء فتاوى ونصوص. وهذا الخطاب – كما يقرر المؤلف – كان السبب الرئيسي في موجة إلحاد الفتيات. فالمرأة تخرج من الدين حين ترى أن الدين – كما يقدمه هؤلاء – يضطهدها. وهي لا تخرج من الدين في الحقيقة، بل من تشويههم له.
كيف تشتعل شرارة الإلحاد؟
ويبين الحسناوي كيف يبدأ الشك: بثغرات صغيرة، آية علمية إشكالية، رواية تاريخية متناقضة، فتوى أخلاقية صادمة. ثم تتراكم هذه الثغرات كقطع الأحجية، حتى يكتمل البناء. لكن المشكلة الأكبر هي رد فعل بعض المتدينين – وليس كلهم – حين يواجهون شاباً شاكاً: يرمونه بالاتهامات (عميل، مرتزق، ماسوني، صهيوني). فلا يصبرون عليه، ولا ينصتون له، ولا يحاورونه بالتي هي أحسن. فإذا به يتحول من باحث موضوعي إلى ناقم حاقد، وتقدح الميليشيات شرارة الإلحاد وتضرم النيران.
تجديد ضروري
ويدعو المؤلف إلى تجديد ثلاثة أمور:
· علم الكلام المتجدد، يقطع مع التراث المتجاوز، ويستحضر الفلسفة والعلوم الطبيعية والأركيولوجيا وفلسفة الأديان.
· أدلة النبوة، لأن الأدلة التراثية كانت موجهة للمسلمين للاستئناس، أما الملحد الجاد فيريد دليلاً على أن محمداً تواصل مع الخالق حقاً.
· المنظومة القيمية، فالأخلاق في الخطاب الحالي مهمشة، والمسلمون يتفوقون في العبادات لكنهم يتخلفون في الأخلاق العملية: النظافة، الانضباط، المواعيد، احترام القانون.
ثالثاً: في نقض الخطاب اللاديني – المعرفة من الداخل
وبعد أن فرغ من نقد الخطاب الديني، ينتقل المؤلف إلى نقد الخطاب اللاديني. وهو يفعل ذلك ليس دفاعاً عن الدين فقط، بل لأنه عاش في هذا الخطاب وعرفه من داخله. والرجل الذي يعرف الطريق من داخله أدرى بمكامن الخطر ممن ينظر إليه من بعيد.
1. أسس واهية
ويقول المؤلف إن الخطاب الإلحادي الشعبي، على خلاف ما يبدو عليه من جدية وعلمية، مبني على أسس واهية:
· الانتقاء والاجتزاء: يأخذون النصوص من سياقها، فيُخرجونها عن معناها.
· التعميم: يصوّرون فئة متطرفة من المسلمين وكأنها تمثل الإسلام كله.
· الإسقاط: يحاكمون الماضي بمعايير الحاضر، وكأن من حقنا أن نحاسب أسلافنا على ما لم يكونوا يعلمون.
· التهويل والتهوين: يضخمون الأخطاء ويتجاهلون الإنجازات، فلا يرون في التاريخ الإسلامي إلا الدماء.
· الخلط بين النص التاريخي والدين: كأنما الدين كله هو ما فعله بعض الحكام في بعض العصور.
· الشك العدمي: يشككون في كل شيء، حتى في البديهيات، فلا يبقى بعد ذلك يقين.
وهذه الأسس لو فتشتها وجدتها تشبه ما يفعله بعض (رجال الدين) المتطرفون – اختيار ما يخدم الغرض، وتجاهل ما يضره.
2. أنبياء خزعليون – أو إعادة رسم الجغرافيا
وينتقد المؤلف الظاهرة التي ظهرت في العقد الأخير: محاولة بعض الباحثين (كالعراقي خزعل الماجدي، واللبناني كمال صليبي، وغيرهما) القول إن أنبياء بني إسرائيل هم في الأصل ملوك سومريون، أو إن التوراة جاءت من جزيرة العرب، أو إن مكة ليست مكة والكعبة هي البتراء. ويرى أن هذه السرديات التي تقدم على أنها “حقائق علمية” ما هي إلا ألعاب لغوية وقفزات في الفراغ. وهي تندفع وراءها جماهير متحمسة تصدقها بلا دليل، كما كان أسلافهم يصدقون الدجالين.
3. مخطوطات صنعاء – هل تثبت التحريف؟
ويتعرض المؤلف لادعاء البعض بأن مخطوطات صنعاء تثبت تحريف القرآن، فيرد:
· أن الاختلاف بين المخطوطات أمر طبيعي ومعروف، سببه أخطاء النساخ أو العوامل البيئية.
· أن النص السفلي والعلوي في الطرس قد يكون نصاً تعليمياً تم إصلاحه.
· أن القرآن لم يثبت فيه تحريف، وكل الدراسات الجادة تؤكد أن المخطوطات متوافقة مع المصحف الحالي.
وهذه ليست دفاعاً عاطفياً، بل هي حقيقة يعرفها كل من اشتغل بهذا العلم.
4. القرآن سرياني أم عربي؟
ويرد على ادعاءات كريستوف لكسنبورغ بأن أصل القرآن سرياني (“قريانا”)، فيقول:
· إن جذر “قرأ” موجود في العربية والسريانية، ولا يمكن الجزم بأي منهما أخذ من الآخر.
· إن كلمة “قريانا” لا وجود لها في أي مصدر سرياني قديم قبل القرن التاسع الميلادي، أي أنها ظهرت بعد القرآن وتأثرت به، وليس العكس.
· إن المعاجم السريانية القديمة لا تعطي “قرا” معنى القراءة، بل معنى النداء والصراخ.
فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يزعمون أن القرآن مأخوذ من كلمة لم تكن موجودة حين نزوله؟
5. مدرسة المراجعين – نقض من الداخل
ويناقش الحسناوي مدرسة “المراجعين” أو “التنقيحيين” الذين يشككون في السردية الإسلامية كلها، ويزعمون أن مكة لم تكن موجودة، وأن محمداً شخصية خيالية، وأن الإسلام صناعة أموية أو عباسية. ويرد عليهم:
· بالأدلة المادية: النقوش والمسكوكات والمصادر الخارجية المعاصرة (كتعاليم يعقوب اليهودي المنتصر، حوليات مينورا، رسائل إيشوعياب الثالث) التي تثبت وجود النبي والدين في القرن الأول الهجري.
· أن هذه المصادر من أعداء الإسلام، ولو أرادوا الكذب لذموه، لكنهم أثبتوا وجوده.
· أن السرديات البديلة متضاربة؛ فكل باحث منهم يأتي بسردية تخالف سردية الآخر، وتعددها يدل على تساقطها.
فإذا كان الرجل يبحث عن الحقيقة بصدق، فلماذا يختار السردية التي توافق هواه ويرفض كل ما يخالفها؟
6. مسيحية معاوية – أسطورة وهمية
يزعم بعض اللادينيين أن معاوية كان مسيحياً، بدليل وجود صلبان على عملاته. ويرد المؤلف:
· أن المسلمين تعاملوا أولاً بالعملات الموجودة في البلاد التي فتحوها، ثم عدلوها تدريجياً.
· أن هناك عملات أموية عليها النار المجوسية والشمعدان اليهودي، فهل نقول إن معاوية كان مجوسياً ويهودياً في آن واحد؟
· أن المصادر الخارجية تؤكد أن معاوية كان عدواً للمسيحية، وكان يحرض على قتال الروم.
وهكذا تنهار الأسطورة حين تضعها تحت ضوء المنطق.
7. الازدواجية في الخطاب اللاديني
ويسجل المؤلف ازدواجية خطيرة: لادينيون يطالبون بحقوق الأقليات وحرية الضمير في بلدانهم العربية، لكنهم عندما يُنتقد الغرب أو قيمه يصبحون كردينالات متعصبين يدافعون بكل عمى وتطرف ، فيطلبون من الناقد أن “يغادر البلد إذا لم يعجبه”، كما كان رجال الدين المتشددون يفعلون تماماً. فهم يستخدمون نفس السلطة التي ينتقدونها، لكن مع الغرب بدلاً من الشرق.
8. الهوية – حضن وملاذ
ويختم الفصل الثاني بتأكيد أن الدين ليس مجرد قناعة فردية، بل هو نسيج كامل من التاريخ والجغرافيا والعادات والاحتفالات واللغة. ومن يظن أنه يتخلص من الدين بتغيير اسمه أو لغته أو ملابسه، فهو واهم. لأن الهوية تحمله ولا يحملها وتسكنه حتى وإن أنكرها ، وسيظل يُنظر إليه من خلال أصوله وجيناته . وما أجمل ما قال: “الهوية هي الوطن، والإنسانية هي السفر، ومهما استمتعت بالسفر، ستحن إلى الوطن.”
خامساً: الخاتمة – رسالة إلى صديقي الملحد
ويختم الحسناوي كتابه برسالة دافعة إلى صديقه الملحد:
· “ليس بالعقل وحده يسعد الإنسان”. العقل أداة عظيمة، لكن له حدود. والسعادة طرقها متعددة، والعقل لا يوصل إليها في كل مرة.
· لا تتردد في التفكير والشك والبحث، فأنت صادق بالضرورة.
· لكن لا تعتمد على العقل وحده؛ فالإنسان يميزه الحب والتعاطف والتضامن والحدس، وهذه قد توصلك إلى حقائق لا يصل إليها العقل.
· وهو نفسه – وهو يكتب – يعيش مرحلة “التواضع المعرفي”، مرحلة يعترف فيها بعجزه عن الجزم في كثير مما كان يجزم به سابقاً.
· ويختم بوعد لأي باحث صادق: “إذا بقيت وفيًا للبحث عن الحقيقة، سيضع الله في طريقك الأجوبة التي تقنعك، بالطريقة التي تناسبك”.
سادساً: الملحق الإحصائي – كشف الستار
ويضم الكتاب ملحقاً إحصائياً يفضح التقليل المتعمد من أعداد الملحدين في العالم العربي. يذكر كيف نشرت دار الإفتاء المصرية أن عدد الملحدين في مصر لا يتجاوز 866 ملحداً، وهو رقم يثير الضحك لا الجد. ثم يعرض إحصاءات حقيقية من البارومتر العربي ومن متابعته الشخصية، ويخلص إلى أن أعداد اللادينيين تضاعفت بين عامي 2013 و2019 بالضعف وأحياناً ثلاثة أضعاف، ثم انفجرت بعد كورونا. ويحصي 50 قناة يوتيوب لادينية، يتابعها حوالي 7.5 مليون مشترك، بمليار مشاهدة.
والخلاصة: أن ظاهرة الإلحاد الشعبي ليست هامشية ولا يُستهان بها، وتحتاج إلى معالجة جادة، لا إلى إنكار أو تكفير.
كلمة أخيرة
إذا كنت تبحث عن شهادة حية من إنسان عانى من الطرفين، ودخل النار ليخرج منها بوجه محروق لكن بعيون تبصر لأول مرة، فهذا كتاب يستحق أن تقرأه، بل أن تعيد قراءته.
إنه كتاب عن الشك واليقين، عن التراث والتجديد، عن الأخلاق والعقل، عن الذات والهوية، عن آلام التفكير ولذة الوصول. كتاب يذكرك بأن الحقيقة لا تأتيك سبهللا ، بل يجب عليك أن تبحث عنها، وأن من يبحث بصدق، ولو أخطأ الطريق مئة مرة، سيصل في النهاية – ليس بالضرورة عن طريق العقل وحده – بل عبر منافذ أخرى كان يجهلها من قبل أو لا يضرب لها حسابا .




التعليقات