رأس السنة الهجرية.. حين تتحول الهجرة من حدث في التاريخ إلى مشروعٍ للإنسان

17 يونيو 2026

تعمحمد اعبيدو

ليست بعض المناسبات محطاتٍ في الزمن فحسب، بل هي مرايا تنعكس عليها حقيقة الإنسان وهو يفتش عن معنى وجوده بين الأرض والسماء. ومن بين هذه المناسبات تظل ذكرى الهجرة النبوية الشريفة حدثًا يتجاوز حدود التاريخ، ويتعالى على قيود المكان، ليصبح رسالة خالدة إلى الضمير الإنساني في كل عصر.

فحين نستقبل عامًا هجريًا جديدًا، لا نستقبل رقمًا جديدًا في تقويم الأيام، بل نستقبل سؤالًا كبيرًا يهبط على أعماق الروح: ماذا بقي فينا من الهجرة؟ وماذا بقي فينا من محمد صلى الله عليه وسلم؟

إن الأمم تؤرخ عادةً لانتصارات السيوف، أو لتتويج الملوك، أو لسقوط الإمبراطوريات، أما هذه الأمة فقد اختارت أن تبدأ تاريخها من رحلة إنسان حمل نور السماء في قلبه، ومضى به وسط ظلمات الأرض. لم يكن ذلك صدفة.

فالهجرة في جوهرها لم تكن انتقال جسد من مكة إلى المدينة، بل كانت انتقال البشرية كلها من مرحلة إلى مرحلة، ومن وعي إلى وعي، ومن رؤية للإنسان إلى رؤية أرحب وأسمى.

لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، لكن الحقيقة الأعمق أن الظلم هو الذي خرج من دائرة القداسة، والعصبية هي التي فقدت سلطانها، والوثنية هي التي بدأت تتراجع أمام شمس التوحيد.

كانت الهجرة إعلانًا كونيًا بأن الإنسان أكبر من قيوده، وأن الرسالة أكبر من الحصار، وأن الفكرة العظيمة تستطيع أن تعبر الصحارى والجبال والأسوار لتصل إلى القلوب التي كُتبت لها الحياة.

وفي غار ثور، حيث ضاقت الأرض حتى بدت كأنها أطبقت على صاحب الرسالة وصاحبه، كانت الإنسانية تتعلم درسًا لن يشيخ أبدًا: أن القوة الحقيقية ليست فيما تملك اليد، بل فيما يسكن القلب من يقين.

هناك، في تلك اللحظة التي كانت فيها المقاييس البشرية كلها تشير إلى الخطر، كان صوت السماء ينساب مطمئنًا: “لا تحزن إن الله معنا”.

ولعل البشرية كلها لم تسمع في تاريخها عبارةً أكثر قدرة على إنقاذ الإنسان من الخوف من هذه الكلمات القليلة.

فمنذ ذلك اليوم، صار المؤمن يعلم أن الطريق إلى الحق قد يضيق، لكنه لا ينغلق. وأن الليل قد يطول، لكنه لا ينتصر. وأن الباطل قد يعلو صوته، لكنه لا يملك المستقبل.

إن فلسفة الهجرة ليست أن تغادر وطنًا إلى وطن، بل أن تغادر نقصك إلى كمالك، وجهلك إلى معرفتك، وأنانيتك إلى إنسانيتك، وخوفك إلى رسالتك.

الهجرة الحقيقية هي أن يهاجر القلب من قسوة الحجر إلى رقة الرحمة. وأن يهاجر العقل من أسر التعصب إلى رحابة الحكمة. وأن تهاجر الروح من ضجيج الدنيا إلى سكينة المعنى.

ولذلك فإن كل إنسان يحمل في داخله مكةً يجب أن يغادرها، ومدينةً يجب أن يصل إليها.

في داخل كل واحد منا أصنام خفية لا تُرى بالعين، لكنها تستعبد الروح: صنم الكبر، وصنم الطمع، وصنم الحقد، وصنم الأنا.

والهجرة التي أرادها محمد صلى الله عليه وسلم للبشرية ليست مجرد عبور للصحارى، بل تحطيم لهذه الأصنام التي تقف بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وإنسانيته.

ما أحوج عالمنا اليوم إلى فهم الهجرة من جديد. عالم تتسع فيه المسافات بين البشر رغم تطور وسائل التواصل. عالم يزداد ثراءً في المادة، لكنه يزداد فقرًا في المعنى. عالم تتقدم فيه الآلات بسرعة مذهلة، بينما تتعثر القلوب في دروب الرحمة والمحبة والسكينة.

في مثل هذا العالم، تعود الهجرة النبوية لتقول لنا إن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وإن تحرير الضمير يسبق تحرير الأوطان، وإن النهضة الحقيقية تبدأ من داخل النفس قبل أن تظهر في الشوارع والمؤسسات والخرائط.

لقد كانت الهجرة ميلاد أمة، لكنها قبل ذلك كانت ميلاد إنسان. إنسان عرف لماذا يعيش. ولماذا يضحي. ولماذا يصبر. ولماذا يحب. ولماذا يغفر. ولماذا يواصل السير حتى عندما تبدو الطرق كلها مغلقة.

ولهذا فإن الاحتفاء برأس السنة الهجرية لا يكون بالأمنيات العابرة ولا بالكلمات المكرورة، بل بأن نقف أمام مرايا أرواحنا بشجاعة، وأن نسأل أنفسنا بصدق: من أي ظلام نريد أن نهاجر؟ وإلى أي نور نريد أن نصل؟

وأي أثر سنتركه في هذه الأرض قبل أن نصبح ذكرى في ذاكرة الزمن؟

إن الهجرة لم تنتهِ يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، لأن الرسالات العظيمة لا تنتهي بمغادرة الأمكنة، بل تبدأ منها.

وما تزال قوافل الهجرة تسير إلى يوم الناس هذا؛ في قلب كل إنسان ينتصر على ضعفه، وفي عقل يختار الحقيقة على الوهم، وفي روح ترتقي فوق أحقادها، وفي أمة تبحث عن طريقها نحو العدل والكرامة والنور.

ومع كل عام هجري جديد، لا نحتاج فقط إلى أن نتذكر الهجرة، بل أن نعيشها.

أن نجعل من حياتنا رحلة مستمرة من الظلمة إلى النور، ومن الفرقة إلى الأخوة، ومن العبور فوق الأرض إلى الارتقاء في المعنى.

فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يهاجر ليغيّر خريطة مدينة، بل هاجر ليغيّر خريطة الإنسان.

وما تزال البشرية، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا،

بحاجة إلى ذلك النور الذي خرج من الغار، ومشى في الصحراء، ثم دخل التاريخ ليضيء المستقبل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...