أزمة الذهن العربي وشروط النهضة

15 يونيو 2026

محمد عادل زكي. باحث مصري

لا يمكن للذهن العربي تجديد إنتاج نهضته إلا بوعيٍ ناقدٍ لأسباب سقوطه التاريخي، ابتداء من رضوخه للمركزية الأوروبية. وهو ما يستتبع الوعي بمكونات تلك المركزية، وهي تتبدى في أربعة عناصر لا يمكن الفصل بينها:

(1) رؤيةٌ أحادية تؤرخ لتطور العالم ابتداء من تاريخ تطور أوروبا، بما يتضمن ذلك من اتخاذ أوروبا الغربية، تاريخا وواقعا، حقلا للتحليل.

(2) إعادة تصدير هذا التأريخ وذاك التحليل إلى العالم بأسره، بحيث لا تصبح أوروبا مقياس التطور نفسه فحسب، بل تمسي كذلك مقياس التقدم والتحضر.

(3) إهدار، بل نفي، كل المساهمات التي قدمتها الحضارات الأخرى للتراث المشترك للإنسانية، والتي سطت عليها أوروبا فعلا ونسبتها إلى نفسها. وفي أفضل الأحوال يتم التعامل معها بوصفها ماضيا بائدا لم يدرك الحضارة التي جاء بها الرجل الأوروبي.

(4) اعتناق الأجزاء المغلوبة (المستعمَرة/ التابعة/ المتخلفة) لتصور الأوروبي المنتصر (المستعمِر/ المتبوع/ المتقدم) للعالم وللتاريخ، وهذا هو البعد النفسي في المركزية الأوروبية.

المشكلة أن الأجزاء (المستعمَرة/ التابعة/ المتخلفة) من العالم المعاصر صدقت المركزية الأوروبية واتبعت خطاها، فأضاعت خصوصيتها الاجتماعية وأهدرت الفرص المدهشة لاستلهام الحياة من تاريخها الضائع. والأخطر أنها ساهمت بفاعلية، مع غرب أوروبا، في تشويه العلم الاجتماعي وتصفيته من محتواه الحضاري. فلم يعد العلم الاجتماعي تراكما حضاريا، ولم يعد بناء ساهمت في تشييده الإنسانية عبر حركة التاريخ الملحمية العظيمة، بل عُد نتاجا أوروبيا خالصا وصار لها ملكا كاملا. ولم يدخر المفكر الأوروبي وسعا في سبيل تأكيد ذلك وترسيخه، كما لم ندخر نحن، بوصفنا أجزاء متخلفة، وسعا في سبيل تأكيد ما أراد المفكر الأوروبي تأكيده.

إن أزمة الذهن العربي لا تكمن في تبعيته لأفكار ونظريات الذهن الغربي فحسب، بل كذلك في تبعيته للطريقة التي ينتج بمقتضاها الذهن الغربي أفكاره ونظرياته؛ فالذهن العربي، بعد أن كف عن الخلق، حينما ينتقد المركزية الأوروبية، يتبع منهج الذهن الغربي نفسه، الذي يهدف إلى اكتشافٍ أوروبي للأجزاء الأخرى من العالم المعاصر؛ بقصد إعادة تكوين الوعي الأوروبي بهذا العالم الذي صار من الضروري إعادة اكتشافه بعد أن تم نهبه.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...