قراءة في كتاب “العقيدة وعلم الكلام في الغرب الإسلامي” للدكتور البوعزاوي
أحمد المهداوي
يشكل كتاب “العقيدة وعلم الكلام في الغرب الإسلامي: تفاعل المفاهيم وأوجه التكامل” للدكتور المصطفى البوعزاوي، أستاذ التعليم العالي بجامعة السلطان مولاي سليمان-المغرب، عملا علمياً مركزياً في حقل الدراسات العقدية والكلامية لما ينطوي عليه من محاولة منهجية لإعادة بناء صورة الفكر العقدي في المجال المغاربي ضمن أفق تركيبي يربط بين البُعد التاريخي والبُعد المعرفي، ويقوم هذا العمل كما يفصح عنوانه وبنيته العامة على نقد ضمني للقراءات التي اختزلت علم الكلام في بُعده الجدلي أو ربطته حصرياً بالصراعات المذهبية متجاهلة وظيفته الحضارية في بناء أنساق الفهم الديني وضبط العلاقة بين العقل والنقل.
وينطلق الكتاب من مسلمة مفادها أن الغرب الإسلامي لم يكن فضاءً هامشياً في تشكّل الفكر العقدي بل كان مجالا منتجاً ومؤثراً ساهم في بلورة نموذج خاص في التعامل مع القضايا العقدية الكبرى، نموذج اتسم بالاعتدال والتوازن والحرص على وحدة الجماعة ولمّة الصفوف موحدة، ومن هذا المنطلق فإن دراسة العقيدة وعلم الكلام في هذا السياق لا يمكن أن تنفصل عن دراسة البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية التي احتضنتهما.
ويبرز الكتاب منذ صفحاته الأولى أهمية التحديد المفاهيمي لعلم الكلام بوصفه مدخلا ضرورياً لفهم سياق نشأته وتطوره التاريخي ووظيفته المعرفية، إذ يبدأ الدكتور مصطفى البوعزاوي بالمحور الأول: علم الكلام بالغرب الإسلامي: تعريفه وموضوعه ورتبته وحكمه كمدخل مفاهيمي نظري يتغيا تأصيل علم الكلام من حيث تعريفه اللغوي والاصطلاحي، وبيان موضوعه ووظيفته المعرفية حيث يذكر تعريفين رئيسيين:
أولهما: تعريف صاحب التعريفات: “هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه”.
ثانياً: تعريف الراغب: “إدراك الشيء بحقيقته”، ويوضح أن إدراك الشيء بحقيقته ينقسم إلى ضربين:
– إدراك ذات الشيء.
– الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه.
ثم يصنف العلم إلى نوعين:
– نظري: “ما إذا علم فقد كمل نحو العلم بموجودات العالم”.
– عملي: “وهو ما لا يتم إلا بأن يعلم، كالعلم بالعبادات”.
أما الكلام عند المتكلمين فيعرف بأنه “علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام”.
ويخلص الدكتور المصطفى البوعزاوي إلى أن المركب الإضافي “علم الكلام” هو العلم بذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد وفق الأدلة النقلية والعقلية.
ويشير إلى أن علم الكلام هو من العلوم المحدثة في الدين، مستشهداً بقول ابن خلدون، ويذكر أن سبب ظهوره يرجع إلى ظهور بعض الفرق المثيرة للشبهات في الدين، وقد استحدث هذا العلم كما استحدثت غيره من العلوم الأخرى في الملة.
ويختتم هذا الجزء من الكتاب بتناول العوامل التي أدت إلى نشأة علم الكلام وتطوره، وأنه مع كينونة الرسول كمرجع للصحابة في كل المسائل التي تطرأ عليهم، لم تكن ثمة حاجة لظهور هذا التقسيم والتجزيء، ولكن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم اختلفت الآراء، وكثرة الفتوى، وظهرت الفتن مما أدى إلى الحاجة إلى “أرباب الاستدلال” لأجل استنباط الأحكام، وبذل الجهد في تحقيق عقائد الإسلام، وقد سمي الأول باسم الفقه، والثاني بالفقه الأكبر ثم أصبح علم الكلام بعد أن خصوا العمليات باسم الفقه، وخصوا الاعتقادات باسم التوحيد، وبعلم الكلام لأن أشهر الاختلافات كانت تتعلق بمسألة كلام الله تعالى أهو قديم أو حادث، وهذا البحث “يورث القدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفات.
وإن تعدد التعريفات التي تناولت علم الكلام، حسب الدكتور البوعزاوي، راجع إلى اختلاف وتباين المدارس الكلامية والأصول المعتمدة في بناء علم الكلام. فالفارابي يصف علم الكلام/صناعة الكلام بأنه: “ملكة يقتدر بها على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل”؛ ويقسم هذه الصناعة إلى جزء يتعلق بالآراء وآخر بالأفعال، ويرى أن الفقيه المتكلم يجمع بين القدرة على الاستنباط والنصرة.
ولا يقتصر علم الكلام على كونه علماً للدفاع عن العقائد بل يتسع ليشمل كونه نمطاً من التفكير المنظم يسعى إلى عقلة الإيمان دون تحويله إلى مجرد بناء فلسفي مجرد، وهذا التحديد يسمح بفهم أعمق للإشكالات التي أثيرت حوله خاصة تلك المتعلقة بمكانته ومشروعيته وحدود اشتغاله.
وفي هذا الصدد يسوق الدكتور البوعزاوي مجموعة من الأقوال التي تناولت بيان منزلة علم الكلام ورتبته بين العلوم الإسلامية، وأن هذه المنزلة والرتبة إنما هي بيان وتفسير أهمية هذا العلم وضرورته وخطورته خاصة وأنه يرتبط بالعقيدة؛ حيث ذهب بعض علماء الغرب الإسلامي إلى اعتبار علم التوحيد/الكلام أشرف العلوم ذلك أنه يبحث في ذات المعبود وصفاته، وأن شرف العلم بشرف المعلوم، كما ذكر التفتازاني في كتابه الإشارة، وسائر العلوم متوقفة على ما يقرره علم الكلام من مسائل عقدية، وهو ما قرره الغزالي أيضاً حيث اعتبر علم الكلام أصل العلوم ومنه تنبثق وتتفرع بقية العلوم الشرعية الأخرى.
أما عن حكم الاشتغال بعلم الكلام فيخصص الدكتور البوعزاوي حيزاً واسعاً لمناقشة مسألة الاشتغال بهذا العلم، وهي مسألة أثارت جدلا طويلا في التراث الإسلامي، وتضاربت حولها آراء العلماء بين مجيز ورافض لهذا الاشتغال؛ وبين موقف من قال بوجوب الخوض في علم الكلام، بحصره في خاصة الخاصة في مقابل إلجام العوام عن الخوض فيه، بوصفه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله تعالى، وبين قائل بأنه بدعة وحرام على اعتبار أنه كلام أهل البدع والأهواء، نجد ابن عبد البر ملتمساً للوسطية في موقفه من علم الكلام والجدال مستنداً إلى الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، والتي إنما وردت في النهي عن الجدال والمراء في القرآن.
في المحور الثاني المتعلق بالسياق التاريخي لدخول الأشعرية للغرب الإسلامي يتتبع الدكتور البوعزاوي المسار التاريخي والظروف الفكرية التي رافقت انتقال الفكر الكلامي إلى الغرب الإسلامي، مبرزاً دور الرحلة العلمية والتبادل الثقافي بين المشرق والغرب الإسلامي الأخير الذي لم يكن بمعزل عن التحولات الفكرية في السياق المشرقي، مع حرص علماء هذا الاتجاه على إيصال آرائهم ومذاهبهم لعموم ربوع العالم الإسلامي، غير أن هذا الانتقال لم يكن مجرد استيراد معرفي بحت، ولكنه كان عملية تفاعل معقدة تم فيها انتقاء ما يتناسب مع البيئة المحلية وخصوصياتها، وإعادة صياغته وِفق ما يخدم الاستقرار العقدي والاجتماعي.
ولم يكن اهتمام علماء الغرب الإسلامي بعلم الكلام وليد عصر متأخر بل يرجع في جذوره، حسب أبحاث الدارسين، إلى القرن الرابع الهجري، وهو القرن الذي عرف بدايات دخول المذهب الأشعري إلى المنطقة، حيث ارتبطت البدايات الأولى بالاستمداد من المذهب الأشعري في المشرق، ويبرز الفكر الأشعري في الغرب بوصفه الإطار العقدي الذي استقر عليه التوجه العام، بعد مراحل تطورية بدءً بالرفض التام والتشنيع بمن يتعاطاه، مروراً بالمشاركة في الجدل والمناظرة والرد على المخالفين، انتهاءً إلى القبول به والعمل على نشره نتيجة توافقه مع البنية الفقهية المالكية والنزعة الصوفية السنية، حيث قدمت الأشعرية صيغة وسطى مكّنت من الجمع بين النص والعقل، وبين التسليم الإيماني والبرهان العقلي، وبناءً على ما سبق قام الكتاب بتحليل أسباب انتشار هذا المذهب كما تتبع مراحل ترسخه وتحوله إلى مرجعية رسمية في التعليم الديني.
وعلى تعدد المذاهب العقدية التي تشابكت مع بيئة الغرب الإسلامي حيناً من الدهر، كالخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، غير أن العقيدة الأشعرية احتلت موقعاً محورياً حيث جمعت تحت جناحها كثيراً من العلماء على اختلاف مذاهبهم، فهي العقيدة الوحيدة التي جمعت بين المالكي والشافعي والحنبلي، وهي الجامعة بين الصوفية والفقهاء، وهو ما كان سبباً في انتشارها في المغرب الأقصى، إذ أسهمت “العقيدة الأشعرية رفقة المذهب المالكي والتصوف السني في خلق انسجام مذهبي وعقدي في المغرب جنبه كثيراً من القلاقل والفتن” والتناحرات العقدية التي طبعت مناطق أخرى من العالم الإسلامي.
وقد أبرز الدكتور البوعزاوي مظاهر التلقي والتكييف، محللا الأسس العقدية للأشعرية في الغرب الإسلامي، المغرب والأندلس على وجه التحديد، وكيف تحولت إلى مرجعية عقدية جامعة، مع رصد التفاعل مع التصوف والفقه المالكي، وهنا لا يغفل المؤلف عن دراسة التأثيرات الفلسفية والبرهانية على الفكر الكلامي الأشعري مبرزاً حدود التفاعل مع المنطق والفلسفة بوصفهما أدوات منهجية، لا بوصفهما مصادر بديلة للمعرفة الدينية، وكيف جرى توظيف الأدوات العقلية في الدفاع عن العقائد حيث ساهم هذا التوظيف الحذر في إثراء الخطاب الكلامي دون أن يؤدي إلى قطيعة مع المرجعية النصية.
وفي خضم الحديث عن العقيدة البرهانية للسلالجي تم التطرق إلى مدى تأثيرها على الفكر الأشعري بالمغرب، خاصة في ظل جمود الفكر الشرعي على عهد اللمتونيين، والارتكان إلى التقليد بالانصراف إلى اجترار الآراء الفقهية الجامدة، وإعادة تدوير الأقوال المأثورة عن أتباع مالك، إذ جاءت العقيدة البرهانية كنتاج علمي متولداً من رحم الظروف التناقضية، وقد حظيت بمكانة خاصة في أوساط المغاربة، إذ تكمن قيمتها العلمية في مسايرتها للتوجه العقدي الرسمي للمغاربة مما سرع في ذيوعها وانتشارها، حيث حظيت برضى شعبي واسع بعيدا عن أي تأثير عقدي للسلطة الحاكمة وقتئذ -الدولة الموحدية-، وهذا الاختيار الشعبي، حسب الدكتور البوعزاوي، كان كفيلا للتأكيد على أن تأثير السلالجي في الفكر العقدي المغربي يوازي أو يفوق التأثير الذي مارسته “مرشدة المهدي بن تومرت”، وقد قسم السلالجي برهانيته إلى خمسة أبواب تهتم بالطبيعيات، والإلهيات، والنبوات، وأحكام التكليف، والإمامة كباب يبحث في شروط الإمامة وطريقة ثبوتها وأحكامها.
ويخصص الكتاب المحور الثالث لدراسة أعلام الغرب الإسلامي الأشاعرة محللا مناهجهم في الاستدلال العقدي، ومبرزاً إسهاماتهم في ترسيخ النموذج الوسطي، ويتضح أن هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين بل فاعلين في صياغة خطاب عقدي متوازن يستجيب لتحديات عصره، ويبدأ الدكتور البوعزاوي بابن خمير السبتي، والذي يعد من أبرز المفكرين الأشاعرة الذين انصب اهتمامهم على العقيدة وعلم الكلام، وقد خصص الباب الأول من كتابه “مقدمات المراشد” للحديث عن مشروعية علم الكلام والرد على من منع الخوض فيه من أهل التعصب مصنفاً الطاعنين في مشروعية الاشتغال بهذا العلم إلى ثلاثة أصناف وهم: الزنادقة، وبعض المبتدعة، ثم مقلدو الظاهرية، والذين قسمهم بدورهم إلى ثلاثة أضرب: ضرب أول ينكر أصحابه أصل علم الكلام -الاتجاه السلفي (فقهاء ومحدثين)- متخذين بدعيته في الدين كذريعة، وأنه لم يعرف على زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وضرب ثانٍ يعتقد بصحة ومشروعية هذا العلم ولكن انفعالاته النفسية حالت دون الاعتراف لأهل هذا الفن بقدرتهم لأن بضاعتهم فيه قليلة أو منعدمة. أما الضرب الثالث فهم الذين يتخذون درب التقليد سرباً.
وقد مثلت المقدمة الثالثة والرابعة من كتاب المراشد لابن خمير، وِفق تصور الدكتور البوعزاوي، عمق منهج الاستدلال العقدي عند علماء الغرب الإسلامي كونها تندرج ضمن مبحث الإلهيات وهو جوهر المباحث العقدية، ويقوم منهج الاستدلال على مناهج الاعتقاد عند ابن خمير في مقدمتيه على الاستناد إلى العقل والتأويل في الرد على المشبهة الذين ركنوا إلى ظواهر الصفات من القرآن والسنة. والاستناد إلى الأدلة النقلية مزاوجا بذلك بين النقل والعقل.
وينتقل الكتاب إلى ترجمة الإمام السنوسي مبرزاً القيمة العلمية لكتاب أم البراهين ككتاب معتمد ومرجع مهم من مراجع عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب الأشاعرة، والذي يتناول بشكل مفصل أبواب ومباحث علم العقيدة الإسلامية وأقسامها؛ إذ ينقسم إلى خمسة أقسام بداية بمقدمات، ثم صفات الله، ووجوده، والنبوة، والشهادتان. ويرى السنوسي أن كل ما حكم العقل بنفيه ولم يصح في العقل ثبوته فهو المستحيل، فالمستحيل من هذا المنطلق هو ما لا يتصور في العقل وجوده، والحكم العقلي المستحيل ينقسم بدوره إلى بديهي ونظري.
ينتهي الكتاب في المحور الرابع: تكامل العقيدة والكلام مع العلوم والمعارف الشرعية والإنسانية في الغرب الإسلامي إلى خلاصة تركيبية تؤكد أن التجربة الكلامية في الغرب الإسلامي قامت على مبدأ التكامل المعرفي بين العقيدة والكلام مع العلوم والمعارف الشرعية والإنسانية، وأن هذا التكامل كان عامل استقرار ووحدة أسهم في حماية المجتمع من الانقسامات العقدية الحادة، ذلك أن التكامل المعرفي المنشود في المحور هو كمال القراءة والتطبيق للمعارف والعلوم على خلفية المصدر والهدف الواحد؛ ومعنى ذلك أن مصدر المعرفة في الشريعة الإسلامية واحد، وهو الله.
ويسوق الدكتور البوعزاوي، في هذا الإطار، حزمة من الأمثلة عن تجليات التكامل ومظاهره مبتدئً بتكامل عناصر الكون حيث الخلق متسق لا يُرى فيه من تفاوت. ثم تكامل العالم حيث تتكامل الإمكانات والمواهب البشرية، محيلاً إلى تكامل أعضاء النفس البشرية بكل أجزائها وجزيئاتها، مشيراً إلى تكامل مصادر المعرفة حيث العلوم والمعارف تخضع إلى مصدر وحيد هو الوحي الرباني الذي يشكل الإطار الإبستمولوجي الذي يحكم كل تشكيلاتها المعرفية والمفاهيمية، وعلى هذا الاعتبار تنبني مقصدية الشريعة الإسلامية إذ تتكامل كلياتها الخمس المعروفة لتبني مقومات الحياة، ولن تكون الحياة الإنسانية ذات حضارة متسمة بالديمومة والاستمرارية إذا اختل التعاطي مع أحد هذه المقاصد. ومن أبرز صور التكامل المعرفي -كما جاء في الكتاب- ما يظهر في النظر عند استنباط الأحكام الشرعية إذ تجمع بين فهم الواقع وفهم الواجب من الواقع؛ إذ لا يكتمل النظر واستنباط الحكم الشرعي باستقراء النصوص الشرعية فحسب بل بالتفحص في الواقع.
ولتحقق هذا التكامل المعرفي المنشود لابد من الوقوف على المحددات المنهجية المؤطرة له بدءً من فهم المعيقات، “وقد أرجع بعض الباحثين عوائق التكامل إلى أمرين كبيرين يتعلق أحدهما بالفهم ويتعلق ثانيهما بالتطبيق”، فالأول يتجلى في عدم الإلمام بالمفهوم نفسه أي التكامل المعرفي، ومن المفاهيم التي لها الأثر في قضية هذا الأخير مفهوم العبادة الذي تم اختزاله في شعائر تؤدى في ميقات محدد، وأن ما يدور في فلك العلم والاكتشافات لا يشمله مفهوم العبادة، وهذا فهم مشوه لهذا المفهوم، وتحجير واسع، مع ما يترتب عن ذلك من قصور في فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو ما يُحيل إلى المعيق الثاني لتحقق التكامل المعرفي ألا وهو المتعلق بالتطبيق حيث ترجع أسبابه إلى نظام التعليم المعاصر الذي يعاني من فصل بين العلوم والمعارف الشرعية والعلوم الأخرى مما خلق فجوة داخل المجتمع بخلق تركيبتين متغايرتين؛ إما فريق متعمق ومحيط بالعلوم الشرعية مرتبط بعلومها وفقهها لكن لا صلة له في المقابل بالعلوم الطبيعية أو الإنسانية أو غيرها، وفريق آخر منهمك ومنشغل بالعلوم الطبيعية والإنسانية والتقنية غير أنه لا يفقه في أمور الدين والشريعة إلا ما يفهمه العوام من ارتباط الشريعة بالعبادات.
ومن معيقات تنزيل التكامل المعرفي يذكر الدكتور البوعزاوي قصور الهمم وضعف القدرات، ويرجع ذلك إلى ما يرتبط بمتغيرات العصر الحاضر، وما يتعلق بالإمكانات المادية والقدرات الفردية، وما يتصل بالتنشئة الأولى أي تربية الأسرة وتأثير المحيط العام، ولهذا يقدم المؤلف قراءة لآفاق الوعي بتفاعل المصادر المعرفية حيث يعرج على ثلاث تيارات ينتهي إليها الدارسون عند الحديث حول مصادر المعرفة؛ وهي التيار العقلاني كمدرسة اعتمدت العقل مصدراً للمعرفة في إشارة إلى مقدرة العقل على اكتشاف الحقيقة بنفسه، أما التيار التجريبي فينطلق من مسلمة مفادها أن جميع المعارف مستقاة من الحس والتجربة بعبارة أخرى فإن المعرفة وليدة التجربة الحسية، في حين يتبنى التيار الحدسي أطروحة مفادها أن الحس من أقدم منابع المعرفة الإنسانية على اعتبار أن الحدس في معناه يحيل إلى قدرة الذات على المعرفة والادراك المباشر.
وعلى الجهة المقابلة تقدم الرؤية الإسلامية مصدراً لا تدرجه الأطروحات الغربية في إطار مصادر المعرفة، هذا المصدر يشكل في المخيال الإسلامي المصدر الحق، ونبع الحقيقة المطلقة، إذ المعرفة التي مصدرها الوحي الإلهي معرفة مطلقة.
وفي خضم تشريحه المعمق لأحد الجوانب الحيوية للفكر الإسلامي في منطقة الغرب الإسلامي، وسعياً منه لاستكشاف العلاقة المعقدة وأوجه التكامل المعرفي بين حقلين أساسيين من حقول المعرفة الإسلامية؛ العقيدة وعلم الكلام، يركز الدكتور البوعزاوي على التجربة الفكرية لعلماء الغرب الإسلامي، ويقدم قضايا ونماذج محددة لتوضيح كيفية تحقق التكامل المعرفي في أعمالهم، متناولا نقطة بالغة الأهمية وهي أثر المنطق الأرسطي في مناهج التصنيف في علم العقيدة، حيث أحدث دخول المنطق الأرسطي إلى الفكر الإسلامي تحولات عميقة في طريقة عرض المعارف وتصنيفها، بما في ذلك علم العقيدة، إذ وظف علماء الغرب الإسلامي هذا المنطق في بناء وتصنيف مسائل العقيدة عبر مراحل ابتداءً من مرحلة الترجمة ومحاولة الفهم والاستيعاب، مروراً بمرحلة التعليم والكتابات المستقلة، ومرحلة الإدماج في العلوم الشرعية حيث اشتملت هي الأخرى على ظاهرتين رئيسيتين: أولاهما حضرت مؤلفات ابن سينا بشكل لافت وطاغي على المشهد منذاك نظراً لما تمتع به من مقدرة منقطعة النظير على فهم واستيعاب نصوص أرسطو وشراحه مضيفاً من تفكيره واطلاعه الخاص.
وثانيهما بداية اشتغال علماء الشريعة بالمنطق، ثم تأتي مرحلة التوسع والانتشار ثم الجمود والتقليد، وكان من أبرز شخصيات اللحظة أبو الوليد ابن رشد الحفيد الذي امتاز “بكونه الشارح الأكبر والأدق والأكثر ولاء لنصوص أرسطو المنطقية والفلسفية حتى فاق فيها كل من اشتغل بها ممن كان قبله أمثال الفارابي وابن سينا”، وعند الحديث عن علاقة مناهج التصنيف في علم العقيدة بعلم المنطق لابد من الوقوف على مقامين لعلم الكلام؛ علم الكلام كمسائل وموضوعات، وعلم الكلام كمنهج في المعرفة والبحث.
ويوسع الدكتور البوعزاوي دائرة البحث لتشمل حقولا معرفية أخرى إلى جانب العقيدة وعلم الكلام، كالتفسير وأصول الفقه، وذلك للوقوف على منطق التكامل والتفاعل بين الكلام والتفسير وأصول الفقه عند علماء الغرب الإسلامي، هذا التوسع يشير إلى أن التكامل المعرفي في المنطقة، موضوع الدراسة، لم يكن مقتصراً على حقلين فقط بل امتد ليشمل منظومة أوسع من العلوم الشرعة والعقلية، ودراسة هذا التفاعل بين هذه العلوم الأربعة ستكشف مدى عمق وشمولية النظرة المعرفية لعلماء الغرب الإسلامي، وكيف سعوا إلى بناء فهم متكامل للدين والمعرفة.
ويختتم الدكتور البوعزاوي برصد مدى حضور علماء الغرب الإسلامي في البحث الإسلامي حيث تبرز عنايتهم به على مدار تاريخه، مبرزاً أن هذه العناية جاءت استجابة لحركية النص القرآني وتفاعله مع تحولات المجتمع والتاريخ والواقع السياسي والاجتماعي، وقد نظر علماء الغرب الإسلامي إلى علم الكلام باعتباره حركة علمية رصينة ذات استقلال نسبي عن المشرق الإسلامي، اتسمت بالجدية والمنهجية، وأسهمت في التأليف والتعليم ومناقشة القضايا العقدية بمنهج عقلاني منضبط.
ويؤكد أن الغالب على المدرسة الكلامية في الغرب الإسلامي هو الانتماء إلى المرجعية السنية الأشعرية، مع تركيز واضح على القضايا العلمية المرتبطة بصحة الاعتقاد، وترشيد السلوك، وتصحيح الفهم الديني بدل الجدل النظري المجرد، كما أبرز سعي الأشاعرة إلى كشف خصوصيات القضايا الكلامية والرد على الفرق الأخرى بالحجة والبرهان.
كما يشير الكتاب إلى أن القضايا الكلامية لم تكن معزولة بل متداخلة مع التفسير وأصول الفقه والمنطق في إطار التكامل المعرفي الذي اعتمده علماء الغرب الإسلامي أساساً لترشيد مسار العلوم الإسلامية والإنسانية.
ويخلص الدكتور البوعزاوي إلى جملة من النتائج والتوصيات، أهمها:
– الدعوة إلى إعادة قراءة تراث علماء الغرب الإسلامي في علم الكلام قراءة نقدية تستثمر مناهجه وقضاياه.
– إبراز تميز المدرسة الغربية الإسلامية عن المشرقية، والتنبيه إلى خطأ اتهامها بالتقليد.
– التأكيد على أن تحقيق التكامل المعرفي مسؤولية العلماء والمؤسسات التعليمية ليكون نموذجاً في الجمع بين العقل والنقل، والمادة والروح.
– أن تطور الحياة الإنسانية وتحقيق مصالح الناس لا يتم إلا بتكامل علوم الشريعة وعلم الكون، وأن الاستفادة من العلوم لا تكتمل إلا بهداية الوحي.
إن الدراسة المقدمة من لدن الدكتور المصطفى البوعزاوي في كتابه الموسوم بـالعقيدة وعلم الكلام في الغرب الإسلامي: تفاعل المفاهيم وأوجه التكامل تكشف عن الأبعاد المتعددة لتفاعل المفاهيم وأوجه التكامل في حقل العقيدة وعلم الكلام، مع التركيز بشكل خاص على السياق التاريخي والجغرافي والثقافي للغرب الإسلامي، وتكمن أهمية الكتاب في دعوته الصريحة لإعادة قراءة التراث الكلامي ليس ككيان جامد متكلس من الماضي وإنما كمورد معرفي حيوي قادر على إلهام النقاشات المعاصرة وتقديم حلول للتحديات الفكرية الراهنة، ويسعى الدكتور البوعزاوي من هذا الجهد إلى إبراز كيف يمكن لهذا التراث أن يظل ذا صلة ومؤثراً في فهم العلاقة المعقدة بين الدين والعقل، والثابت والمتغير، وكيف يمكن أن يتفاعل مع السياقات المختلفة دون أن يفقد هويته الأصلية.
وتتمحور الأطروحة المركزية للكتاب حول فكرة أن العقيدة وعلم الكلام في الغرب الإسلامي لم يكونا مجرد حقول معرفية منفصلة بل كانا في حالة تفاعل ديناميكي وتكامل مستمر؛ إذ أن هذا التفاعل، في حد ذاته، لم يكن سطحياً بل كان عميقاً مما أدى إلى تشكيل نسيج فكري فريد في المنطقة، موضوع الدراسة، ويرى الدكتور البوعزاوي أن فهم هذا التفاعل والتكامل ضروري لإعادة تقييم التراث الكلامي بشكل شامل بعيداً عن القراءات التبسيطية أو التجزئة التي قد تحرم هذا التراث من غناه وعمقه. إن هذا المنظور يدعو إلى تجاوز النظر التقليدية التي قد تفصل بين العقيدة كإيمان راسخ وعلم الكلام كمنهج عقلي للدفاع عن هذا الإيمان، ليقدمها كجزء لا يتجزأ من بنية فكرية متكاملة.
يشدد الكتاب على أهمية إعادة قراءة التراث الكلامي، خاصة في سياق الغرب الإسلامي؛ هذا السياق بخصائصه التاريخية والفكرية الفريدة يوفر أرضية خصبة لفهم كيف تطورت الأفكار الكلامية وتكيفت مع البيئة المحلية. إن هذا التراث الكلامي في هذه المنطقة، والذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه امتداد للمدارس المشرقية، يمتلك في الواقع خصوصياته التي تستدعي دراسته دراسة مستقلة ومتأنية كونه رصيداً معرفياً حياً، أو بعبارة أخرى يحمل في طياته إمكانات هائلة لإثراء النقاشات الفكرية المعاصرة في إطار ما يُسمى اليوم بـ”علم الكلام الجديد”، هذه الإمكانات تكمن في قدرته على التعاطي مع الواقع، وتقديم إجابات أو مقاربات جديدة للقضايا التي ما تزال تشغل الفكر الإنساني من قبيل العلاقة بين الوحي والعقل، والحرية والقدر، والعدل الإلهي، فالقدرة على التفكير النقدي والتحليلي التي ينميها علم الكلام تجعله أداة قيمة وفعالة في مواجهة التحديات الفكرية المعقدة في العصر الراهن.
كما يقدم الكتاب قراءة رصينة لمسار علم الكلام الأشعري في الغرب الإسلامي مسلطاً الضوء على ديناميته وقدرته على التفاعل مع مختلف السياقات دون انصهار أو فقدان للهوية، وعلى الرغم من كون المذهب الأشعري تأسس في المشرق، وكان له حضور بارز في الغرب الإسلامي، غير أنه لم يكن في هذا الحيز الجغرافي مجرد نسخة طبق الأصل من نظيره المشرقي بل تطور وتكيف مع الخصوصية المحلية، وأنتج علماء ومفكرين أسهموا في إثرائه وتطويره، خاصة مع اتسام المذهب نفسه بالمرونة والقدرة على التجديد مما مكن من الاستجابة للتحديات الفكرية والاجتماعية في المنطقة، هذا التفاعل عزز الهوية الأشعرية وأكد حضورها كإطار فكري قادر على استيعاب التنوع والتجديد.
سعى الدكتور البوعزاوي في كتابه إلى تسليط الضوء على الأهمية البالغة للنظرة الشمولية والتكاملية هذه النظرة ترفض التجزئة والاختزال، وتدعو إلى مقاربة شاملة تدعو إلى رؤية الفكر الإسلامي ككل متكامل حيث تتفاعل أجزاؤه وتتكامل، مقدماً رؤية متكاملة حول العلاقة بين علم العقيدة وعلم الكلام في الغرب الإسلامي، وذلك من خلال عدسة التكامل المعرفي؛ هذه العدسة لا تكتفي برصد التفاعل ووصفه بل تتجاوز ذلك إلى تحليل آلياته ومنهجياته الدقيقة، وكيف أثرت هذه التفاعلات في تشكيل الفكر الإسلامي في الغرب الإسلامي.
ومن هنا يتناول الكتاب الطرق التي تم بها دمج الأدلة النقلية والعقلية، وكيف تم تطويع المنطق والفلسفة خدمة للعقيدة، وكيف تطورت المدارس الكلامية في الغرب الإسلامي، هذا التحليل يكشف عن ثراء المنهجية الكلامية وقدرتها على استيعاب مختلف أشكال المعرفة، وإن فهم هذه المنهجيات والآليات ضروري لتقدير عمق التراث الكلامي وقدرته على التجديد والابتكار، كما يوضح أن هذه التفاعلات لم تكن مجرد نقاشات نظرية بل كان لها تأثير مباشر على تشكيل الوعي الديني والثقافي في الغرب الإسلامي.
التعليقات