إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ
يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية وترتيبات النفوذ الإقليمي، بما يمنحه شرعية سياسية وقانونية يصعب تجاوزها في أي تسوية مقبلة.
وتتحدد الأهمية الاستراتيجية للاتفاق (ما زال هشا) في النتائج التي أفضت إليها الحرب، فقد انتهت المواجهة من دون إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك مؤسساته العسكرية والأمنية أو إحداث انهيار في بنيته الداخلية، كما أخفقت في إنهاء شبكة الحلفاء المرتبطة بطهران في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، وهو ما أتاح لإيران دخول المفاوضات من موقع دولة تعرضت لضربات واسعة، لكنها احتفظت بقدرتها على الرد والتأثير ورفع كلفة استمرار الحرب.
وتكتسب التسوية معناها الحقيقي من ميزان القوى الذي أنتجها، لأن الانتقال إلى الاتفاق بعد حرب عجز فيها طرف عن فرض استسلام خصمه يتحول عمليا إلى اعتراف متبادل بالردع، وهو ما يميز هذه التسوية عن الإملاءات التي تفرض على الدول المهزومة، إذ تشارك إيران في اتفاق يشمل ملفات تتجاوز حدودها الوطنية، من الجبهة اللبنانية ومضيق هرمز إلى صادرات النفط والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.
وتفصح القضايا التي لم يحسمها الاتفاق عن حدود الإنجاز الأميركي والإسرائيلي، إذ لا تتحدث الصيغة المتداولة عن تفكيك كامل للمشروع النووي الإيراني، وإنما تفتح مسارا جديدا للتفاوض حول مستويات التخصيب والمخزون النووي وآليات الرقابة الدولية، كما تخلو من قيود واضحة ونهائية على إنتاج الصواريخ الباليستية أو تطوير مداها ودقتها، بما يبقي مكونات أساسية من منظومة الردع الإيرانية خارج دائرة الحسم.
وتظل شبكة الحلفاء الإقليميين خارج منطق التصفية أو التفكيك، في ظل غياب التزامات إيرانية صريحة بوقف الدعم العسكري والمالي لحزب الله والحوثيين والفصائل العراقية والقوى الفلسطينية المتحالفة مع طهران، فيما يحمل إدراج الجبهة اللبنانية ضمن ترتيبات وقف الحرب دلالة خاصة، لأنه ينقل إيران من موقع الطرف المتهم بإدارة التصعيد إلى موقع المشارك في صياغة شروط إنهائه، ويعزز موقع حزب الله داخل التوازنات اللبنانية والإقليمية الجديدة.
ومن جهة أخرى، يثبت مضيق هرمز موقعه عنصرا مركزيا في القوة الإيرانية، بعدما أظهرت قدرة طهران على تعطيل الملاحة أو تهديدها أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن ضمانه من دون تفاهم معها، ولذلك تمثل إعادة فتح المضيق اعترافا عمليا بإيران طرفا رئيسيا في إدارة أمنه واستقراره، لا تراجعا نهائيا عن نفوذها في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
كما تؤكد الحرب محدودية المظلة الأميركية في حماية دول الخليج من تداعيات المواجهة المباشرة مع إيران، إذ لم يمنع وجود القواعد الأميركية استهداف المصالح والمنشآت الحيوية، ولم يوفر ضمانة كافية لاستمرار الملاحة وتدفقات الطاقة والتجارة، وهو ما سيدفع العواصم الخليجية إلى مراجعة مفهوم أمنها الإقليمي وتنويع شراكاتها، عبر بناء علاقات أكثر توازنا مع إيران والانفتاح بصورة أوسع على الصين وروسيا.
وتبين قنوات التفاهم السرية بين بعض العواصم الخليجية وطهران إدراكا متزايدا بأن إدارة الخلاف مع إيران أقل كلفة من الانخراط في استراتيجية تستهدف إسقاط نظامها، كما تمنح التحولات الجديدة الصين وروسيا فرصة لتوسيع حضورهما الاقتصادي والأمني في مجالات الطاقة والموانئ والاستثمارات والبنية التحتية، بما يعيد تشكيل بنية التحالفات الإقليمية على أساس تعدد الشركاء ومصادر الحماية.
تبدو إسرائيل الطرف الأكثر تضررا من النتائج الاستراتيجية للاتفاق، لأنها خاضت الحرب على أساس أن الضغط العسكري قادر على إنهاء البرنامجين النووي والصاروخي، وإضعاف النظام، وتفكيك شبكة حلفائه، في حين أعادت التسوية واشنطن وطهران إلى التفاوض وأبقت القضايا الأساسية مفتوحة، كما قيدت حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية وجعلت أي تصعيد جديد تهديدا مباشرا للاتفاق.
إن إيران خرجت من الحرب من دون إسقاط نظامها أو تفكيك برنامجها الصاروخي أو إنهاء شبكة حلفائها، واحتفظت بموقعها في معادلات لبنان واليمن والعراق وأمن الممرات البحرية، فيما يرجح أن تحاول إسرائيل تعطيل التسوية، في مقابل سعي الرئيس دونالد ترامب إلى تحويلها إلى إنجاز شخصي قد يتوج بزيارة إلى طهران ويعزز طموحه إلى جائزة نوبل للسلام، ليصبح الاتفاق في جوهره انتقالا من محاولة احتواء إيران بالقوة إلى الاعتراف بها طرفا أساسيا في النظام الإقليمي المقبل.
التعليقات