إشكالية الأمن في العالم العربي والإسلامي في ضوء المقاصد الشرعية والتحولات الدولية
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، تتجلى في تصاعد الصراعات الإقليمية، وتراجع منطق التوازن التقليدي، وبروز سياسات الهيمنة والمصالح الضيقة، وهو ما أفرز حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار في كثير من مناطق العالم، وعلى رأسها العالم الإسلامي والعربي.
وفي ظل الحرب الجارية الآن بين اسرائيل وأمريكا من جهة، والجمهورية الإيرانية من جهة أخرى، وما يرافقها من استقطاب حاد، تبرز إشكالية الأمن بوصفها من أعقد القضايا التي تواجه دول هذه المنطقة، ليس فقط من زاوية عسكرية أو سياسية، بل من منظور حضاري وأخلاقي وفكري يرتبط بمقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها الكبرى .
إن مفهوم الأمن في الإسلام لا يقتصر على حماية الحدود أو ردع العدوان، بل يتجاوز ذلك ليشمل أمن الإنسان في دينه ونفسه وعقله وماله ورغيف عيشه وكرامته، وهي المقاصد الخمسة التي تشكل جوهر التشريع الإسلامي وروحه. فالأمن في الرؤية الإسلامية هو حالة من الطمأنينة الشاملة التي تتيح للإنسان أن يعيش بحرية وكرامة، وأن يساهم بدوره في اعمار الأرض وبناء الحضارة .
ومن هنا، فإن أي خلل في هذه المنظومة يؤدي بالضرورة إلى اضطراب الحياة الفردية والجماعية، ويفتح الباب أمام الفوضى والعنف والانقسام وضياع البلاد والعباد .
غير أن واقع العالم الإسلامي اليوم يكشف عن فجوة واسعة بين هذا التصور المقاصدي للأمن وبين الممارسة السياسية الفعلية. فقد تحولت كثير من الدول إلى ساحات صراع وبؤر توتر وغليان ، بسبب “مليشيات” مسلحة ، تتنازعها القوى الكبرى والإقليمية، وتُستثمر فيها التناقضات المذهبية والعرقية والديتية والسياسية لخدمة أجندات خارجية .
وفي هذا السياق، لم يعد الأمن قرارًا وطنيًا خالصًا، بل أصبح رهينًا لتوازنات دولية معقدة، تُفرض أحيانًا بالقوة، وأحيانًا بالضغط الاقتصادي أو السياسي .
إن من أخطر مظاهر هذه التحولات أن مفهوم السيادة نفسه أصبح هشًا، حيث لم تعد الدولة قادرة دائمًا على التحكم في قرارها الأمني أو الدفاعي، بل باتت تخضع لمنطق التحالفات القسرية أو الاصطفافات المفروضة.
وهذا الوضع ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات، إذ تتحول الموارد من التنمية إلى التسلح، ومن بناء الإنسان إلى إدارة الأزمات، ومن ترسيخ الثقة إلى تكريس الخوف .
ومن المنظور المقاصدي، فإن هذا المسار يمثل انحرافًا خطيرًا عن مقاصد الشريعة التي تجعل حفظ النفس والمال والعقل مقدمًا على منطق الصراع والتدمير والقتل . فالحروب المعاصرة، بما تحمله من دمار شامل، لا تميز بين مدني وعسكري، ولا بين مذنب وبريء، وهو ما يتعارض مع جوهر القيم الإسلامية القائمة على العدل والرحمة وحرمة الدماء. ولذلك فإن اختزال الأمن في القوة العسكرية وحدها يعد رؤية قاصرة، لا تنسجم مع الفهم الإسلامي الشامل للأمن والاستقرار.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين تقترن الصراعات المعاصرة بخطابات دينية أو أيديولوجية تُوظف لتبرير العنف وإضفاء قداسة زائفة عليه . ففي كثير من الحالات، يتم استدعاء النصوص الدينية خارج سياقها المقاصدي، وتحويلها إلى أدوات تعبئة وصراع، بدل أن تكون منارات هداية وبناء.
وهذا التوظيف المغلوط للدين يسهم في تعميق الانقسام داخل المجتمعات الإسلامية والعربية، ويضعف مناعتها الفكرية والأخلاقية، ويجعلها أكثر عرضة للاختراق والاستغلال .
إن المستقبل الآمن للبشرية لا يمكن أن يقوم على سلاح نووي في يد الفكر الديني المتطرف، بل على الحوار، والعقلانية، واحترام إرادة الشعوب، لأن التطرف حين يقترن بالقوة المطلقة لا ينتج إلا الخراب. فالتجارب التاريخية والمعاصرة تؤكد أن الجمع بين الغلو الأيديولوجي وأدوات التدمير الشامل يمثل تهديدًا وجوديًا للإنسانية جمعاء، ويقوض كل فرص التعايش والاستقرار، ويحول الصراع من تنافس سياسي قابل للاحتواء إلى مواجهة عبثية مفتوحة على المجهول .
ومن جهة أخرى، لا يمكن فهم أزمة الأمن في العالم الإسلامي بمعزل عن أزمة الحكم والتنمية. فغياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الفساد، وتهميش الشباب، وضعف المشاركة السياسية، كلها عوامل تؤدي إلى هشاشة داخلية تجعل الدول أقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية .
وفي الرؤية المقاصدية، لا يتحقق الأمن الحقيقي إلا بوجود نظام سياسي راشد يقوم على الشورى والدمقراطية، وسيادة القانون، واحترام الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى بالثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم .
كما أن التحولات الاقتصادية العالمية لعبت دورًا مهمًا في تعميق إشكالية الأمن. فالتبعية الاقتصادية، والارتهان للأسواق الخارجية، وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأساسية، كلها عوامل تجعل كثيرًا من الدول الإسلامية في وضع هش، يسهل الضغط عليها أو ابتزازها.
ومن منظور إسلامي مقاصدي، فإن الاستقلال الاقتصادي جزء لا يتجزأ من حفظ الكرامة الجماعية، ومن شروط تحقيق الأمن المستدام، لأن الفقر والحرمان يولدان الاضطراب ويغذيان التطرف.
وفي ظل النظام الدولي الحالي، الذي تحكمه في كثير من الأحيان ازدواجية المعايير، تجد دول العالم الإسلامي نفسها أمام معادلة صعبة: إما الانخراط في تحالفات لا تخدم بالضرورة مصالح شعوبها، أو مواجهة العزلة والضغوط.
وهذا الوضع يفرض ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي الإسلامي، القائم على التعاون والتكامل، بدل التنافس والصراع. فالتاريخ الإسلامي يشهد بأن فترات القوة والاستقرار كانت دائمًا مرتبطة بوحدة الصف، وتكامل الجهود، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة البعد المقاصدي في التفكير الأمني والسياسي، بحيث يصبح الإنسان محور السياسات، وتُقدَّم حياته وكرامته ومستقبله على حسابات النفوذ والهيمنة. ويتطلب ذلك تجديد الخطاب الديني ليكون خطابًا واعيًا بسنن التاريخ، مدركًا لتعقيدات الواقع، رافضًا للتطرف والغلو، ومناصرًا لقيم السلم والعدل والحوار.
كما يتطلب إصلاحًا عميقًا في منظومات التعليم والإعلام، حتى تسهم في بناء وعي نقدي يحصن المجتمعات من الانجرار وراء خطاب الكراهية والتضليل.
إن الأمن في الرؤية الإسلامية ليس حالة طارئة تُستدعى عند الأزمات، بل هو مشروع حضاري طويل المدى، يقوم على بناء الإنسان قبل بناء السلاح، وعلى ترسيخ القيم قبل تشييد التحالفات.
وهو أمن يرتكز على العدالة باعتبارها أساس الملك، وعلى الرحمة باعتبارها جوهر الرسالة، وعلى الحكمة باعتبارها منهجًا في إدارة الخلاف.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تصبح مسؤولية النخب الفكرية والعلمية والسياسية في العالم الإسلامي مضاعفة، إذ يقع على عاتقها صياغة رؤية مستقلة للأمن، لا تنسخ نماذج الآخرين دون وعي، ولا تنغلق على الذات دون تفاعل، بل تستلهم من مقاصد الإسلام ما يمكنها من الجمع بين الأصالة والواقعية، وبين المبادئ والمصالح، وبين القيم والفعالية.
وختاما، إن إشكالية الأمن في العالم الإسلامي والعربي ليست مجرد نتاج صراعات خارجية، بل هي انعكاس لأزمة مركبة تشمل الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة. ولا يمكن تجاوزها إلا بمقاربة شاملة تعيد الاعتبار لمقاصد الشريعة باعتبارها إطارًا مرجعيًا لبناء أمن إنساني عادل ومستدام، يحرر القرار الوطني، ويصون الكرامة الجماعية، ويفتح آفاق المستقبل أمام أجيال تتطلع إلى العيش في عالم يسوده السلام لا الخوف، والتعاون لا الصراع، والعدل لا الهيمنة .
التعليقات