الفجر والعشر، مواسم انكشاف الحجب
د محمد غاني
لا غرو ان العشر الأولى من شهر ذي الحجة موسم بدون منازع لحج القلوب وتجلي الأنوار في كل مكان لمن أحب الله و رسوله و حج إليهما في كل وقت من حياته.
كل وقت من حبيبي
قدره كألفي حجة
فاز من خلى الشواغل
ولمولاه توجه
تتراءى لنا العشر الأوائل من ذي الحجة كواحة روحية وسط رمال الزمان، فهي في حقيقة الأمر ليست مجرد أيام معدودات في تقويم فقهي، بل هي محطات إيمانية رمزية عميقة تتجلى فيها أسرار العبوديةِ ومقامات القربِ .
إنها دعوة متجددة لكل سالك وعارف بالله، ليحج بقلبه إلى حضرةِ الحبيب المحبوب الذي كون معناه هذا في اسم الجلالة الذي سمى به نفسه “الله” ، حتى وإن لم يكتب له الحجّ الأكبر إلى البيتِ العتيقِ. فالحج في جوهره ليس انتقالا بالأبدان فحسب، بل هو في دلالاته الرمزية العميقة لكل ذي لب، رحلة بالروح نحو كعبةِ المعنى المتكونة معناها في اسم الجلالة “الله” الذي ليس معناه في نظرنا الا “الحبيب المحبوب” ، حيث يتجرد العبد بذكر هذا الاسم و تكرار في القلب من علائقِ الدنيا وزخارفها و ان ملكها في يده و بدا للناس متعلقا بها ، فهي منزوعة بفضل تعلقه بحبببه و مولاه من قلبه فكان متوجها بكليته إلى حبه (بكسر الحاء) ومولاه “الله” .
لقد أقسم الحق سبحانه بهذه الليالي العشر في محكمِ كتابه: وَالْفجرِ وَليال عَشر سورة الفجر: 1-2، وهذا القسمُ الإلهي ليس مجردَ إشارة إلى فضلِ الزمان، بل هو تنبيه إلى عظمةِ ما تحمله هذه الأيام من أسرار وتجليات. إنها مواقيت قدسية لاصطفاء القلوب، وتهيئتِها لاستقبالِ الأنوارِ العرفانية، وبلوغِ مقامِ المعرفةِ والمشاهدة في يوم سمي بذلك بيوم عرفةَ.
فكل يوم من هذه العشر هو درجة في سلمِ الترقي الروحي، وكلّ لحظة فيها فرصة لتصفيةِ النفس وتزكيةِ القلب.
فمن أسرار المناسك مثلا ان الحج انما هو تيمم باطن كل سالك نحو وجه مولاه،
حيث إن مناسكَ الحج، وإن كانت شعائر ظاهرة يؤديها الحاج في البقاع المقدسة، إلا أنها تحمل في طياتها إشارات عرفانية عميقة، يمكن للسالكِ غيرِ الحاج أن يتمثلها في سلوكه اليومي، ليحققَ بذلك “حج القلوب
فالإحرام مثلا: هو أول محطاتِ التجردِ. فكما يخلع الحاج ثيابه المخيطة ويلبس ثوبينِ أبيضين، كذلك على السالكِ أن يخلعَ ثياب الكبرِ و الخيلاء، ويتجرد من كل ما يشغله عن حبيبه و مولاه.
إنه إعلان عن الدخول في حرم الله، حرم القلب، حيث لا مكان لغير الله.
ثم تأتي التلبية: “لبيك اللهم لبيك” ليست مجردَ كلماتٍ تردد، بل هي استجابة لأذان الحق الأزلي في القلوب ألست بربكم؟ الأعراف: 172.
إنها تجديد لعهد العبوديةِ، وإقرار بالتوحيدِ الخالص، وتأكيد على أن القلب لا يميل إلا إليه، ولا يطلب إلا وجهَه
ثم بعد ذلك يأتي الطواف: دوران الحاج حول الكعبةِ وهو رمز لدوران القلبِ حولَ المحبوب الأزلي. فكما أن الكعبةَ هي مركزُ الأرض، فالله الحبيب المحبوب هو مركز الوجودِ كله. وعلى السالك درب المحبة أن يجعل الله تعالى هو محور حياتِه، في كل حركة وسكون، وفي كلّ فكر وعمل، ليتحققَ فيه قولُه تعالى: قلْ إِن صلاتي وَنسكي ومحياي وَمماتي لِله رَب الْعَالمين الأنعام: 162
أما بالنسبة للسعي بين الصفا والمروة: فيمثل السعي طلب المدد الإلهي بين صفا اليقين ومروة الرجاء.
فمهما اشتدت المحن وتوالت الابتلاءات، يبقى السالكُ ساعيا بقلبه، متوكلا على ربه، واثقا بأن الفرجَ آت، وأن العطاءَ الإلهي لا ينقطع.
و ختاما الوقوف بعرفة: هو ذروة الحج، ومقام المعرفةِ والمشاهدةِ. في هذا اليومِ العظيم، تتجلى الحقائق وتنكشف الحجب، ويقف العبد بين يدي ربه وقوف العارف الذي أدرك حقيقة وجوده وفناء ما سواه. إنه يوم الوقوفِ بالحق للحق، حيث تتنزل الرحمات وتعمّ المغفرة، ويباهي الله بعبادِه الملائكة.
التعليقات