أرقام “مركز بيو” غير علمية وغير دقيقة


توزيع الكاثوليك في العالم خلال مائة سنة يندرج ضمن الخريطة الدينية العالمية وتحولاتها المستمرة في التاريخ. والخريطة الحالية تعكس تحولات كبرى عاشتها البشرية في القرن الماضي كان أبرزها سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية والاستعمار العسكري الغربي للعالم والعالم العربي والإسلامي، والتبشير السابق له والمرافق له، والصراع العلماني الكنسي، والصراع المسيحي المسيحي، ثم الهجرة والعولمة وهيمنة الولايات المتحدة كقوة كبرى.
ويجب الانتباه قبل كل شيء إلى حقيقة الأرقام التي ساقها مركز بيو الأمريكي، فهي أرقام غير علمية وغير دقيقة، لسببين، الأول هو الخلفية المسيحية التبشيرية لمركز بيو، إذ أن مؤسسه كان من أكثر المنصرين نشاطا في الولايات المتحدة وفي العالم، والسبب الثاني هو المنهج المتبع في استنباط عقائد الناس وانتماءاتهم، فهو ليس منهجا استقرائيا جامعا، ولكنه استنتاج من معطيات غير سليمة، ثم إن الهدف الخفي من تكثير عدد المسيحيين عامة، هو داخل ضمن الحرب النفسية ضد انتشار الإسلام السريع والمدهش في هذا العصر رغم جهل أبنائه وجور حكامه وعجز علمائه.
المسيحية بصفة عامة تأثرت بمسار التدافع السلمي والعنيف بين العلمانية والكنيسة منذ القرن التاسع عشر حيث اشتعلت حروب دينية عنيفة في اوروبا والولايات المتحدة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، ثم بين فصائل وطوائف كاثوليكية وبروتستانتية بسبب دعوات الإصلاح داخل النصرانية ومواقف كل كنيسة وطائفة منها. وهكذا أدى هذا التناحر والتطاحن إلى تغيير في الخريطة فظهرت البروتستانتية في أوروبا كأقلية جديدة وأخذت من الكاثوليكية نصيبا وافرا من الأتباع، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة، ولما تأسست الدولة الأمريكية وازادت قوة وهيمنة ووزنا سحبت عددا هائلا من المسيحيين من الكاثوليكية إليها.
وتزايد المد البروتستانتي مع العلمانية الأوروبية التي أضعفت الكاثوليكية في عقر دارها ثم ركبت ظهر الإمبراطورية الأمريكية لتفرض نفسها على النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، وينبغي ألا ننسى أن زعيم البروتستانتية الأمريكية بيلي غراهام ظل صديقا لجميع رؤساء الولايات المتحدة ومقربا منهم وشريكا في اتخاذ القرارات الكبرى، وبعد تقاعده خلفه وارن، وقد أقسم الرئيس الأمريكي الحالي أوباما أمامه في الولاية الأولى والولاية الثانية، وهو مقرب كذلك وله نفوذ كبير.
ولما شاهدت الكاثوليكية ما تفعله البروتستانتية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية قامت بالتصدي لها ضمن خطة طويلة المدى أسسها البابا المستقيل وسينفذها البابا الجديد، وهذا ما يفسر اختيار القائد الجديد للكاثوليكية من الأرجنتين، اي من النصف الجنوبي للعالم، لأنه يعرف جيدا ساحة المدافعة ضد البروتستانتية وضد الإسلام معا.
ومن الأسباب المهمة في تغيير الخريطة الهجرات من الجنوب إلى الشمال، فقد هاجرت أعداد كبيرة من الأفارقة والآسيويين والعرب إلى الغرب مهد الكاثوليكية، وأدى ذلك إلى مزاحمة الكاثوليكية من طرف أديان جديدة مثل الإسلام والبوذية.
أما العولمة فقد فتحت الباب على مصراعيه أمام الناس ليختاروا الدين المناسب لهم في معرض ديني واسع، وهذا الأمر كان في نهاية المطاف لصالح الإسلام، إذ يقبل عليه الغربيون بكثافة في قصص مدهشة عجيبة.
حسن السرات
باحث في مركز المقاصد للدراسات والبحوث
أمين مركز المقاصد للدراسات والبحوث
{jathumbnail off}



