المصاحف القرآنية المخطوطة في البرازيل..رحلة النص القرآني عبر المحيط الأطلسي

بقلم: الشيخ الصادق العثماني – البرازيل
تُعد المخطوطات القرآنية من أهم المصادر التاريخية التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة انتشار الإسلام وحركة المسلمين عبر القارات والأزمنة، فهي ليست مجرد نصوص دينية، بل وثائق حضارية تعكس مسارات التواصل الثقافي والعلمي بين الشعوب. وفي السياق البرازيلي تكتسب هذه المخطوطات أهمية خاصة، لارتباطها بالنقاش التاريخي حول الوجود الإسلامي المبكر في القارة الأمريكية قبل الرحلات الأوروبية التي ارتبطت باسم كريستوفر كولومبوس.
لقد أشار عدد من المؤرخين والجغرافيين المسلمين إلى وجود رحلات بحرية عبر المحيط الأطلسي قبل القرن الخامس عشر الميلادي، ومن أشهر هذه الروايات ما أورده أبو الحسن المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر عن رحلة البحار الأندلسي خشخاش بن سعيد القرطبي الذي أبحر في بحر الظلمات وعاد محملاً بالغنائم والثروات(1). كما تحدث الشريف الإدريسي عن رحلات بحرية قام بها مغامرون أندلسيون نحو الغرب عبر المحيط الأطلسي(2)، وأشار أحمد بن فضل الله العمري إلى وجود أراضٍ مأهولة تقع وراء بحر الظلمات(3). وتدعم بعض الدراسات الحديثة هذه الفرضيات بالإشارة إلى التطور الكبير الذي بلغته الملاحة العربية والإسلامية خلال العصور الوسطى، وإلى الدور الذي لعبته المعارف البحرية الإسلامية في تطوير الملاحة الأوروبية لاحقاً(4).
وفي هذا الإطار تبرز المخطوطات القرآنية الموجودة في البرازيل باعتبارها من أهم الشواهد المادية التي يمكن أن تسهم في دراسة الحضور الإسلامي في العالم الجديد. وتكتسب هذه المخطوطات قيمتها من كونها وثائق أصلية قابلة للفحص العلمي والتحليل التاريخي والخطي، الأمر الذي يمنحها مكانة متميزة بين مصادر دراسة الإسلام في الأمريكتين.
وقد ارتبط وجود هذه المخطوطات أساساً بتاريخ المسلمين الأفارقة الذين نُقلوا إلى البرازيل خلال حقبة الرق، خصوصاً من مناطق غرب إفريقيا التي كانت تعرف انتشاراً واسعاً للتعليم الإسلامي واللغة العربية(5). وتشير الدراسات إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء المسلمين كانوا متعلمين ويحفظون القرآن الكريم برواية ورش المعتمدة في المملكة المغربية وشمال افريقيا عموما ، بل كان بينهم علماء وفقهاء ومدرسون حافظوا على هويتهم الدينية رغم ظروف الاستعباد القاسية(6).
وتحتل ولاية باهيا مكانة مركزية في هذا التاريخ، إذ كانت من أبرز مراكز استقرار المسلمين الأفارقة في البرازيل. وقد ارتبط اسمها بثورة ماليه (Malês) الشهيرة سنة 1835م، وهي واحدة من أهم الثورات التي قادها المسلمون الأفارقة ضد نظام الرق(7). وخلفت هذه المرحلة مجموعة مهمة من الوثائق والمخطوطات العربية التي لا تزال محفوظة في الأرشيفات والمتاحف البرازيلية، وتشكل مادة أساسية لدراسة التاريخ الإسلامي في البلاد(8).
وتفيد المصادر التاريخية بأن بعض هذه المخطوطات تضم نصوصاً قرآنية كاملة أو أجزاء من القرآن الكريم، إلى جانب أدعية وأوراد دينية وكتابات فقهية وتعليمية باللغة العربية(9). كما تظهر بعض الوثائق استعمال الحرف العربي في كتابة لغات إفريقية محلية، وهو ما يعكس استمرار التقاليد التعليمية الإسلامية التي حملها المسلمون الأفارقة معهم إلى البرازيل(10).
ومن الجوانب التي تستحق اهتماماً خاصاً ما أشار إليه عدد من الباحثين من وجود مصاحف ومخطوطات قرآنية كتبت بالخط المغربي وبرواية ورش عن نافع، وهي الرواية التي عُرفت تاريخياً في المغرب والأندلس وبلدان غرب إفريقيا(11). وتكتسب هذه الملاحظة أهمية كبيرة لأنها تبرز الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت بين المغرب وإفريقيا الغربية والبرازيل عبر المحيط الأطلسي، كما تعكس استمرار التأثير المغربي والأندلسي في التراث الإسلامي الذي انتقل إلى أمريكا اللاتينية .
كما تؤكد الدراسات المتخصصة في تاريخ الإسلام الإفريقي أن المسلمين المستعبدين لم يفقدوا ارتباطهم بالثقافة الإسلامية، بل أسسوا شبكات تعليمية غير رسمية حافظت على تعليم القرآن الكريم واللغة العربية ونقل المعرفة الدينية بين الأجيال(12). ولذلك فإن المخطوطات القرآنية الموجودة في البرازيل لا تمثل مجرد آثار مادية، بل تعكس أيضاً تاريخ المقاومة الثقافية والدينية التي خاضها المسلمون للحفاظ على هويتهم.
ومن الناحية العلمية، تمثل هذه المخطوطات مادة مهمة لدراسة تاريخ الخط العربي وانتشاره خارج العالم الإسلامي التقليدي. فدراسة الأحبار وأنواع الورق وأساليب النسخ والزخرفة يمكن أن تساعد الباحثين على تحديد أصول هذه المخطوطات ومسارات انتقالها بين القارات(13). كما يمكن أن تسهم في فهم شبكات التواصل الثقافي التي ربطت بين شمال إفريقيا وغربها وبين العالم الجديد خلال القرون الماضية.
ويؤكد عدد من الباحثين البرازيليين، وعلى رأسهم جيلبرتو فريري، أن التأثير العربي والإسلامي كان حاضراً في تكوين المجتمع البرازيلي منذ بداياته، سواء من خلال الإرث الأندلسي الذي حمله البرتغاليون معهم أو من خلال الحضور المباشر للمسلمين الأفارقة(14). وقد انعكس هذا التأثير في بعض عناصر العمارة والعادات الاجتماعية والمفردات اللغوية والموروث الثقافي الذي ما يزال قائماً إلى اليوم.
وتحفظ مؤسسات ثقافية برازيلية مهمة، مثل المكتبة الوطنية في ريو دي جانيرو وأرشيف ولاية باهيا، مجموعات من الوثائق العربية والإسلامية التي تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر(15). وتمثل هذه المجموعات جزءاً من التراث الثقافي البرازيلي، كما تفتح آفاقاً واسعة أمام الباحثين لإعادة دراسة تاريخ الإسلام في أمريكا اللاتينية بعيداً عن التصورات التقليدية السائدة.
وختاما، فإن المخطوطات القرآنية في البرازيل تمثل أحد أهم الشواهد التاريخية على الحضور الإسلامي في هذا البلد، سواء ارتبط ذلك بمسارات الهجرة والتجارة القديمة أو بتاريخ المسلمين الأفارقة خلال فترة الرق. كما تشكل هذه المخطوطات جسراً ثقافياً يربط بين العالم العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتؤكد أن تاريخ البرازيل أكثر تنوعاً وثراءً مما تصوره كثير من الروايات التاريخية التقليدية (16) . ومن ثم فإن العناية بهذا التراث المخطوط، وجمعه وفهرسته وتحقيقه ودراسته دراسة علمية دقيقة، تظل من المهام الأساسية لفهم جانب مهم من التاريخ الثقافي والديني للبرازيل وللعلاقات التاريخية بين ضفتي المحيط الأطلسي.
———————-
الهوامش والمراجع:
(1) المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج1، ص 263-264.
(2) الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج1، ص 37-42.
(3) العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ج1، ص 152-155.
(4) Panikkar, Asia and Western Dominance, pp. 25-30.
(5) Fuat Sezgin, Geschichte des Arabischen Schrifttums, Vol. XII.
(6) Sylviane A. Diouf, Servants of Allah, pp. 89-130.
(7) João José Reis, Slave Rebellion in Brazil, pp. 45-98.
(8) João José Reis, “The Malê Revolt and the Muslim Presence in Bahia”.
(9) Pierre Verger, Flux et reflux de la traite des nègres, pp. 312-340.
(10) Alberto da Costa e Silva, A Manilha e o Libambo, pp. 411-425.
(11) Gilberto Freyre, Novo Mundo nos Trópicos, pp. 85-96.
(12) Lovejoy, Transformations in Slavery, pp. 267-280.
(13) Hunwick & Powell, The African Diaspora in the Mediterranean Lands of Islam, pp. 191-213.
(14) Gilberto Freyre, Casa-Grande & Senzala.
(15) Biblioteca Nacional do Brasil; Arquivo Público do Estado da Bahia.
(16) الشيخ الصادق العثماني، المسلمون بأمريكا اللاتينية..العودة الى الجذور




التعليقات