الإخوان بين ادعاء الديمقراطية والسعي للتمكين

22 يونيو 2026

بقلم: ذ. أحمد حميدة

من المفاهيم المركزية في منهج الإخوان ما يسمى بمشروع “التمكين”، والذي من خلاله تسعى الجماعة لبسط نفوذها، وإحكام سيطرتها على مفاصل الدولة والمجتمع، ومن ثم الشروع في تنفيذ مشروعها الأممي الذي يتخطى حدود الوطن، فهذا “التمكين” يمثل لهم غاية الغايات، ومن أجله تخوض الجماعة صراعاتها العديدة مع الأنظمة الحاكمة، بهدف إسقاطها، ومن ثم التمكن من الدولة وإعادة تشكيلها وفق رؤيتها الخاصة.
ومن ضمن ما عبر به البنا عن الرغبة في قيادة العالم قوله: “إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينتظر دعوتكم، دعوة الهداية والفوز والسلام، لتخلصه مما هو فيه من آلام، وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون، فاستعدوا واعملوا، فقد تعجزون عن العمل غدا”.

ففي حين أن الديمقراطية، التي هي شكل من أشكال الحكم، يتشارك فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين، فإن جوهر الديمقراطية هو التداول السلمي للسلطة، وتُعتبر تلك السلطة السياسية التي جاءت عبر هذا التداول، والمعبرة عن كل مكونات الشعب، بمثابة إدارة عليا لمؤسسات وسياسات البلاد، تُحقق أهداف الشعب الذي انتخبها لأجلها، دون أن تُصبغ هذه الإدارة بصبغة حزبية أو أيديولوجية تعبر عن طائفة أو جماعة أو حزب، يجعلها في خدمة هذا الفصيل أو ذاك، ويتم إقصاء الآخرين.

• التمكين الذي يهدف إليه الإخوان
وضع البنا خطة عمل تكون نتيجتها التمكين للجماعة، وحصد الثمار، وتبدأ الخطة بتربية الفرد المسلم تربية إخوانية، وحمل أهل بيته على احترام فكرته، ومن ثم التحرك بها داخل المجتمع، ساعيا إلى كسب الرأي العام إلى جانب فكرته الإخوانية، وصبغ الحياة العامة بها، مرورا بتشكيل الحكومة التي تعبر عن تلك الفكرة، وتحمل الناس على اعتناقها أيضا، وصولا إلى أستاذية العالم.
وفي هذا السياق، ذكر الدكتور رفيق حبيب، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة المنحل، في مقال بموقع “إخوان أونلاين” عن خطوات الوصول إلى التمكين لمنهج الجماعة، أولا بأن يؤمن الفرد برؤية الجماعة، وسيقوم بتطبيق هذه الرؤية في حياته، وبالتالي إذا آمنت الأسرة بهذه الرؤية، فسوف يكون التأسيس على مبادئ تلك الرؤية، وفي النهاية إذا حدث انتشار للرؤية بين الناس، فأصبحت تمثل أساسا لحياة الفرد والأسر والجماعات، يصبح من الممكن، بل من المتاح، أن تتحول الفكرة إلى التطبيق في المجالات العامة للحياة، وتصبح مؤسسة للنظام العام والنظام السياسي، وبهذا تصبح أساسا لتأسيس الحكومات.

وفي كتابه “فقه النصر والتمكين” لمحمد علي الصلابي، أحد مفكري الجماعة الليبي الجنسية، ذكر أن التمكين لدين الله في الأرض يمر بمراحل أربع لا بد منها، وهي:
المرحلة الأولى، مرحلة التعريف: التي تهدف إلى تعريف الناس بالإسلام، وحملهم على الالتزام بتعاليمه، وتكوين قاعدة عريضة من المدعوين، واستغلال الوسائل المتاحة من إعلام بأنواعه المقروء والمرئي والمسموع، ومن خلال التأليف للكتب والروايات والقصص، وتوظيف كل تلك الوسائل للتعريف بدعوة الإسلام.

المرحلة الثانية، مرحلة الاختيار: أي انتقاء العناصر التي تحمل الدعوة، وإعدادهم تربويا وسياسيا وثقافيا وبدنيا، والأخذ بكل أسباب القوة، وانتظار ذلك اليوم الذي سيجاهدون فيه في سبيل الله، ويقاتلون أعداءه، ويسعون إلى إزالة الحواجز التي تمنع الناس من الدخول في دين الله، وتحول بين تطبيق شريعته.

المرحلة الثالثة، مرحلة المغالبة: التي وصفها بأنها مرحلة المؤمنين الذين أعدوا للعمل الإسلامي ما يحتاج إليه من حكمة وقوة، وأنها أيضا مرحلة المجاهدين في سبيل الله لتكون كلمته هي العليا، وتهدف تلك المرحلة إلى انتزاع الحكم من أيدي كل سلطة لا تحكم بشرع الله، ووضع لها عدة وسائل، منها: اختيار النماذج القادرة على سد ثغرات العمل الإسلامي في مجالات الإدارة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والإعلام، لتكون قادرة على إدارة شؤون البلاد حال الوصول إلى السلطة.
وذكر أيضا أن طبيعة مرحلة المغالبة تتسم بأنها “مرحلة الجهاد المتواصل، والصبر على البلاء، والإصرار على مواصلة السعي في الطريق حتى تتحقق إحدى الحسنيين: النصر والتمكين لدين الله في الأرض، أو الحصول على الشهادة”، وهو ما يعني أن العمل المسلح حاضر وبقوة في الذهنية الإخوانية حال الاضطرار إليه.

ثم تتوج تلك المراحل بـ”التمكين”، وهي ذروة العمل الإسلامي المنظم، وهي الثمرة الناضجة، وتتحقق تلك المرحلة بالوصول إلى الحكم وقيام الدولة الإسلامية المنشودة.

من تلك القاعدة “التمكين”، ينطلق الإخوان لممارسة العمل السياسي مدفوعين بتلك الرغبة للتمكين لمنهج الجماعة، لا للدين كما يدّعون؛ في خلط واضح بين التنظيم والدين، واعتبار كل خطاب موجه إلى الأمة الإسلامية هو موجه بالأساس إلى الجماعة، لأنها لم تعتبر نفسها يوما حزبا سياسيا ينافس على السلطة من خلال قنواتها الشرعية، لكنها جماعة ذات مشروع يروم الهيمنة على العالم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...