أزمة التدين لا أزمة الدين: قراءة مقاصدية في اختلال العلاقة بين العبادة والأخلاق الحسنة

16 يونيو 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
من أعظم المفارقات التي يعيشها العالم الإسلامي المعاصر أن مظاهر التدين فيه تتوسع بصورة غير مسبوقة، بينما تتراجع في المقابل كثير من القيم التي يفترض أن تكون الثمرة الطبيعية لهذا التدين. فالمساجد تتكاثر، والدروس والمحاضرات الدينية لا تكاد تنقطع، والقنوات والمنصات الإسلامية تملأ الفضاء الإعلامي، والجامعات والكليات الشرعية والمعاهد الدينية تنتشر في مختلف البلدان، كما يتزايد عدد الحجاج والمعتمرين عامًا بعد عام، ويؤدي ملايين المسلمين الصلوات ويصومون شهر رمضان ويحرصون على أداء الشعائر التعبدية المختلفة. ومع ذلك، فإن واقع المجتمعات الإسلامية يكشف عن استمرار أزمات عميقة في مجالات الصدق والأمانة والنزاهة والعدل واحترام القانون وإتقان العمل وحفظ الحقوق العامة والخاصة .

هذه المفارقة تدفعنا إلى طرح سؤال فلسفي ومقاصدي بالغ الأهمية: لماذا لم يتحول هذا الزخم الديني الهائل إلى قوة أخلاقية وحضارية قادرة على إصلاح الإنسان والمجتمع؟ ولماذا أصبح هناك اتساع في دائرة التدين الشكلي يقابله انكماش في دائرة التدين القيمي؟

إن الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه كثير من التصورات الدينية المعاصرة يتمثل في الخلط بين الوسائل والغايات. فالشعائر في المنظور القرآني ليست غايات قائمة بذاتها، وإنما وسائل لتزكية الإنسان وبناء أخلاقه وتحرير ضميره. فالصلاة لم تُشرع لمجرد أداء حركات القيام والسجود والركوع، وإنما لأنها “تنهى عن الفحشاء والمنكر”. والصيام لم يُفرض لتحقيق الجوع والعطش، وإنما لتحقيق التقوى. والحج لم يُقصد به مجرد الانتقال إلى الأماكن المقدسة والوقوف بعرفات والطواف بالكعبة المشرفة..، بل ليشهد الناس منافع لهم ويتعلموا الانضباط والمساواة والتجرد من الأنانية. وعندما تتحول الوسيلة إلى غاية، تفقد الشعيرة وظيفتها التربوية، ويصبح التدين مجرد طقس اجتماعي أو عادة ثقافية لا تترك أثرًا عميقًا في السلوك.

لقد ركز الخطاب الديني في كثير من الأحيان على تعليم الناس كيف يؤدون الشعائر، أكثر من تركيزه على بيان الغايات الأخلاقية والحضارية الكامنة وراء تلك الشعائر. فأصبح المسلم يعرف تفاصيل الوضوء والصلاة والصيام والحج، لكنه قد لا يدرك العلاقة العضوية بين هذه العبادات وبين الصدق في المعاملة، والوفاء بالعهد، واحترام النظام، وإتقان العمل، وحفظ المال العام، والرحمة بالناس، وبر الوالدين ، واحترام الجار والسعي على الأرملة والمسكين.

ومن هنا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الانفصال بين التدين والأخلاق”. فليس نادرًا أن نجد شخصًا يواظب على الصلاة، لكنه لا يتردد في الكذب أو الغش أو الظلم. وليس مستغربًا أن يؤدي آخر الحج أو العمرة مرات عديدة، لكنه لا يتورع في أكل أموال اليتامى وعن الاعتداء على حقوق الآخرين أو استغلال النفوذ، أو أكل المال الحرام. وهذه الظاهرة لا تكشف عن فشل الدين، وإنما تكشف عن فشل في فهم الدين وتنزيله وتحويله إلى مشروع أخلاقي وحضاري .

وإذا انتقلنا إلى المؤسسات الدينية والتعليمية، فإننا نجد مفارقة مشابهة. فعدد الجامعات الإسلامية والكليات الشرعية ومراكز الدراسات الدينية في ازدياد مستمر، غير أن هذا التوسع الكمي لم يواكبه دائمًا تطور نوعي في صناعة الإنسان. ذلك أن كثيرًا من هذه المؤسسات انشغلت بإنتاج المعرفة النظرية أكثر من انشغالها ببناء الشخصية الأخلاقية. فأصبح بإمكان الطالب أن يتخرج وهو يمتلك رصيدًا كبيرًا من المعلومات، لكنه يفتقر إلى المهارات الأخلاقية والاجتماعية التي تمكنه من تحويل العلم إلى سلوك وأخلاق حسنة .

إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة معرفة، وإنما أزمة تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة مجتمعية. فكم من الناس يعلمون أن الصدق فضيلة، ولكنهم لا يمارسونه. وكم من الناس يحفظون النصوص التي تحرم الظلم، لكنهم يشاركون فيه بصورة أو بأخرى. وهذا يدل على أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في غياب التربية التي تجعل المعرفة جزءًا من الضمير الإنساني.

ومن منظور فلسفي أعمق، يمكن القول إن جزءًا من الأزمة يعود إلى هيمنة العقلية الشكلية على التدين المعاصر. فالكثير من الناس يقيسون نجاحهم الديني بعدد الشعائر التي يؤدونها، لا بمقدار التحول الأخلاقي الذي تحدثه تلك الشعائر في حياتهم. ولذلك أصبح التدين في بعض البيئات أقرب إلى تراكم للرموز والمظاهر منه إلى بناء للقيم والفضائل. وتحولت بعض النقاشات الدينية إلى جدل طويل حول الجزئيات والتفاصيل، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدل والحرية والكرامة والرحمة والمسؤولية الاجتماعية.

والقرآن الكريم يلفت النظر إلى هذه الإشكالية حين يربط بين العبادة والأثر الأخلاقي. فالعبادات ليست مجرد تكاليف تعبدية، بل أدوات لصناعة الإنسان الصالح. ولذلك فإن معيار نجاحها لا يقاس فقط بأدائها، وإنما بآثارها. فالصلاة الناجحة هي التي تُهذب السلوك، والصيام الناجح هو الذي يضبط الشهوات، والحج الناجح هو الذي يعيد بناء شخصية الإنسان على أساس التقوى والتواضع والانضباط.

ومن هنا فإن المقاربة المقاصدية تقدم مفتاحًا مهمًا لفهم هذه الأزمة. فالمقاصد الشرعية الكبرى تدور حول حفظ الدين والنفس والعقل والمال والكرامة الإنسانية وتحقيق العدل والمصلحة العامة. وإذا تحولت الشعائر إلى طقوس منفصلة عن هذه المقاصد، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من فاعليتها الاجتماعية والحضارية. والمطلوب ليس التقليل من شأن الشعائر، بل إعادة ربطها بمقاصدها الأصلية التي شرعت من أجلها.

كما أن الخطاب الديني يحتاج إلى مراجعة جادة في أولوياته. فبدل الاقتصار على الحديث عن صحة العبادات وشروطها وأركانها، ينبغي أن يركز أيضًا على أخلاق العمل، وأمانة المسؤولية، واحترام القانون، وحفظ البيئة، والالتزام بالوقت، ومكافحة الفساد، وخدمة المجتمع، واحترام الطفولة، والمرأة الأرملة والمطلقة، فهذه القيم ليست قضايا ثانوية، بل هي جزء من جوهر الرسالة الإسلامية.

إن الأمم لا تنهض بكثرة المؤسسات وحدها، ولا بكثرة الخطب والمحاضرات، ولا حتى بكثرة الشعائر إذا فقدت روحها ومقاصدها. وإنما تنهض عندما يتحول الدين إلى قوة أخلاقية تنتج إنسانًا صادقًا وعادلًا وأمينًا ومسؤولًا. وحينئذ فقط تصبح المساجد مصانع للفضيلة، والجامعات منارات للإصلاح، والشعائر وسائل لبناء الحضارة.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه المسلمين اليوم ليس بناء المزيد من المساجد أو إنشاء المزيد من الجامعات الدينية، فهذه كلها وسائل مطلوبة ومحمودة، وإنما التحدي الحقيقي هو إعادة اكتشاف الوظيفة المقاصدية للدين؛ أي تحويل التدين من مجرد ممارسة شعائرية إلى مشروع أخلاقي وحضاري شامل. فحين تستعيد الشعائر روحها، ويستعيد العلم رسالته التربوية، وتستعيد المؤسسات الدينية دورها في صناعة الإنسان، عندها فقط يمكن أن تنعكس كثرة التدين على الواقع في صورة عدل ورحمة وأمانة وصدق وعمران.

وهذا هو المعيار الذي ينبغي أن نقيس به نجاح أي مشروع ديني أو تعليمي: ليس عدد المساجد ولا عدد الخطباء ولا عدد الحجاج ولا عدد الشهادات، ولا عدد حفظة القرآن، بل مقدار ما ينتجه ذلك كله من إنسان صالح، ومجتمع متماسك، وحضور أخلاقي يشهد للدين قبل أن يتحدث عنه أصحابه. فالدين الذي لا يتحول إلى أخلاق في الواقع يبقى ناقص الأثر، مهما كثرت مظاهره واتسعت مؤسساته.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...