جدلية الغطرسة العسكرية والارتهان الاقتصادي في حروب المضائق
علي البلوي
تتشابك خيوط التاريخ بين مأساة جاليبولي في الحرب العالمية الأولى وبين السيناريوهات الاستراتيجية المعاصرة التي تحيط بجزيرة خرج في الخليج العربي، لتكشف عن نمط متكرر من “الغطرسة الاستراتيجية” التي تقع فيها القوى العظمى حين تستهين بالجغرافيا السياسية وإرادة المدافع عن أرضه.
فكما كشف نيكولاس لامبرت في تحليله لكارثة جاليبولي، لم تكن تلك الحملة مجرد مناورة عسكرية فاشلة، بل كانت استجابة انتحارية لضغوط الاقتصاد العالمي المترنح تحت وطأة توقف تجارة القمح، وهو ما يشبه إلى حد بعيد الأهمية الجيوسياسية لجزيرة خرج، التي تمثل “شريان الحياة” النفطي ومحركاً حيوياً للاقتصاد العالمي، مما يجعل أي تفكير في استهدافها أو السيطرة عليها مغامرة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية قبل العسكرية.
إن إسقاط تجربة جاليبولي على المحاولات أو المخططات الافتراضية للسيطرة على جزيرة مثل “خرج” يظهر بوضوح أن التفوق التكنولوجي والبحري لا يضمن النصر أمام التحصينات الطبيعية والروح القتالية الميدانية.
ففي جاليبولي، تحول “أمراء الحرب” من قادة يديرون المعارك من غرف مريحة وسفن فارهة إلى شهود على مذبحة بشرية في خنادق ضيقة لا يفصل بينها سوى أمتار قليلة، وهو الدرس الذي يفرض نفسه عند النظر إلى الطبيعة الدفاعية لجزيرة خرج المحصنة ببطاريات صواريخ وتضاريس تجعل من أي إنزال برمائي إعادة لسيناريو “شاطئ دبليو” أو “أنزاك كوف” الدموي.
وكما برز مصطفى كمال أتاتورك كقائد ميداني التحم مع جنوده في الخطوط الأمامية ليقلب موازين القوى، فإن الدفاعات الحديثة في المضائق والمنافذ البحرية الحيوية تعتمد اليوم على قيادة محلية تدرك تفاصيل الأرض وتستثمر في “حروب الاستنزاف” لتعويض الفارق التقني.
وعلاوة على ذلك، فإن ما كشفه علماء الآثار في خنادق جاليبولي من تفاصيل إنسانية، مثل بقايا الأفران الطوية وزجاجات البيرة، يؤكد أن الحرب ليست مجرد أرقام في خرائط الأركان، بل هي صمود بشري يقتات على الانتماء للأرض، وهو ما يغيب غالباً عن حسابات القوى الخارجية التي تظن أن الضغط العسكري قادر على كسر الإرادة الوطنية.
إن أي محاولة لفرض واقع سياسي جديد عبر السيطرة على نقاط الاختناق البحري، سواء كانت الدردنيل قديماً أو جزيرة خرج حديثاً، ستصطدم حتماً بحقيقة أن “الغطرسة الاستعمارية” التي انتقدها المؤرخون في جاليبولي لا تزال هي الفخ الذي يهدد القوى الكبرى بالسقوط في مستنقع من الخسائر الفادحة والنتائج العكسية التي قد تنهي طموحات قادة سياسيين وتغير وجه الخريطة الإقليمية للأبد.
التعليقات