إصدار.. من مذكرات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في تونس

1 مايو 2026

محمد الحاج سالم
وراء الشّمس والبحر، اكتشف فوكو شيئًا آخر: «في الواقع، التقيتُ طلّابًا تونسيّين، وكان ذلك حبًّا من النّظرة الأولى. ربّما لم أجد هذا القدر من الجديّة وهذا القدر من الشّغف، إلّا في البرازيل وتونس؛ وأكثر ما أسعدني هو شغف النّاس المطلق بالمعرفة».
كانت تونس محميّة فرنسيّة سابقة منذ عام 1881، ونالت استقلالها عام 1956 ليقودها الحبيب بورقيبة بقبضة حديديّة طوال ثلاثين عامًا. وفي غشت 1961، صفّى جسديًّا أشدّ منافسيه خطرًا عليه، صالح بن يوسف؛ وتخطّى أزمات خطيرة مع فرنسا؛ وبدأ خطّة زراعيّة تعاونيّة مثيرة للجدل، اضطرّ إلى إيقافها في 1969. وفي عام 1956، أقرّ قانونًا ليبراليًّا للأحوال الشخصيّة (مجلّة الأحوال الشخصيّة) يحظر تعدّد الزّوجات -علامة على التزامه بالحداثة- على الرغم من أنّه حافظ على عدم المساواة بين الجنسين في مسألة الميراث. كما أتاح للشّعب الولوج إلى التّعليم العالي، وإن واصل بنشاط سيطرته على منظّمات الطلّاب، وخاصّة الاتّحاد العامّ لطلبة تونس. وفي عام 1966، عندما وصل فوكو إلى تونس، كان قد نشر للتوّ كتاب الكلمات والأشياء الذي جعل منه أبرز فيلسوف فرنسي. وغنيّ عن القول أنّ الحكومة التونسيّة والمثقّفين شعروا بتشريف كبير بوجوده في تونس. وقد ألقى محاضرات في قسم الفلسفة عن نيتشه، وديكارت، والرسّام مانيه (Manet)، وآخرين. كما قدّم محاضرات عامّة مفتوحة للجمهور مساء كلّ يوم جمعة. وتحدّث أيضًا في النّادي الثّقافي الطّاهر الحدّاد، حيث ناقش مواضيع مثل »البنيويّة والتّحليل الأدبي‎«‎ و»الجنون والحضارة‎«‎، وكلاهما في ربيع 1967.
واتّسمت السّنوات التي قضاها فوكو في تونس باضطرابات اجتماعيّة وسياسيّة حادّة. ففي عام 1966، عادت مجموعة من الطلّاب من فرنسا، حيث كانوا يدرسون، ليشكلّوا فرعًا تونسيًّا لمنظمّة أسّسوها في باريس في أكتوبر 1963، وهي »مجموعة الدّراسات والعمل الاشتراكي التّونسي» (G.E.A.S.T)، المعروفة أيضًا باسم مجلّتها »آفاق» (Perspectives). ومدفوعة بروح مناهضة الاستعمار في ذلك الوقت، وكذلك بالحماس الذي ولّدته الثّورة الثقافيّة الصينيّة، ناضلت مجموعة الدّراسات والعمل الاشتراكي التّونسي من أجل وضع حدّ لحكم الحزب الواحد الاستبدادي في تونس، وتحقيق الحرّية والديمقراطيّة، والتّضامن مع حركات التحرّر من الاستعمار. إلى جانب معارضة حكم بورقيبة الاستبدادي، عارض الطلّاب أيضًا سياسته الخارجيّة الموالية لسياسة الولايات المتّحدة مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع فرنسا.
وعلى الرّغم من أنّها ضمّت طلّابًا من توجهات سياسيّة متنوّعة مثل التروتسكيّين، إلّا أنّ مجموعة الدّراسات والعمل الاشتراكي التّونسي تأثّرت في المقام الأوّل بالفكر الماوي وازدادت تطرّفًا مع تصاعد القمع الحكومي. وأثناء إقامة فوكو في تونس، انخرط أعضاء «آفاق» في سلسلة من الإضرابات والمظاهرات التي ملأت فوكو وغيره من المغتربين الفرنسيّين بالرّضا. وفي 5 من يونيو 1967، مع بداية حرب الأيّام الستة التي واجهت فيها إسرائيل مصر والدّول العربيّة المجاورة، اندلعت مظاهرات في تونس للاحتجاج على الحرب، وكذلك على دعم الحكومة التونسيّة للسّياسة الأمريكيّة والبريطانيّة المؤيّدة لإسرائيل. وما لبثت المظاهرات أن خرجت عن السّيطرة حين نُظِّمت هجمات على شركات يهوديّة وكنيس يهودي. وقد صُدم فوكو بهذا، وكتب رسالة إلى جورج كانغيلم (Georges Canguilhem) يُدين فيها الفوضى ويصفها بأنّها «يوم (نصف يوم) من التّقتيل. والأمر أخطر بكثير ممّا ذكرته صحيفة لوموند: قرابة خمسين حريقًا، ونهب مائة متجر أو مائتين، الأكثر فقرًا بالطّبع؛ مشهدٌ لا يُنسى لكُنُسٍ يهوديّة مُدمّرة؛ وسجّاد جُرّ في الشوارع، ديس عليه وأُحرق؛ وأناس يفرّون إلى الشّوارع ويلجؤون إلى مبنى تريد الحشود إضرام النّار فيه». كما أشاد بردّ فعل الحكومة الذي اعتبره «سريعًا وحازمًا، وصادقًا على ما يبدو. لكن من الواضح أنّه [العنف] كان منظّمًا. فالجميع كان يعرف أنّه دُبّر في الخفاء منذ أسابيع، بل بلا شكّ منذ أشهر، دون علم الحكومة وضدّها». وفي لومه الشّديد لطلّاب اليسار، كتب يقول: «على أيّ حال، فإنّ القوميّة إذا أُضيف إليها العنصريّة تُؤدّيان إلى شيء مروّع. فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أنّ الطلّاب، لكونهم يساريّين، قد ساهموا (وأكثر) في كلّ ذلك، فإنّ الأمر يُصيب المرء بحزن شديد يجعله يتساءل: أيّ مكر (أو غباء) تاريخي عجيب، مكّن الماركسيّة من تهيئة الظّروف (والمفردات) المناسبة لذلك؟».
ولئن تشارك طلّاب اليسار استياء فوكو العميق والمفهوم، إلّا أنّ بعض المذكّرات وكتبًا أخرى تشير إلى أنّ الحكومة، بوساطة الطلّاب المنتسبين إلى الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي الدّستوري) وبمساعدة رجال عاطلين عن العمل، هم الذين أثاروا الفوضى في ظلّ تغاضي الشّرطة عن ذلك. كما شكّك البعض ممّن شاركوا في المظاهرة وأجريتُ معهم مقابلات، في دقّة رواية فوكو. وفي هذا السّياق، تذكر سيمون العثماني للّوش، العضو المعروفة في حركة الاحتجاج وهي يهوديّة، أنّها قامت بنقل بعض أعضاء «آفاق» إلى موقع المظاهرة عندما رأت أحمد العثماني، النّاشط الطلّابي الذي سيصبح لاحقًا زوجها. وآخرين يلوّحون بأيديهم وينادونها من الجانب الآخر من الشّارع طالبين منها الابتعاد، خشية أن تتورّط في ما اشتبهوا أنّه سيكون اعتداءات على اليهود، قبل أن يشكّلوا طوقًا لحماية المواطنين اليهود. وقد أشار إبراهيم رزق الله، أحد المنتسبين الأوائل لحركة آفاق، إلى أنّ فوكو، الذي لم يلتق به أساسًا لأنّه كان يدرس في كلّية الطبّ حينها بينما كان فوكو يدرّس في كليّة الآداب والعلوم، قد تقبّل ببساطة تفسير الحكومة للحدث، والحال أنّه كان واضحًا أنّ الحكومة كانت تسعى خلال سنوات الاضطراب إلى تشويه سمعة اليسار، وكشف أنّ محطّة تلفزيونيّة إيطاليّة قد عرضت صورًا تدعم رواية الطلّاب للحدث.
لكن المفاجئ ليس هو السّرعة التي انتقد بها فوكو الطلّاب، بل أيضًا نظرته غير النقديّة للحكومة، والحال أنّ الدّولة في عهد بورقيبة وكذلك خليفته، كانت دولة أمنيّة تمتلك جهاز مراقبة هائل (كان فوكو على دراية به)، ولا يُمكن أن تكون غافلة عن تخطيط طلّاب اليسار للقيام بمظاهرة.
وما يزال حدث 5 من يونيو 1967 قضيّة ملحّة للتونسيّين ولغزًا أمام الباحثين. ومع أنّ دانيال ديفير لم يكن على علم برسالة فوكو، ولم يشارك في إعداد إريبون لسيرة فوكو التي تظهر فيها الرّسالة، إلّا أنّه يكرّر التّفسير الذي قدّمه لـ«التّقتيل» في كتاب أقوال وكتابات بأنّ الحزب الدّستوري على الأرجح هو من دبّرها، رغبة منه في اعتقال الطلّاب اليساريّين وكذلك لإعطاء الولايات المتّحدة ضمانات بأنّ تونس لن تُشارك في حرب يونيو إلى جانب مصر. ويذكر ديفير رسالة تلقّاها من فوكو يقول فيها: «كان الجنود يتبخترون في شوارع تونس طوال ثلاثة أيّام في إشارة إلى أنّهم مستعدّون للحرب، لكنّهم لن يذهبوا». ومن وجهة نظره، لا بدّ أن فوكو قد كتب الرّسالة على عَجَلٍ تحت وقع صدمة الأخبار التي سمعها للتوّ. لكن بعد عودة ديفير من رحلة إلى إسرائيل أثناء حرب يونيو، قدّم له فوكو رواية مختلفة وأكثر دقّة للحدث، انحنى فيها باللّوم بوضوح على حزب الدّستور، الحريص على اختلاق ذريعة لتشويه سمعة اليساريّين واعتقالهم. أمّا بالنّسبة إلى سيمون عثماني للّوش، فقد كان للحدث صداه الخاصّ، حيث تمّ، في خضمّ القمع، تشويه سمعتها من قبل الحكومة باعتبارها عميلة للصهيونيّة. وتتذكّر زمنًا عارضت فيه هي وزملاؤها المناضلون بشدّة أولئك الذين سعوا إلى إلغاء ندوة دعا إليها مؤرّخ مشهور في جامعة تونس، بمشاركة باحث إسرائيلي. بل إنّ عضوًا سابقًا في الحزب الشّيوعي التّونسي، وهو جيلبار النقّاش، ادّعى أنّه غادر تونس نحو فرنسا نتيجة حدث 5 من يونيو. وعندما أُبلغ رزق الله بالأمر، ردّ على النقّاش بأنّ القمع الشّديد الذي أعقب مظاهرة 5 من يونيو 1967 كان على الأرجح وراء مغادرته تونس، وليس الحدث في حدّ ذاته، إذ غادرها أيضا عدد من غير اليهود، من بينهم رزق الله نفسه، ومهما كانت الحال، فإنّ الشّهود يختلفون أيضًا مع فوكو في أنّ الماركسيّة زوّدتهم بـ«مفردات» معادية للساميّة.
ولا تكمن أهمّية رسالة فوكو إلى كانغيليم في عدم دقّة محتواها، بل في ما تكشفه عن الإطار التّفسيري لفوكو. فهي تُشير إلى إصرار فوكو، كما هو الحال مع الثّورة الإيرانيّة، على ربط الأحداث غير العادّية بفشل الفكر الماركسي. كما أنّها تُشير إلى لحظة تداخلت فيها آراء فوكو السياسيّة الشخصيّة مع تحليله الدّقيق عادةً للسّلطة. فبخلاف غضبه المبرّر، فإنّ الانقلاب المطلق في تفسير فوكو حدثًا شائكًا، يُغيّب تمامًا وقطعيًّا، تعقّد الاختلاف الثّقافي الذي لم يدركه فوكو. وبصدور الرّسالة بعد نشر الكلمات والأشياء، فإنّه يصعب التّوفيق بينها وبين مقاربته النقديّة للإناسة. فإذا لم نفترض أنّ البشر فاعلون بأفكارهم وأفعالهم، فكيف يمكن إذن وصف سلوك الطلّاب باستخدام صيغة عامّة؟ فالسّلوك المزعوم للطلّاب، وفق ما ورد في الرّسالة، لم يكن سوى نتاج إرادة واعية تقضي بتطبيق الفكر الماركسي من أجل التّعبير عن إرادة في الإقصاء.

القمع البورقيبي
اتّسم قمع الدّولة بعد 5 من يونيو 1967 بالسّرعة: فقد اعتُقل القيادي الطلّابي محمّد بن جنّات وحُكم عليه بالسّجن عشرين عامًا مع الأشغال الشاقّة. وسيصبح ابن جنّات محور نداءات دوليّة لإطلاق سراحه وإدانة لأساليب بورقيبة القمعيّة. وتُعتبر إدانة ابن جنّات، الطّالب في جامعة الزّيتونة (وهي مركز عريق ومرموق للتّعليم الإسلامي)، والنّاشط أيضًا ضمن حركة «آفاق»، حدثًا مهمًّا في الحركة الطلابيّة. وقد تشكّلت لجنة للمطالبة بالإفراج عنه ضمّت طلّابًا من جميع التوجّهات السياسيّة، جعلت من قضيّته رمزًا للتعسّف القضائي. وقد كان ابن جنّات ضحيّة سهلة: فهو لم يُستهدف فقط لارتباطه بجامعة الزّيتونة، بل لأنّ إعاقته الجسديّة (العَرَج) سهّل بشكل خاصّ التعرّف عليه، ومن ثمّة اعتقاله. كما شهدت البلاد مظاهرات أخرى في يناير/ كانون الثاني 1968 احتجاجًا على زيارة نائب الرّئيس الأمريكي هوبرت همفري (Hubert Humphrey). وفي الوقت نفسه، نظّمت »لجنة التّضامن مع الشّعب الفيتنامي» التي ضمت أعضاء من حركة آفاق، احتجاجات ضدّ زائر دولة آخر، هو تران فان دو (Tran Van Do)، وزير خارجيّة فيتنام الجنوبيّة.
ولم تقتصر المظاهرات الاحتجاجيّة على زيارة كلّ من هوبرت همفري وتران فان، على أشخاص من حركة آفاق، بل شملت أيضًا آخرين من الحزب الشّيوعي التّونسي (المحظور منذ 1963)، وكذلك طلّابا ذوي توجّهات بعثيّة. وقد شكّلت قضيّة فيتنام، التي كان بعض أعضاء حركة آفاق يشعرون تجاهها بالامتنان لموقفها الدّاعم لاستقلال تونس، وكذلك القضيّة الفلسطينيّة، رمزيْن لغرابة دولة لا تتوافق مع مزاج الحركة الطلابيّة العالميّة المناهضة للإمبرياليّة في ذلك الوقت، حتى بدت السّياسة الخارجيّة للحكومة التونسيّة متعارضة مع مشاعر الشّعب في عصر التحرّر من الاستعمار، وذلك بعد ستّ سنوات فحسب من إنشاء حركة عدم الانحياز، وعقد من إعلان بادنونغ الأفرو-آسيوي المناهض للاستعمار والذي التزم بالتّعاون بين دول العالم الثّالث. فقد كان بورقيبة منزعجًا من التوجّه السّياسي المناهض للإمبرياليّة والتوجّه القومي العربي لجمال عبد النّاصر ودوره القيادي في العالم العربي.
أعقبت احتجاجات يناير مظاهرات وإضرابات أكبر وأوسع نطاقًا (امتدّت إلى المدارس الثانويّة والابتدائيّة) في مارس 68، للمطالبة بالإفراج عن محمّد بن جنّات وإجراء إصلاحات في النّظام السّياسي نحو مزيد من الديمقراطيّة وحماية حقوق الإنسان. وبهذا المعنى، كانت تحرّكات مارس 68 في تونس مقدّمة لحركة مايو 68 في فرنسا.

وشهدت البلاد اعتقالات جماعيّة للطلّاب، وتعرّض بعضهم لأشكال مختلفة من التّعذيب. وكانت الأحكام قاسية بشكل خاصّ (وصلت إلى عشرين عامًا) وصدرت عن محكمة خاصّة حرمت المتّهمين من الإجراءات القانونيّة الواجبة. وقد تراوحت التّهم الموجّهة إلى الطلّاب من التّخريب، وصولًا إلى التّآمر بمساعدة أطراف أجنبيّة، والإساءة إلى رئيس دولة. وكان من بين المعتقلين والمعذّبين والمحكوم عليهم أحمد بن عثمان، الملقب بالردّاوي (الذي سيُبدل لقبه لاحقًا إلى »العثماني»)، وهو عضو قيادي في حركة آفاق وأحد طلّاب فوكو. ولا شكّ في أنّ الحكم الثّقيل (12 عاما) على ابن عثمان كان حاضرًا في ذهن فوكو عندما ذكر لمحاوره دوشيو ترومبادوري (Duccio Trombadori) أنّه لا يمكن مقارنة الطلّاب الفرنسيّين الواقفين وراء المتاريس في باريس عام 1968 بالطلّاب التونسيّين الذين خاطروا بقضاء خمسة عشر عامًا في السّجن من أجل مشاركتهم في الاحتجاجات (رغم أنّ ابن جنّات كان قد حُكم عليه بالسّجن عشرين عاما).
وأثناء حركة مارس 1968، جرت تبادلات بين الطلّاب والنّاشطين التونسيّين والفرنسيّين، حيث تنقّل عدد من التونسيّين، وكثير منهم كانوا يدرسون في فرنسا أثناء تأسيس حركة آفاق، ذهابًا وإيابًا بين البلدين. كما ساعد دانيال ديفير على تهريب الرّسائل بينهم، مخبّئًا إيّاها أحيانًا في جواربه ( ). وعلاوة على ذلك، قام آلان جيزمار (Alain Geismar)، الذي أصبح قائدًا لحركة مايو 68، برحلة إلى تونس بناءً على طلب جمعيّة المعلّمين الفرنسيّين في تونس، لتقديم الدّعم للطلّاب المضربين. ومع أنّ السّفير الفرنسي كان حذّر مواطنيه من التورّط في الأحداث، إلّا أنّ فوكو قد تورّط فيها تورطًا خاصًّا. فقد شعر في الواقع بأنّ »كوني فرنسيًّا، يحميني بشكل من الأشكال من السّلطات المحليّة. ومن ثمّ، تمكّنتُ بسهولة من القيام بسلسلة من الإجراءات، وفي الوقت نفسه، قياس ردود فعل الدّولة الفرنسيّة بدقّة قبل القيام بذلك». ومن الجدير بالذّكر هنا، أنّه عند استرجاعه للأحداث، وبينما كان يجيب عن أسئلة المحاورين، تجنّب بتواضع وصف ما قدّمه من مساعدة للطلّاب التونسيّين. ومع ذلك، فقد واجه نظريًّا خطر الاعتقال والتّعذيب، مثلما حدث لمواطنه الخبير الزّراعي جون بول شابير (Jean-Paul Chabert)، أو الطّرد من البلاد كما حدث للباحث في الأدب الإنجليزي جان غاتينيو (Jean Gattégno)، أو عالم النّفس النّياسي جورج لاباساد (Georges Lapassade)، من بين آخرين. فقد سمح فوكو للطلّاب بكتابة المنشورات ونسخها في منزله في سيدي بوسعيد؛ وأخفى بعضها في حديقته؛ ونقل بعض الطلّاب اليساريّين مختبئين في الصّندوق الخلفي لسيّارته( )؛ ووفّر لأحمد بن عثمان ملجأ عندما كانت الشرطة تبحث عنه. كما تعرّض فوكو أيضًا لضرب مبرّح من قبل مهاجمين مجهولين، ربّما كانوا من رجال الشّرطة، خلال ما يُحتمل أن يكون كمينًا مدبّرًا: فقد كان يُقلّ شريكًا جنسيًّا تونسيًّا إلى منزله بناءً على طلبه عندما توقّف بسبب زحام حركة المرور، وحينها جاء أشخاص سحبوه من سيّارته وضربوه بشدّة. بل إنّ ديفير يزعم أنّ فوكو قد تعرّض حينها بالفعل إلى »التّعذيب». وفي اليوم الموالي، استدعى وزير الثّقافة فوكو إلى مكتبه للحديث دون أيّ تعليق بخصوص الكدمات المتورّمة الظّاهرة على وجهه، مشيرا بالفعل إلى أنّ الهجوم كان تحذيرا. وكان هذا حدثا صادمًا في حياة فوكو، غير أنّه لم يكن يرغب في إعلانه.
ومع ذلك، وعلى الرّغم من هذا الاعتداء، فإنّ شهرة فوكو بصفته فيلسوفًا فرنسيًّا معروفا وفّرت له بعض حماية من القسوة التي عاملت بها حكومة بورقيبة جميع المشتبه بهم أو المدانين بدعم الطلّاب التونسيّين. بل حدث في إحدى المرّات، ربّما في ليلة رأس سنة من السّنوات، أن تلقّى فوكو صندوقا من التّمر هديّة من بورقيبة، وشارك أكله مع الطلّاب وهو يُمازحهم بأنّهم يأكلون تمر بورقيبة.

وفي سبتمبر 68، عندما بدأت محاكمة الطلّاب، قدّم فوكو مساهمة ماليّة لصندوق الدّفاع وحاول الإدلاء بشهادته في محاكمة أحمد بن عثمان، دون جدوى. كما لم يتمكّن من تأمين تدخّل السّفير الفرنسي. وما إن شعر فوكو بأنّه تحت المراقبة وغير مرحّب به، حتّى غادر نحو فرنسا في أكتوبر 1968 لتولّي منصب في جامعة نانتير، دون أن يقضي المدّة الكاملة لإجازته التي استمرّت ثلاث سنوات. ولم يعد إلى تونس إلّا في عام 1971 لإلقاء محاضرة حول »الجنون والحضارة».

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...