إستراتيجية الحسابات الباردة وسيكولوجيا الصراع بين طهران وتل أبيب وواشنطن

4 مارس 2026

علي البلوي

في هذا المثلث الملتهب الذي يجمع طهران وتل أبيب وواشنطن، لا تُدار الحرب وفق منطق الصواب والخطأ أو الحق والباطل، بل تُصاغ في الغرف المظلمة كمعادلة حسابية باردة تجرد الإنسان من إنسانيته لتحوله إلى “رقم” في كشوف الأرباح والخسائر الإستراتيجية.

إن ما نشهده اليوم هو تجسيد حي لعقيدة “واقعية القوة”، حيث تصبح الحرب قراراً عقلانياً يتخذه من يدرك تماماً حجم تبعاتها المؤلمة ومساراتها المقلقة، بعيداً عن ضجيج الشعارات العاطفية التي تُترك لتخدير الجماهير.

إن الإستراتيجية هنا تبدأ من “معرفة الذات” قبل الخصم، وهي القاعدة الذهبية التي وضعها “صن تزو” في “فن الحرب”، حيث يتحتم على كل لاعب في هذا الصراع أن يشرح قدراته الذاتية، ويحدد نقاط ضعفه القاتلة، ويحسب مدى ثبات جبهته الداخلية قبل أن يلتفت إلى ترسانة خصمه أو قوة داعميه.

إن الصراع الدائر اليوم مع “عامل معلوم” ـ حيث يمتلك كل طرف معلومات كافية عن الآخر مع بقاء قدر ضئيل من السرية كصمام أمان ـ يتطلب من المخطط الإستراتيجي صياغة معادلة دقيقة تجمع بين القوة والزمن والتأثير.

هذه المعادلة يجب حلها حسابياً أولاً قبل الالتفات إلى العوامل الاعتبارية؛ فالقوة هنا ليست مجرد حشد عسكري، بل هي كفاءة الأداء في وحدة الزمن، والتأثير هو حجم التغيير في إرادة الخصم مقارنة بالكلفة المدفوعة.

إن توفر المعلومات المتبادلة يجعل من الحرب عملية “مقامرة محسومة سلفاً” في عقول المخططين، حيث يتم استبدال المغامرة بالمناورة، والصدام المباشر باستنزاف الأعصاب، لأن الخطأ في حساب “كتلة القوة” أمام “فجوة الزمن” يعني انتحاراً إستراتيجياً لا يمكن تداركه.

ويرى خبراء الإستراتيجية، مثل ” كلاوزفيتز”، أن الحرب ليست إلا “استمراراً للسياسة بوسائل أخرى”، ولكن في هذا المثلث، تتحول السياسة نفسها إلى سيكولوجيا بحتة؛ حيث يؤكد المنظرون المعاصرون أن الانتصار لم يعد باحتلال الأرض، بل باحتلال “إدراك الخصم”.

ويضيف خبراء الحروب الحديثة، مثل “بيتر بومونت”، أن الحروب المعاصرة تعتمد على “الغموض الإستراتيجي”؛ حيث يتم استغلال المعلومات المعلومة لخلق قلق دائم حول “المجهول المتبقي”.

فالعلاقات الدولية بين هذه الأقطاب الثلاثة باتت “سائلاً برغماتياً” يتشكل حسب وعاء المصلحة اللحظية؛ فالحليف اليوم قد يصبح عبئاً غداً، والعدو اللدود قد يُمنح مساحة للحركة إذا كان ذلك يمنع انهيار المنظومة بالكامل.

في هذه المعادلة، يبرز التناقض الصارخ في الحالة الإيرانية كأحد أعقد العوامل الحسابية؛ فرغم امتلاكها لقدرة صاروخية هائلة قادرة على خلق توازن ردع مادي، إلا أنها تعاني من “انكشاف إستراتيجي” ناتج عن اختراقات استخبارية عميقة تضرب جسد أمنها القومي في الصميم.

هذا الانكشاف، مضافاً إليه ضائقة اقتصادية خانقة تهدد استقرار الجبهة الداخلية، يحول القوة الصارخية من أداة حسم إلى “درع متآكل” يحاول حماية كيان يعاني من تصدعات هيكلية.

المخطط الإستراتيجي يدرك هنا أن القوة الصلبة لا قيمة لها إذا كانت “القاعدة الاقتصادية” والتماسك الاجتماعي في حالة انهيار؛ فالجوع والاحتجاج الداخلي هما “القنبلة الموقوتة” التي قد تنفجر قبل أي صاروخ معادٍ.

أما المفاهيم الإنسانية والقانون الدولي، فقد تلاشت قيمتها الأخلاقية في هذا الصراع لتتحول إلى “أدوات توظيف” إعلامي، لا تُستحضر إلا حين يراد بها إحراج الخصم أو كسب تعاطف دولي موجه، مما يجعل “الألم الإنساني” مجرد مادة خام في ماكينة البروباغندا التي تسعى لترميم صور الهزيمة أو تضخيم ملامح النصر.

إن “الانتصارات” في هذه المواجهة غالباً ما تكون “موجهة” ومصنوعة بعناية لتناسب الحاجة السياسية الداخلية لكل طرف، تماماً كما يتم “توجيه الخسائر” وامتصاص صدمتها لتفادي الانفجار الشامل الذي يخشاه الجميع.

السيكولوجيا المحركة لهذا النزاع هي سيكولوجيا “الاستنزاف المتبادل” و”اللعب على حافة الهاوية”، وهو ما يصفه الخبير “توماس شيلينج” بـ”دبلوماسية العنف”؛ حيث يتم دفع الخصم إلى أقصى درجات القلق الوجودي دون العبور إلى نقطة “اللاعودة”، في حرب تُخاض بالعقول والبيانات الحسابية قبل الصواريخ، وتُبنى فيها الإستراتيجيات على أنقاض الأوهام.

إن ملامح التوازن الجديد الذي سيتشكل بناءً على هذه الحسابات الجافة تشير إلى عصر “الجمود النشط”، حيث تُقاس الهيمنة بالقدرة على التحكم في تدفق المعلومات وتوظيف السرية الجزئية كأداة ردع نهائية، ليبقى القرار النهائي بيد من يمتلك النفس الأطول، والقدرة الأعلى على إدارة “القلق” وتوجيه “الخسائر” بما يخدم بقاءه في لعبة القوة العالمية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...