الحرب الأمريكية الإيرانية: صراع معقد تتحكم فيه حسابات الردع وإدارة المخاطر والثقل الجيوسياسي
لطفي الصمدي
الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يمكن فهمها كاشتباك عسكري تقليدي بين قوتين تسعيان إلى حسم ميداني سريع. هي صراع معقد تتحكم فيه حسابات الردع، وفرض الكلفة، وإدارة المخاطر، أكثر مما تحكمه خرائط التقدم والانكفاء. أفضل إطار لفهمه هو نظرية الألعاب في بعدها الديناميكي، مقترنة باستقراء جيوسياسي يضع الجغرافيا والاقتصاد والبنية الداخلية لكل طرف في قلب التحليل.
من منظور نظرية الألعاب التي يعنمد عليها البروفيسور جيانغ، نحن أمام لعبة ديناميكية متكررة مع معلومات ناقصة. كل طرف لا يعرف بدقة حدود تحمّل الطرف الآخر، ولا يعرف يقينا متى يتحول التصعيد إلى نقطة لا رجعة فيها. لذلك يلجأ اللاعبون إلى ما يُعرف في أدبيات الردع بـ“الإشارات المكلفة”. الضربة الكبيرة ليست فقط لإحداث أثر عسكري، بل لإرسال رسالة عن الجدية والاستعداد لتحمّل المخاطر. في المقابل، الرد ليس بالضرورة سعياً للانتقام بقدر ما هو تثبيت لمعادلة مفادها أن أي فعل ستكون له تبعات ملموسة.
هذا النمط يقترب من لعبة “حافة الهاوية”. كل طرف يتقدم خطوة إضافية، آملا أن يتراجع الآخر قبل الوصول إلى الاصطدام. الخطورة هنا لا تكمن في نية الانتحار الجماعي، بل في سوء تقدير حدود الخصم. عندما تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الشرعية الداخلية والهيبة الإقليمية، تصبح كلفة التراجع سياسياً أعلى من كلفة التصعيد المحدود، ما يدفع الأطراف إلى اختبار الخطوط الحمراء باستمرار.
العامل الثاني هو عدم التناسق. إيران لا تواجه خصما متماثلا معها في القدرات التقليدية، لذلك تميل إلى أدوات منخفضة الكلفة نسبيا تفرض استنزافا ممتدا: صواريخ ومسيّرات رخيصة (ما بين 30 و 50 الف دولار للصاروخ/مسيرة مقابل مليون دولار لصاروخ باتريوت) ضغط على الممرات البحرية، توسيع نطاق التوتر عبر بيئات إقليمية حليفة. في المقابل، يعتمد التحالف على تفوق جوي وتقني عالي الكلفة وسريع الأثر. في ألعاب الاستنزاف، التفوق لا يُقاس بكون سلاحك أرخص، بل بقدرتك على تحمّل الاستنزاف لفترة أطول من خصمك دون أن تنهار نقاطك الحساسة. المعادلة ليست فقط تكلفة الصاروخ مقابل تكلفة الاعتراض، بل القدرة الشاملة على الاستمرار.
الجغرافيا تضيف بعدا حاسما إلى هذه الحسابات. الخليج ليس مجرد ساحة جانبية، بل عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي. الممرات البحرية الضيقة، الاعتماد المرتفع على الطاقة العابرة، هشاشة بعض البنى التحتية الحيوية، كلها عناصر تجعل أي تصعيد ذا أثر يتجاوز الإقليم. هذا يخلق لعبة ضغط إضافية على القوى الكبرى المستوردة للطاقة. هنا يدخل عنصر الاستقراء الجيوسياسي: كلما ارتفعت كلفة الطاقة أو تعطلت سلاسل الإمداد، ازداد ضغط العواصم الكبرى لاحتواء التصعيد، ليس حباً بأحد الأطراف بل دفاعاً عن استقرارها الاقتصادي.
في المقابل، لدى إيران نقاط ضعف بنيوية تجعلها حذرة من الانزلاق إلى حرب شاملة طويلة. الضغوط الاقتصادية، التعدد الإثني، التحديات البيئية، والحاجة إلى الحفاظ على تماسك داخلي، كلها ترفع كلفة الانكشاف لحرب مفتوحة. هذا ما يجعل استراتيجيتها أقرب إلى توسيع رقعة الضغط دون تحمل عبء المواجهة المباشرة الواسعة. أما الولايات المتحدة، فتكمن قيودها في الرأي العام، والانتخابات، والتزاماتها العالمية المتعددة. حرب برية واسعة أو خسائر بشرية مرتفعة قد تغير بنية الدفعات السياسية داخليا، ما يجعل الإدارة تميل إلى أدوات بعيدة المدى وأقل احتكاكا مباشرا.
من منظور توازن ناش، لا يبدو أن الصراع بلغ توازنا مستقرا. ما نراه هو توازن مؤقت هش، حيث يمتنع كل طرف عن تجاوز عتبات معينة لأنه يدرك أن الخطوة التالية قد تفتح مسارا غير قابل للضبط. هذا النوع من التوازن يمكن أن يستمر إذا بقيت الضربات ضمن سقف مدروس، ويمكن أن ينهار إذا وقع حدث مفاجئ يغيّر حسابات الكلفة جذريا، مثل خسائر نوعية غير متوقعة أو تعطيل اقتصادي واسع النطاق.
السيناريو الأكثر اتساقا مع منطق اللعبة هو استمرار نمط التصعيد المحدود والمتبادل، مع محاولات خلف الكواليس لإدارة المخاطر. السيناريو الأخطر يتطلب تغيرا نوعيا في الإدراك، كأن يعتقد أحد الأطراف أن خصمه على وشك تحقيق مكسب استراتيجي حاسم، فيندفع إلى خطوة استباقية كبيرة. أما التهدئة، فمشروطة بوجود مخرج يسمح لكل طرف بإعادة تعريف ما حدث على أنه إنجاز أو على الأقل منع خسارة كبرى.
الاستقراء الجيوسياسي يشير إلى أن أمد الصراع لن يُحسم فقط في السماء أو البحر، بل في الاقتصاد والطاقة والداخل السياسي لكل دولة. من ينجح في إعادة تشكيل الدفعات بحيث يصبح استمرار اللعبة أكثر كلفة من إنهائها هو من سيحدد اتجاه المرحلة التالية. حتى ذلك الحين، ستظل الحرب تُدار بمنطق فرض الكلفة وإدارة المخاطر، لا بمنطق الحسم التقليدي.
التعليقات