الولاء والبراء في الإسلام: قراءة تصحيحية
ذ.محمد المهدي اقرابش
أكاديمي و عضو منتدى الاسلام بفرنسا.
أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا.
لا شك في أن موضوع الولاء والبراء هو من المواضيع الخطيرة، التي ظلت فيها أفهام وزلت فيها أقدام و طاشت فيها عقول وأحلام منذ قرون كثيرة؛ فتسببت في ظهور تيار خارجي (من الخوارج) سلك العنف النفسي و المادي، و وقع في التكفير والتخريب، واختزل الولاء فيمن وافقه والبراء في كل من خالفه، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين مسالمين !
وإن أول من تضرر من هذه الآفة الخطيرة المسلمون أنفسهم، فقد أزهقت نفوس وانتهكت أعراض، و خربت ممتلكات وهدمت دول ومؤسسات بيد جهلة مغرر بهم ممن أرادوا بهم الأذى والسوء.
ولا يزال بعض الأغرار، بسبب قلة علمهم وحداثة سنهم، فريسة لفكر ضال فَهِمَ مسألة الولاء والبراء على غير معناها الصحيح، بل أوَّلَ النصوص الدينية التي جاءت بها تأويلا جانحا ومتعسفا. وقد وقع للأسف من كان يُحْسَبُ من أهل العلم عن قصد أو عن غير قصد في هذه الآفة الخطيرة.
لهذا وجب على أهل العلم بيانُ الحق للشباب و التلطف بهم، والأخذ بيدهم لإرشادهم. إن هذه المهمة منوطة أصالة بالعلماء والفقهاء المعتدلون، الذين يفقهون النص الديني والواقع وقواعد التنزيل، ومنوطة كذلك بالخبراء القانونيين والاجتماعيين وعلماء النفس، نظرا لتعقيدات هذه الإشكالية من حيث العوامل التي تؤثر فيها.
يعتقد المؤمن جازما أن الولاء يكون لله و لرسوله و للمؤمنين، ويأتي هذا الولاء بالمعنى الايماني، لكونه ميثاقا يقتضي محبة مثبتة تعبديا وزلفى إلى الله تعالى. قال الله تعالى: “والمومنون والمومنات بعضهم اولياء بعض” الآية 71 سورة التوبة.
ويُعَدُّ هذا الولاء ثمرة من ثمرات التوحيد، الذي يدعو إلى طرد الأنانية والتوجه بالقلب الخالص لله تعالى لتحقيق السلام والأمن والأخوة. قال الله تعالى” الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن و هم مهتدون” الآية 82 سورة الأنعام.
أما البراء فهو الكره والنفور من الكفر، ولكن لايلزم من هذا النفور كره الشخص لذاته بسبب خلافه. لأن هذا الأمر لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. و لنا أن نقول بلغتنا المعاصرة : إن الخلاف و النقد يسلطان على الأفكار والاختيارات، لا على الاشخاص وكرامتهم وأمنهم وممتلكاتهم. أما المعادي والمحارب الذي يضر و يؤذي، فكرهه جِبِلِّيٌ طبيعي وديني في الآن نفسه. فالنصوص الدينية التي اغلظت على المناوئين و المحاربين من المشركين و بعض اهل الكتاب قد جاءت في سياق تاريخي خاص، و مؤقت، وظرفي مرتبط بما وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من احتراب وعدوان عليهم. أما في واقعنا المعاصر ، ففي مصطلح الدولة الوطنية والمواطنة القائمة على احترام التعددية والعدالة والمساواة الكاملة أمام القانون غنية وكفاية لتنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات.
ولا تعارض بين هذا المصطلح و النصوص الدينية والفقهية الأصيلة التي تناولت موضوع الولاء والبراء، لأن الأصل في العلاقات هو احترام الآخر والتعايش معه. قال الله تعالى “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون” الآية 9 سورة الممتحنة.
ويكون البراء بصفة عامة من الظالم والمعتدي مسلما كان أو غير مسلم، لأن الظلم بأنواعه بشع لا تقره الشرائع الدينية ولا القوانين الدولية ولا الفطرة الإنسانية السليمة.
أما من أقحم الولاء والبراء في المجال السياسي بمعنى القطيعة السياسية مع دول أخرى فقد أخطأ خطأ واضحا، لأن العلاقات الدولية تدخل في حيز السياسة الشرعية و القانون الدولي و هو بيد رئيس الدولة و مؤسسات دولة الحق والقانون. إن التحالفات والعلاقات الدولية التي يعقدها رئيس الدولة والمؤسسات ليست موكولة لأفراد الناس لعدم توفرهم على حسن النظر السياسي، والمعطيات الضرورية لتحقيق المصلحة العامة.
أما الولاء القلبي الذي يصرفه المسلم مثلا لزوجته الكتابية أو لصهره أوصديقه أو زميله في العمل، فهو حاصل نتيجة لمحبة جبلية و طبيعية ، لقول الله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء” الآية 56 سورة القصص. و الاعتراف بالآخر عموما هو من التعارف والتلاقي الإنساني لقول الله تعالى: “ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” الآية 13 سورة الحجرات.
وقد ورد عن الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه انه قال: “واعلم ان الناس صنفان: اخ لك في الدين ونظير لك في الخلق (الآدمية)”. لقد اتُّخِذَتْ هذه المقولة شعارا في الامم المتحدة، بل استشهد بها أمينها العام كوفي عنان في بعض خطاباته، وهو اعتراف صريح برحمة الاسلام بالبشرية كلها.
إن الخلاف في الدين لايبرر لا القطيعة ولا التصادم بدليل النصوص التي ذكرت سلفا.
وقد حرص الإسلام على صلة الرحم بغض النظر عن الدين، فعن أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما قالت: قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي مشركةٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قلتُ: قدِمتْ عليَّ أمِّي وهي راغبة، أفأَصِلُ أمِّي؟ قال: ((نعم، صِلِي أمَّك))؛ متفق عليه.
وقد كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يصل أرحامه حتى أقاربه من أهل الشرك، فقد أخرج البخاري في “باب صلة الأخ المشرك” عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: رأى عمر حُلَّةً سِيَرَاءَ، أي من حرير فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا أتوك، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: “يا عمر إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَه”، ثم أُهدي النبي صلى الله عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْهَا حُلَّةً، فجاء عُمَرُ رضي الله عنه إلى رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بعثت إليَّ هذه وقد قلت فيها ما قلت؟ قَالَ: “إني لم أُهدها لك لتلبسها، إنما أهديتها إليك لتبيعها أو لتكسوها”، فأهداها عمر لأخ له من أمه مشرك”، وفي رواية: “فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسلم”.
ودعا الإسلام إلى حسن التعامل مع غير المسلمين المسالمين، بل وشرع التعاون معهم في الخير و البر. فلا خلط إذن بين الولاء العقدي والمعاملة الاجتماعية فقد أجرى النبي صلى الله عليه وسلم معاهدات ومعاملات مع أطياف من الناس كما في سيرته العطرة.
وأما المحبة الدينية التي هي من كمالات الإيمان فهي مقررة لصالح المسلم بنص قوله تعالى:”إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة و هم راكعون” الآية 55 سورة المائدة. وطبيعي أن يميل المرء بل كل كائن حي إلى من يشابهه ويماثله ويجانسه.
و خلاصة القول، إن الولاء والبراء في الإسلام يقومان على التزام المسلم بمحبته للإيمان؛ وللحق ولو من غير المسلم، ونُفرته من الكفر والظلم أو الباطل ولو كان من مسلم!
وتلقانون من الناحية العملية، كفيل بتنظيم العلاقات وحفظ الحقوق والواجبات، ومحاربة التمييز والكراهية؛ وهو مُلْزِمٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجهله أو مخالفته. وإنفاذ القانون حاكم وزاجر لمن أبى وخالف رغم النصح والإرشاد.
وختاما نقول: إن من تمام الفضل والخيرِ الإحسانُ إلى الناس كافة. فإن لم يحسن المرء
إلى الناس فلا يسُؤْهُمْ و يُؤْذِهِمْ.
قال الله تعالى “وقولوا للناس حسنا” الآية 83 سورة البقرة.
والله أعلم.
التعليقات