لا عيب فلنعترف إذ: «ما منا إلا متحرِّش أو متحرَّش به»!

خالد السيف
21 مارس 2013

خالد السيفلا تقلق.. ليس ما تبادر لك أعني.. فـ (التحرّش) ليسَ فعلاً: «جنسياً» دائماً كما هو في المألوفِ.. رُبَما أنّهَا أكثر من اِلتفاتةٍ تلكَ التي قد حانت منك أثناءَ قراءتكَ ناصيةَ المقالةِ حيثُ: «العنوانُ» المُربِشُ لِمَن بقيت فيهِ آثارةٌ من احتشامٍ وتَنَسّك! هذا إنْ لم تَكُن قد فعلتَها و«طقيت اللطمة»، وهذهِ الفعلةُ إن هيَ إلا أضعف الإيمانِ في حقِّ مَن تقع عينُهُ على عنوانٍ سافرٍ وخادشٍ مثلَ هذا الذي بعاليهِ. فيما آخرٌ هو ليسَ ببعيدٍ عنك ظلَّ في مكانٍ قصيٍّ يتكايسُ -وهو الفَطِنُ- إذ راحَ يُنحِي باللائمةِ علىَّ وما لبثَ أن رفعَ أكفَّهُ مُتمتِمَاً بدعواتِ الويلِ والثبورِ، ولا ريبَ أنّ لصحيفةِ: «الشرق» نَصِيبَهَا المفروض مِن هذا وذاك، وبالتّالي اشتَغلوا جميعهم على وصمِنا جميعاً بـ:عدمِ الاحتشام والانتهاكِ لمنظومةِ القيمِ! وأُطيحَ بِنا في ردهةِ مَخْروميِّ المروءةِ ومُنتَفِي العدالة.

فَضُلَ واحدٌ، لعلّهُ بقيّة صالحة ممن ما زالوا على عهدِ الصّفا نقاءً، دأبهم إحسانُ الظنِّ إذ لم يَنبِسْ ببنتِ شفة باستثناءِ كلمةٍ واحدةٍ قابلَ بها قراءتَهُ العنوانَ واجِمَاً، وانتزعَ بكلِّ قلقٍ تلك الكلمةَ الواحدةَ مِن شِدقهِ المباركِ، وقد أماله جهةَ اليسارِ فتلفظّهَا بصوتٍ أجشٍّ: «واخزياااه.. وبس» وقد تمعّر وجههُ إذ ذاك.
وبأيّةِ حالٍ ..فما أَحسبُ أنَّ في الأمر شيئاً غريباً يُمكِنُ أنْ يلفتَ بالمرّةِ أنظارنا، فيقتضي تالياً تنصيصاً عليه، أو أنّي إزاءَ اكتشافٍ جديدٍ لَم نكن قد ألِفنَاهُ مِن ذي قبل، ذلك أَنَّنَا مِن: «قومٍ» كثير ما تشرئبُ أعنَاقُنَا في سبيلِ مؤاخذةِ الآخرينَ بمحضِ الظّنّةِ، في حين يشقُّ علينا أن نتعاملَ مع مَن نختلفُ معهُم بالنّصَفةِ، وسحقاً لتربيةٍ كانَ من شأنِهَا تثوِرنَا وجرت بنا على نحوٍ مِن غلّظةٍ بيّنةٍ، فألفيتُنَا نعيشُ مع الآخرٍ بسابقةِ تَبْييتِ إساءة الظّنِ ونبتهجُ بما نحنُ عليهِ مِن أخلاقٍ وأفعالٍ، إذ نمضي أبعد مِن ذلك يومَ أنْ نَعُد بعض إحسانِ الظَّنِ بهم إثمَاً أو : «دِباشةً»!، ناهيكَ عن تغليبِ العدوانِ والاكتفاء بقراءةِ العنوانات -مِن كلّ شيءٍ- ونحنُ في حالٍ من مكابرةٍ تضطرنَا ألاَّ نبرح مواطنَ استصحابِ افتعال الخصومةِ، وهذه الأخيرةُ لا مشاحة في أنّ فيها كلّ معاني التحريضِ على العدوانِ ظُلمَاً وهضماً، ثم لا نلبث نحكمُ على كلِّ من نختلف معه -مقالةّ أو رأياً أو منهجاً أو رجلاً أو جماعةً- ونحن محتقِنونَ بالشّنآنِ، ولكَ أن تتخيّلَ كيف سيكونُ الحكمُ حينذاكَ، وما هي المآلات في الدنيا والآخرة التي انتهينَا بهم إليها وبئس المصير! أما عن: «التقوى» والقربِ منهَا، و التي مِن شأنِها أن تهدينا سبيلَ العدلِ فتلك التي نسمعُ بها/ وعنها، وما أخافهُ بحقٍّ هو أن يكونَ هذا حظّنَا منها وحسب.
وأيّاً يكنِ الأمرُ، فَضعوا في بطونكم: «بطيخاً صيفياً»، وبلهجتِنا المحكِيّةِ: «ارجهِنّوا»، وكلفوا أنفسَكم عناءَ القراءةِ لأسطرٍ ولو يسيرةٍ مِن بعدِ هذا العنوانِ، وحينها ستكتشفونَ عن بيّنةٍ أنّ فحوىَ: «المقالةِ» قد أَتت بخلافِ ما قد تُوحِي إليه مفردةُ: «التّحرشِ» باديَ الرأيِّ، تلك المفردةُ التي ما فتئنا ندحوهَا -في الصباح والمساءِ- بشيءٍ كبيرٍ وكثيرٍ مِن سعَارِ هَوس(اللي أنتم خابرين) ما جعلهَا مفردةً إيحائيةٍ وبامتيازٍ، وذلك بِمَا تفيضُ بهِ مِن دالٍّ يوميٍّ أكسبَها إياهُ الشارعُ/ الاجتماعي والإعلامي ببعدٍ واحدٍ لا حيدةَ عنه، وبالضرورةِ لا بُدّ وأن يكونَ:» جنسيّاً»!
و إذن.. لو أنكم تجاوزتُم العنوانَ-كما قلتُ قبلاً- لقرأتُم مقالاً آخر يأتي على هذا النحو:
ألم يأنِ للذين عَقِلوا أنّ يعلموا بأنَّ: «التّحرشَ» محضُ فعلٍ واسعِ الحاشيةِ وذي نهمٍ في استيعابِ أيّ شيءٍ، كما أنّهُ لا يضيقُ بالمطلقِ مِن أن يتناولَ الكثيرَ مِن ممارساتِنا فتنتسبُ لعائلتهِ، إنه ليسَ فعلاً: «جنسياً» دائماً كما هو في مألوفِ أحاديثِنا اليوميّةِ وكما هو جارٍ على طرفِ لسان آلتِنَا الإعلامية، ذلك أنها مفردةٌ محايدةٌ مثلما يقولُ عنها اللسان العربي: «حَرّشتَ بين القومِ، وفلانٌ من عادتهِ التحريشُ والتّضرِيبُ. وحَرّش الضبَّ واحترشَهُ، وهو حارشٌ مِن حَرشةِ الضّباب….».
وبناءَ عليه يمكنُ القول: إنّ التحرّش يكتسبُ معاني كُثر، وقد يتعذّرُ سبْرُها واستقصاؤهَا كاملةً، وذلك حسبما يمكِن أن يضافَ إليهِ، ومن هنا يكون بالمستطاعِ أنّ نمُدَّ رُواق دلالةِ التحرّش إلى أبعدِ مدىً قد وصَل إليه: «الشيطانُ» إذ رد اللهُ تعالى كيدَه إلى فلاحٍ في أمرِ: «التحريشِ» فيما بيننَا، وليسَ له أكثرَ مبتغىً منِ ذلك.
وبكلِّ فإنّ المدَّ لرواقِ دلالةِ : «التحرشِ» وإلى أبعد مدىً يخوّلنا أنْ نُزيلَ ما قد عَلِق بعنوانِ: «المقالةِ» من لبسٍ كان سَبَبه حَصر مفردةِ: «التحرش» بالدلالة الجنسيةِ ليس إلاّ، وباعتبارها أضحت أداةً للتورط (بالمعنى الذي يستبطنه المتلقي)
ومِن هنَا.. دعونا نتنفس الصُّعداء..، وبهواءٍ طلقٍ نستروح نسائمهُ.. ونطالبُ بالتّالي كلّ أحدٍ مِنّا أن يُطلِقَ: «المتحَرِّش.. والمُتحَرّش بهِ» الذي بداخلهِ.
أظنّني لستُ بكبيرِ حاجةٍ إلى تفطينِكم بأنّ: «التحرّش» قد يكونُ: «دينياً» وربما كان: «اجتماعياً» وبالضرورةِ أن يكونَ: «سياسياً» وهو كذلك يأتي تحرشاً: «ثقافياً» و: «اقتصادياً» و: «أمنيّاً» و.. و…
كلّ الذي أتمناهُ على مَن قرأني أن يجيبَ عن الآتي:
•أليسَ مِن: «التحرّشِ» أن تضطرّ أحداً بأن يتسوّل ثمنَ حاجاتِهِ الأساسيةِ في يومهِ كلّه؟
•إلى أيّ مدىً يُمكنُ أن نعدَّ ضخّ: «الإعلانات الاستهلاكيةِ» ضرباً من التّحرشِ بالأسرةِ الفقيرة ودفعها نحو ال…؟
•هل يصحّ أن نصرفُ النظرَ عن: «التحرّش» الإعلاميِّ الناعمِ والذي هو أشدّ فتكاً بالقيم؟!
• العبثُ بمقدراتِ الوطن- والسخريةِ بإنسانهِ- كيفَ لا يكون تحرشاً بالانتماءِ! أم أنّ لك رأياً آخر؟!
•الرائحةُ النتنةُ للسيد: «الفساد» وقد امتلأ بها الأفق كلّه ألا تعدّ تحرشاً إذ باتت تطاول الأنوفَ: «النقيّةَ» فتقضي مِن ثمّ على حاسيةِ الشّمِ الوطني.؟!
•برأيكَ أيهما أشدُّ خطورةِ على هذا: «الوطنِ» و: «إنسانِهِ» أهو التحرّش: “الجنسي” أم هي تلك : «التحرشات» الأخرى التي جئنا على غالبها ذكراً؟!
أسئلةُ كثيرةٌ عن: «التحرّش» تضيقُ المساحة عن استيعابِهَا.

 

المصدر: الشرق

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...