في طريق العرفان
د محمد غاني
في رحاب التصوف وطريق العرفان، تتجلى الحكمة في أبهى صورها، لتنير دروب السالكين إلى نور الحق. ومن بين كنوز الحكمة التي توارثتها الأجيال، تبرز حكمة بليغة رددها دوما احد كبار اقطاب التصوف بالمغرب : “آ لفقرا زينوا النظرة”. هذه العبارة، التي قد تبدو في ظاهرها دعوة لتجميل المظهر الخارجي، تحمل في طياتها أسرارا عميقة لا يدركها إلا من تدرج في مقامات الإحسان وفتح الله عليه من فتوحات العارفين.
في بداية السير ، قد يفهم من هذه الحكمة فهما سطحيا، بأنها دعوة لتزيين النظرة في طريق القوم، أي في المنهج الصوفي، وفي الصالحين عامة، وذلك بإظهار الأدب وحسن الخلق. ولكن مع التدرج في طريق الحكمة، يتسع الأفق وينكشف الفضاء الأرحب للمعاني، لتصبح هذه الحكمة دعوة إلى ما هو أعمق وأجل.
إن الفقير إلى عفو الله، السالك لطريقه إلى مولاه، ينبغي له أن يعتني دوما بصفاء مرآة قلبه. فالقلب هو محل نظر الحق، وهو المرآة التي ينعكس عليها جمال المنعم وعظيم نعمه. فإذا صفت هذه المرآة، رأى السالك الحقائق كما هي، وشاهد النعم متوالية، وتجلى له جمال الأسماء والصفات الإلهية.
ولا يترك في أي لحظة لأي شائبة من الشوائب أن تضبب هذه المرآة الصافية، سواء كانت وساوس النفس الأمارة بالسوء، أو غفلة عن الذكر، أو تعلقا بالدنيا الفانية.
إن تضبيب مرآة القلب يفسح المجال لوساوس النفس الأمارة بالسوء لتضبب بصر الإيمان، وتغلب جانب الوسواس على يوم السالك، فلا تظهر له إلا عيوب ما هو فيه من لقطات يومه، ويحجب عنه رؤية الجمال والكمال في كل شيء. وهنا تكمن أهمية هذه الحكمة العرفانية: “زينوا النظرة”، أي زينوا باطنكم، زينوا قلوبكم، طهروها من كل ما يشغلها عن مولاها.
وفي هذا السياق، نستحضر حكمة الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله، الذي يعد احد المنارات العرفانية في طريق السالكين: “الخلق ينظرون إلى ظاهرك، والخالق ينظر إلى باطنك، فاحذر أن تزين محل نظر الناس، وتقبح محل نظر الله جل جلاله.”
هذه الحكمة العظيمة تؤكد على أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في باطنه، في صفاء قلبه، وصدق نيته، وإخلاصه لربه. فالناس قد ينخدعون بالمظاهر، وقد يزين الإنسان ظاهره ليحظى بمدحهم وثناءهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصور والأشكال، بل ينظر إلى القلوب والأعمال.
فكم من ظاهر جميل يخفي باطنا مظلما، وكم من ظاهر متواضع يحمل في طياته قلبا منيرا بنور الإيمان والعرفان. هو عين الخسران. فالسعي لإرضاء الخلق على حساب إرضاء الخالق هو طريق الهلاك.
والعارف بالله هو من يدرك هذه الحقيقة، فيجعل همه الأكبر تصفية باطنه، وتزكية نفسه، وتطهير قلبه، ليكون أهلا لنظر الحق سبحانه وتعالى. فهو يعلم أن النظرة الحقيقية هي نظرة الله إلى قلبه، وأن الجمال الحقيقي هو جمال الباطن الذي يرضاه الحق.
كلما عالج المؤمن مسألة النية على الدوام كلما استطاع بيقظة باطنه ان يحفظ نظرته الجميلة للاشياء من التشويش، لذلك جاء في جامع العلوم والحكم لرجب الحنبلي أن سفيان الثوري كان يقول ما عالجت شيئا اشد علي من نيتي وإنها لتتقلب علي.
نظرتك الباطنية، صفاء مرآة قلبك، لتكون على الدوام محلا لنظر الحق، ولتتذوق حلاوة القرب، وتشهد جمال النعم، وتعيش في فضاء عرفاني أرحب، حيث لا تضبيب ولا حجب، بل نور على نور، وجمال يتجلى في كل لمحة من لمحات يومك.
التعليقات