جدلية الغطرسة العسكرية والارتهان الاقتصادي في حروب المضائق

1 أبريل 2026

علي البلوي

تتشابك خيوط التاريخ بين مأساة جاليبولي في الحرب العالمية الأولى وبين السيناريوهات الاستراتيجية المعاصرة التي تحيط بجزيرة خرج في الخليج العربي، لتكشف عن نمط متكرر من “الغطرسة الاستراتيجية” التي تقع فيها القوى العظمى حين تستهين بالجغرافيا السياسية وإرادة المدافع عن أرضه.

فكما كشف نيكولاس لامبرت في تحليله لكارثة جاليبولي، لم تكن تلك الحملة مجرد مناورة عسكرية فاشلة، بل كانت استجابة انتحارية لضغوط الاقتصاد العالمي المترنح تحت وطأة توقف تجارة القمح، وهو ما يشبه إلى حد بعيد الأهمية الجيوسياسية لجزيرة خرج، التي تمثل “شريان الحياة” النفطي ومحركاً حيوياً للاقتصاد العالمي، مما يجعل أي تفكير في استهدافها أو السيطرة عليها مغامرة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية قبل العسكرية.

إن إسقاط تجربة جاليبولي على المحاولات أو المخططات الافتراضية للسيطرة على جزيرة مثل “خرج” يظهر بوضوح أن التفوق التكنولوجي والبحري لا يضمن النصر أمام التحصينات الطبيعية والروح القتالية الميدانية.

ففي جاليبولي، تحول “أمراء الحرب” من قادة يديرون المعارك من غرف مريحة وسفن فارهة إلى شهود على مذبحة بشرية في خنادق ضيقة لا يفصل بينها سوى أمتار قليلة، وهو الدرس الذي يفرض نفسه عند النظر إلى الطبيعة الدفاعية لجزيرة خرج المحصنة ببطاريات صواريخ وتضاريس تجعل من أي إنزال برمائي إعادة لسيناريو “شاطئ دبليو” أو “أنزاك كوف” الدموي.

وكما برز مصطفى كمال أتاتورك كقائد ميداني التحم مع جنوده في الخطوط الأمامية ليقلب موازين القوى، فإن الدفاعات الحديثة في المضائق والمنافذ البحرية الحيوية تعتمد اليوم على قيادة محلية تدرك تفاصيل الأرض وتستثمر في “حروب الاستنزاف” لتعويض الفارق التقني.

وعلاوة على ذلك، فإن ما كشفه علماء الآثار في خنادق جاليبولي من تفاصيل إنسانية، مثل بقايا الأفران الطوية وزجاجات البيرة، يؤكد أن الحرب ليست مجرد أرقام في خرائط الأركان، بل هي صمود بشري يقتات على الانتماء للأرض، وهو ما يغيب غالباً عن حسابات القوى الخارجية التي تظن أن الضغط العسكري قادر على كسر الإرادة الوطنية.

إن أي محاولة لفرض واقع سياسي جديد عبر السيطرة على نقاط الاختناق البحري، سواء كانت الدردنيل قديماً أو جزيرة خرج حديثاً، ستصطدم حتماً بحقيقة أن “الغطرسة الاستعمارية” التي انتقدها المؤرخون في جاليبولي لا تزال هي الفخ الذي يهدد القوى الكبرى بالسقوط في مستنقع من الخسائر الفادحة والنتائج العكسية التي قد تنهي طموحات قادة سياسيين وتغير وجه الخريطة الإقليمية للأبد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...