جمال البنا المجدد


هذه العصامية في القراءة والبحث المستمر جعلته في النهاية ينضم إلى طائفة من المفكرين الأحرار الذين حلقوا خارج الفكر التقليدي وأدوا ثمنا باهظا للحفاظ على استقلاليتهم، فناضل بكل ما أوتي من قوة ليبلغ رسالته التجديدية والتنويرية ليس لزمنه فحسب وإنما أيضا للأجيال القادمة. وقد قال في إحدى المناسبات إنه يكتب للأجيال القادمة، بعدما نال حظا وافرا من المضايقات والاتهامات من الأجيال التي عايشها.
تحليق خارج السرب
الغريب في الأمر أن عائلة البنا لم تتلق تعليمها داخل المؤسسات الدينية الرسمية، فكان للأب والأبناء والأحفاد القدرة على طبع مسيرتهم الفكرية بنوع من التجديد، فشقيقه حسن البنا لم يتخرج من الأزهر لكنه ابتكر تنظيما حركيا جديدا سنة 1928 سماه “الإخوان المسلمون” وشاء القدر أن تصل هذه الحركة إلى حكم مصر سنة 2012، كما أن الأب أحمد البنا لم يكن بدوره خريجا من الأزهر واستطاع أن يؤلف كتابا حول مسند الإمام أحمد بن حنبل في أكثر من 20 مجلدا لوحده وطيلة 35 سنة دون كلل أو ملل.
وفي أوروبا وأمريكا سطع نجم طارق رمضان سليل هذه العائلة التي امتهنت القراءة والكتابة في مصر، واستطاع لوحده أن يشغل الناس في الغرب بفكره وكتاباته ومحاضراته بالعربية وباللغات الأجنبية.
وكانت لجمال البنا حساسية بالغة من المؤسسات الرسمية لأنها حسب رأيه كانت لا تعمل إلا على تفريخ أنماط جامدة ومتشابهة في الفكر، ويؤكد في كتاباته أن الأزهر ليس وحده من ينبغي أن يقوم بعملية البحث في شؤون الدين، بل “من حق كل إنسان التعمق في النصوص الدينية وإجراء البحوث فيها استنادا إلى العقل والقراءة التاريخية لهذه النصوص وأسباب نزولها والظروف التي صدرت في ظلها، ومدى توافقها مع العصر الراهن وحدود ما هو صالح نأخذ به، وما تقادم عليه الزمن يرمى جانبا».
ويذهب جمال البنا إلى أنه لا تجديد للفكر الإسلامي إلا بنزع الأساطير والخرافات عنه وتخليصه من التأويلات التي أدت إلى تنامي تيارات دينية متطرفة “تستند الى تفسير خاص للنص الديني لتبرر به ممارساتها العنفية، كما تستند إلى فقهاء اجتهدوا في تشريع هذا العنف ».
نحو فقه جديد
الذين قرأوا لجمال البنا سيقفون على أكبر إنجاز له هو إصدار كتاب جامع سماه “نحو فقه جديد” في ثلاثة أجزاء، دعا فيه إلى إبداع فقه جديد يختلف عن الفقه القديم، ولا يلتزم بالضرورة بالتفسيرات السابقة، أو علوم الحديث. وأثار الكتاب “ضجة كبيرة ودعا بعضهم لمصادرته، لكن المسؤولين تنبهوا إلى أن هذا سيذيع دعوته فمارسوا مؤامرة صمت إزاءه».
ويكره جمال البنا أن يقول الناس قال “ابن عباس” وقال “مقاتل” و”مجاهد” وقال “ابن تيمية”، لأنهم بالنسبة إليه لا يفكرون بعقولهم ولا بالقرآن نفسه، بل بكلام المفسرين، ولا يمل البنا من التأكيد على أن ما نتعبد به اليوم ليس إسلاما وإنما هو “من إبداع الفقهاء، فهذا هو إسلام الفقهاء الذي كان انعكاساً لمشاكل عصرهم الذي لا يشبه عصرنا نحن».
وأثار كتاب “نحو فقه جديد” دويا في المؤسسة الدينية ونظم لقاء لمناقشته في جامعة الأزهر بمدينة نصر يوم 23 فبراير 1999 برآسة الدكتور صوفي أبو طالب وأمانة الدكتور محمد شوقي الفنجري وحضره الدكتور أحمد كمال أبو المجد وعدد كبير من عمداء الكليات الأزهرية ودعا بعضهم إلى مصادرته.
ويرى جمال البنا أن الفقهاء عندما فشلوا في مواجهة السلطة السياسية أيام الحكم الأموي، التجأوا إلى فقه العبادات كتعويض نفسي عن هزيمتهم أمامها، مما أدى إلى تضخم فقه العبادات على الفقه كله، بعدما كانت العبادة بسيطة ونقية في عهد الرسول.
رأيه في الإخوان
إذا كان جمال البنا استطاع أن يذيب بكل جرأة غير معهودة طبقات سميكة من الجليد الذي تراكم بفعل إنتاجات الأوائل في الفقه والفكر الإسلامي، وأن يتخلص من القيود الفكرية التي وضعها الفقهاء والعلماء وأصبحت عقبة كأداء أمام كل تجديد وتطور، فإن شقيقه حسن البنا أسس جماعة “الإخوان المسلمين” على أساس فكر تفليدي لم يخرج عما جاء به الأجداد.
وجمال البنا له رأي واضح في الإخوان المسلمين، وهو يقول في إحدى مقالاته بتاريخ 15 فبراير 2012 ناقدا الأداء السياسي للإخوان بعد الثورة إن “جماعة الإخوان منظمون ومؤمنون لكن الثورة لم تكن ملكهم أو أنهم قد فكروا بها، بل عندما وجدوها جادة شاركوا فيها، ولكن لديهم داء عدم الإيمان إلا بفكرتهم ولا يتبعون إلا فرديتهم ولا يعملون مع الآخرين وهم الآن يفرضون وصايتهم على الأشياء”.
ويتنبأ جمال البنا بمصير الثورة التي أطاحن بحسني مبارك في مصر في حوار نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 03 – 08 – 2011:
“نحن نمر بمرحلة مخاض وسوف يأتي المولود. فإذا كان سيئا يبقى عرفنا أنه سيء وأبوه لا يستطيع أن يفخر به.. عندما أسمع دعاوى الإخوان أقول “اعطوهم الحكم أما نشوف هيعملوا إيه؟” ومع ذلك لن يستطيعوا عمل أي شيء، لأنهم ليس لديهم برامج وبذلك نكون وضعناهم أمام الأمر الواقع، وهذا هو الفيصل لأن الدولة الحديثة لا تحكم بحكم الإخوان. محمد علي عندما أسس مصر الحديثة لم يؤسسها على أية مرجعيات دينية”.



