مقاربة مغايرة للفتح الإسلامي في ليبيا: من وحي تأملات في “درس زويلة”

22 مايو 2026

د. أسامة بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

طرابلس

نشر الأستاذ منصور بوشناف قبل أيام مقالة عنونها بــ “درس زويلة” – ضمن سلسلة مقالاته في بوابة الوسط – استعرض فيها تجربة ليبية عريقة كنموذج من نماذج بناء الدولة، فذكرني بسياق آخر في التاريخ الليبي يتعلق بأهمية إعادة قراءة الروايات المتصلة بالفتح الإسلامي للمناطق الليبية، سياق عانيت فيه الكثير خلال إعدادي لأطروحة الدكتوراه، عندما تعرضت في بعض مباحثها لنقد الدراسات الحديثة والمصادر التراثية القديمة في قراءتها لتفاصيل الفتح الإسلامي، ومن بينها منطقة زويلة، فأوحى إليّ الأستاذ بوشناف أن أختصر بعض الملاحظات التي سجلتها في ذلك الوقت، عساها أن تفيد في فتح آفاق جديدة لفهم تجربة زويلة وغيرها من مدن الجنوب.

مما سجلته وقتها أن الكثير من مؤرخي الفتح الإسلامي لليبيا، ومن جاء بعضهم من الليبيين وأبرزهم أستاذنا الشيخ الطاهر الزاوي في “تاريخ الفتح العربي في ليبيا”، درجوا على تقسيم فتح المناطق إلى قسمين: ما فُتح صلحا كبرقة وزويلة، وما فُتح عنوة كودان وجرمة، وهو تصنيف ينهار أمام أول قراءة متعمقة للنصوص نفسها، فهي تصف اتفاق الفاتحين مع أهل زويلة على دفع 360 رأسا من الرقيق بأنه “ليس بجزية ولا خراج”، مما يشعرنا بأنه ليس اتفاق لخضوع عسكري بقدر ما هو اتفاق يحمل في طياته اعترافا بشراكة اقتصادية أو تعاقد على مورد محدد، وحيرة المصادر في وصف هذا الاتفاق في أنه ليس جزية ولا خراج سببها فيما يبدو أنه لم يكن معمما، فمثلا اتفاق الفاتحين مع أهل برقة كان على أن يدفعوا 13 ألف دينار فرعوني.

ولعل هذا الاختلاف يسجل أول ملاحظة في أن الفاتحين كانوا على وعي باختلاف أنماط الاقتصاد في كل منطقة، اقتصاد نقدي في برقة لاتصالها بمصر ونقودها الفرعونية، واقتصاد قائم على المقايضة في زويلة.

ومما يسجل أيضا، ما تتوفر عليه الروايات من أنماط حكم سياسية في مناطق الفتح، فلم تذكر أن الفاتح عقبة بن نافع تعامل مع “ملوك” في برقة عند فتحها ربما لتبعيتها لمصر، لكنها ذكرت “ملوك” في زويلة وودان وجرمة عندما مر عليها عقبة، ما يعني وجود أنماط حكم مستقلة فيها، وبشكل عام تمكننا هذه الإشارات من رسم خريطة جيوسياسية للمنطقة أكثر أهمية من الثنائية التقليدية: مناطق الصلح والعنوة، لانكشاف أن الوسط والجنوب كان بهما كيانات مستقلة لها أنظمتها الحاكمة.

ومما يثير الانتباه في روايات الفتح الإسلامي، هو حجم الجيش الفاتح الذي كان برفقة عقبة بن نافع عند مسيره إلى مناطق إلى الجنوب بقوام أربعمائة فارس فقط، وهو حجم لا يمكن قبول أنه كان كافيا لفرض السيطرة على مناطق شاسعة وفيها أنظمة سياسية ذات “ملوك” واقتصاد قائم على نقاط الاتصال بالعمق الافريقي، فلا بد أن لتجارة العبور هذه قدرة عسكرية على حمايتها، لكن روايات الفتح الإسلامي لم تذكر معركة واحدة خاضها عقبة ضد ملوك تلك المناطق، فكيف لأربعمائة فارس أن يخضعوا ممالك كاملة دون قتال؟! مما يقودنا إلى قراءة أخرى، وهي أن عقبة وقوته لم تكن جيشا للغزو بقدر ما كانت وفدا للتفاوض الدبلوماسي رفقة قوة رمزية، فما تذكره المصادر من اتفاق عقبة مع سكان ودان وجرمة وكاوار يشير إلى أنه تم بالتراضي، بدليل أن ابن عبد الحكم يقول إن أهل جرمة هم من دلوا عقبة على المناطق التالية عندما سألهم: هل من أحد ورائكم؟. ويسجل المؤرخ الكبير الأستاذ محمود بوصوة، في أحد دراساته، ملاحظة مهمة في السياق، وهي أن عقبة لم يترك عمالا أو ولاة على تلك المناطق، ما يشعرنا بأنه أبقى ملوكها على حكمهم، في مؤشر آخر يفضي الى أن حركة الفتح في تلك المناطق كانت بطابع التعاقد والاتفاقات مع ملوكها، وهذا كله يفضي الى أن الأمر كان شراكة على أي مستوى من المستويات مع دولة صاعدة جديدة كان يمثلها عقبة، ولم يكن غزوا حربيا كما يتصور.

صحيح أن هذه القراءة ما تزال على مستوى القراءة السياسية، لكنها قراءة تتجاوز نمط التأريخ السياسي لكتب التاريخ التقليدي، دول وملوك وحروب وغيرها، وخلالها هناك الكثير مما يمكن اثارته في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي داخل تلك الروايات بتوسع أنماط الاقتصاد المجلي، كما أسلفنا في ارتباط زويلة بالجنوب واقتصادها القائم على تجارة العبور وأنماط المقايضة، وطبيعة الاقتصاد في برقة القائم على الدينار الفرعوني. وربما في الأثناء يمكننا اثارة مسألة الرقيق وحاجة الفاتحين لكل هذا العدد الكبير (360 رأس رقيق سنويا) من كل منطقة في الجنوب، من زويلة وودان وجرمة، أفلا يوحي هذا بالحاجة الى اليد العاملة للبناء والاعمار في برقة، خاصة وأن كتب الجغرافيا التاريخية حدثنا عن الكثير من المدن في العهد الإسلامي المبكر، مثل أسقب وسمالوس وبست وتاجونس، لا سيما أن عقبة بقي واليا على برقة 18 سنة، وعلى الأقل بقاؤه ومعه الجيش الفاتح كل هذه المدة يحتاج إلى مساجد وأسواق وقصور ومرافق عامة.

عموما، فالكثير من الدراسات أشارت الى أن الفتح الإسلامي لم يكن ما كان حملة عسكرية مجردة بقدر ما كانت مشروعا حضاريا واسع، وربما يمكنني أن أضيف في هذا الجانب مسألة تتعلق بدور غاية في الأهمية طُمست معالمه، يتصل بالفاتحين كقوة تعليمية ودعوية، فحين نقرأ أن سكان جرمة وودان أسلموا وفرضت عليهم الزكاة – وليس الجزية – نكون أمام أسئلة ملحة، مجملها: من علّمهم أركان الإسلام؟ كيف عرفوا أحكام الصلاة والزكاة والصوم؟ حتى فُرضت عليهم الزكاة، فمجرد اعلان الإسلام بنطق الشهادتين ليس كافيا لبناء مجتمع مسلم يؤدي فرائضه، والاستنتاج المنطقي أن الفاتحين كانوا يقومون بدور – ربما لم تذكره كتب التاريخ الأولى لأنه كان أساسيا بالطبع – تعليمي دعوي، ويمكن الاستشهاد في هذا برسالة سيدنا عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص بأن يأخذ الصدقة من الأغنياء فيردوها في الفقراء، مما يستلزم وجود وعي بفقه الزكاة ومؤسسات لجمعها وتوزيعها، كما أن إقامة الصلاة تستلزم بناء المساجد وتعيين أئمة ومؤذنين، وهي عمليات حضارية كبرى صمتت عنها الدراسات التاريخية الحديثة.

وخلاصة القول، إن هذه القراءة المغايرة للصورة النمطية تسهم بصورة كبيرة في الكشف عن تاريخ البلاد، وتساعد على فهم تعاطي سكانها مع التحولات الجديدة، باعتبارهم مجتمع تفاعل مع الوافد الجديد وعلى صلة ومعرفة به، لا باعتبارهم طرفا خاضعا أو مُكرها، كما تفيد في أن الفاتحين ما كنوا غزاة وإنما حملة مشروع حضاري ودعوي.
أشكر الأستاذ بوشناف فقد كان سببا في كتابة هذه المقاربة، وأيضا لن أوفي الأستاذ الكبير محمود بوصوة حقه فهو الذي فتح لنا في كتبه آفاق التفكير المبدع في قراءة تاريخنا من الداخل، لا كما دوّنته كثير من كتب التاريخ من الخارج.
أما شيخي وأستاذي، العالم العلامة والمؤرخ الكبير سيدي أحمد القطعاني، فأكرر قولي مجددا بأنه رائد الدراسات التاريخية الليبية، بما أعاده من اعتبار لتاريخ ليبيا الإسلامي بمنهج علمي أصيل ورؤية حضارية عميقة، ومن يطالع موسوعته الكبرى “موسوعة القطعاني: الإسلام والمسلمون في ليبيا منذ الفتح الإسلامي وحتى سنة 2000” يدرك حجم الوعي المبكر الذي امتلكه بأهمية التأريخ للفترة الإسلامية الباكرة بقراءة مغايرة، من خلال منهج التراجم للنفاذ من خلال شخصيات الصحابة الفاتحين لفهم مستويات أعمق في قراءة المجتمع وتعاطيهم مهم، دون اختزال المرحلة في بعدها الحربي، وهو وعي تجلى مبكرًا في كتابه الرائد “الإهابة بمن دفن في البلاد الليبية من الصحابة” الذي يُعد من الأعمال المؤسسة في هذا الباب، بما حمله من قراءة علمية موثقة تربط تاريخ ليبيا الإسلامي بسياقه الحضاري والإنساني الأوسع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...