إصدار.. العاصفة القادمة: القوة، الصراع، وتحذيرات من التاريخ

17 أبريل 2026

علي البلوي

كتاب “العاصفة القادمة: القوة، الصراع، وتحذيرات من التاريخ” ألفه المؤرخ أود أرني ويستاد

The Coming Storm: Power, Conflict, and Warnings from History

تأتي هذه النظرة التي تقشعر لها الأبدان إلى التهديد الذي يلوح في الأفق بنشوب حرب القوى العظمى القادمة، والتدخلات العاجلة الضرورية لتجنبها في القرن الحادي والعشرين.

إن الغالبية العظمى من الناس الأحياء اليوم قد نشأوا في عالم يتمتع باستقرار ملحوظ، أشرفت عليه إما قوة عظمى واحدة أو قوتان عظيمتان، وهذا لا يعني أن العالم كان ينعم بالسلام، بل كان إلى حد كبير عالماً يمكن التنبؤ به، ولكن مع تزايد عدد القوى العظمى التي تتنافس على السيادة الإقليمية، فضلاً عن الميزة التنافسية في التكنولوجيا النووية والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء والتجارة، أصبح عالمنا أكثر هشاشة وعدم استقرار وقابلية للانفجار، حيث بات اندلاع حرب عالمية بين القوى العظمى اليوم أمراً مرجحاً بشكل متزايد.

ومثل هذه الحرب كما يجادل أود أرني ويستاد بقوة في هذا الكتاب الملحّ ستكون ذات حجم ودمار لم يسبق لهما مثيل من قبل.

ولفهم التهديدات التي تواجهنا في هذه التضاريس المعقدة الجديدة، يجب أن ننظر إلى دروس الماضي وخاصة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهو الوقت الذي تصادمت فيه القوى العظمى وسعت للهيمنة الإقليمية وحين كانت القومية والشعبوية في تصاعد وشعر الكثيرون بأن العولمة قد خذلتهم، وهو الوقت الذي زادت فيه التعريفات الجمركية وكانت الهجرة والإرهاب من بين أكبر قضايا العصر حيث ألقى عدد متزايد من الناس باللوم على مواطني الدول الأخرى في مشاكلهم، إنه زمن يحمل أوجه تشابه مخيفة مع واقعنا الحالي.

حيث يوضح ويستاد أن أنماط الانهيار التاريخية تتبع دورات يمكن رصدها، مثل فخ ثوسيديديس الذي يصف التوتر الهيكلي عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة قائمة، وهو ما أدى تاريخياً إلى الحرب في معظم الحالات، ليس بسبب القضايا الكبرى بل بسبب أزمات ثانوية تجر الأطراف للمواجهة.

كما يشير ويستاد إلى حلقة الخلاف الداخلي أو ما يعرف بالديناميكا التاريخية، حيث تسقط القوى العظمى من الداخل بسبب الإفراط في إنتاج النخبة الذي يؤدي لتآكل الدولة، واتساع فجوة الإفقار التي تخلق بيئة متقلبة للثورات، بالإضافة إلى فخ الجمود المؤسسي حيث تفشل المؤسسات في التكيف مع التحولات التقنية والمناخية الجديدة وتكتفي بحل مشاكل الماضي مما يؤدي لكسرها في النهاية.

محذراً من أن الذكاء الاصطناعي وعسكرة الفضاء يعجلان من وتيرة الانفجار ويقللان من فرص الدبلوماسية، مما يجعل الحرب القادمة خطراً وجودياً يطال العصب الحيوي للحضارة، وهو ما يستوجب تدخلات دبلوماسية عاجلة وإعادة بناء المؤسسات الدولية لاستيعاب القوى الصاعدة قبل أن يتحول التنافس إلى صدام حتمي لا يبقي ولا يذر.

وفي مراجعة نقدية لهذا العمل الحائز على تقييم مرتفع يُنظر إلى هذا الكتاب الصادر عن مؤرخ يال “أود أرني ويستاد” كعمل فاشن وفكري رصين جاء في توقيته تماماً، حيث يحلل كيف ابتعد العالم في القرن الحادي والعشرين عن هيمنة القوة العظمى الواحدة أو حتى النظام ثنائي القطب، متجهاً نحو نظام غير مستقر بشكل متزايد من القوى الإقليمية المتنافسة التي يختبر كل منها حدود النفوذ والسيطرة.

فبينما كانت السياسة العالمية في معظم العصر الحديث يمكن التنبؤ بها نسبياً، يجادل ويستاد بأن هذه القدرة على التنبؤ تتآكل الآن، عاقداً مقارنات مقنعة مع الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، ليشير إلى أن العالم يدخل مرحلة تسعى فيها القوى الإقليمية إلى تعزيز نفوذها في مجالاتها والتحضير للمواجهة، مما أدى إلى مشهد عالمي يتسم بالتوتر الاستراتيجي بدلاً من الاستقرار.

ويستند تحليل ويستاد إلى معرفة تاريخية عميقة وقراءة حادة للجيوسياسة المعاصرة، حيث يربط الماضي بالحاضر ببراعة مبيناً كيف تعود الأنماط القديمة لبناء التحالفات والمنافسة وسوء التقدير للظهور بأشكال جديدة، خاصة مع تغير دور الولايات المتحدة وتصاعد دور الصين وروسيا ولاعبين آخرين لملء الفراغ، مما يترك في ذهن المتلقي قلقاً متزايداً من تكرار انهيار التحالفات كما حدث قبل عام 1914.

وما يميز هذا الكتاب هو أنه لا يعرض التاريخ لأجل التاريخ فقط، بل يستخدم الماضي كعدسة لفهم الحاضر والمستقبل دون اللجوء إلى التهويل، مقدماً سردية أكاديمية متينة وجذابة في آن واحد توضح أن العالم يدخل فترة من اللايقين العميق مع وجود الأسلحة النووية والحرب السيبرانية والحدود المتغيرة، مما يجعل البقاء على هامش المشاهدة خياراً غير متاح، ويوفر السياق الضروري لكل من يحاول فهم القوى التي تشكل عالمنا المضطرب بشكل متزايد، وهو ما يجعل هذا العمل توصية أساسية لكل المهتمين بالتاريخ والعلاقات الدولية والشؤون العالمية، تقديراً لجهد ويستاد في تقديم قطعة كتابية مثيرة ومثقِفة في آن واحد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...