أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد الأندلس بمدينة فاس


وبين الخطيب، في مستهل خطبتي الجمعة، أن الله عز وجل جعل الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل خيريتها في جنسها ولا في نسبها ولا في لون أبنائها والمنتمين إليها، وإنما جعل خيريتها وفضلها مرتبطا بمدى تمسكها بدينها وقيامها بواجب الإصلاح الشامل لما فيه مصلحة البلاد والعباد ومحاربة الفساد الذي يهلك الحرث والنسل ويقضي على الأخضر واليابس.
وأوضح أن تقدم الأمة والنهوض بها متوقف على صلاح أبنائها ومدى ما يبذلونه من جهود خيرية في الإصلاح العام الشامل، مبرزا أن من ميادين الإصلاح التي كثر الحديث عنها في هذا العصر، البيئة وسلامتها وضرورة حمايتها ورعايتها، بحيث أن مسؤولية المحافظة عليها، باعتبارها نعمة من نعم الله سواء كانت أرضا أو بحرا أو جوا أو ماء أو هواء، تطوق الإنسان نفسه، لاسيما وأن الشرع الحكيم رغبنا في الطهارة والتجمل والنظافة سواء تعلق الأمر بأجسامنا أو بأرضنا أو بيئتنا مصداقا لقوله تعالى: (إن الله يحب الثوابين ويحب المتطهرين).
وأضاف الخطيب أن الخلل الذي تعانيه البيئة اليوم هو نتيجة انحراف الإنسان عن منهج الله في استغلال خيراتها وبعده عن تعاليم الإسلام في المحافظة على توازنها واستعمال كل وسائل الوقاية من تلوثها، بحيث لو أن البشرية وجهت وجهها إلى تلك التعاليم واستقت منها الحلول والتزمت بتطبيقها لأغنتها عن تضييع جهود كثيرة في إصدار الدوريات والنشرات وعقد المؤتمرات والندوات، لأن طريقة تعامل الإنسان مع البيئة مرتبط أساسا بتصوره وعقيدته تجاهها، فمتى كان هذا التصرف منسجما مع العلاقات الفطرية بين الإنسان والبيئة إلا وكان تصرفه ايجابيا.
وذكر الخطيب بأن الله عز وجل حينما خلق الإنسان وضع له منهاجا حدد له فيه العلاقات مع سائر الكائنات من حوله ومع مكونات الطبيعة من حوله، وأخبره بأن كل ما في هذا الكون مسخر له ودله على كيفية استغلاله والحفاظ عليه وحذره من تجاوز تلك التعاليم في الاستغلال والاستفادة، كما أخبره بأن التزام تلك التعاليم يعتبر من صميم عبادة الله، مشيرا إلى أن سلامة بيئتنا أمانة في أعناقنا، فلنرب أنفسنا وأبنائنا على صيانتها وحمايتها، ولنسخر ذلك في جميع الوسائل التربوية الممكنة، ولنعتبر ذلك واجبا وطنيا وعملا دينيا نتقرب به إلى الله عز وجل، نستجلب به عفوه ورضاه، فالخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم إلى عياله. وأكد أن البيئة السليمة والنظيفة هي مستقبل أجيالنا وصحة أجسامنا وصلاح حالنا.
وسجل الخطيب بأن علماء البيئة لم يقفوا، لدى تحديدهم لمجالها، عند الأرض والماء والبحر والجو فحسب، بل توسعوا في الموضوع فعالجوا ما اصطلحوا على تسميته البيئات الاجتماعية والصحية والجمالية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها.
وأكد أن أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، الذي تزهو حاضرة المغرب الروحية بزيارته الميمونة، يجدد للمدينة وضواحيها ولما حواليها بيئاتها الاجتماعية والصحية والعمرانية والجمالية، فمن الحرص على أرواح القاطنة إلى العناية بصحتها، ومن توسيع مجال تدخل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى تعزيز التجهيزات الأساسية، ومن الوقاية من مخاطر المباني الآيلة للسقوط إلى صيانة المآثر التاريخية بمدارسها وفنادقها ودورها المشهورة ومعالمها وقناطرها وأسوارها، وكلها لسان صدق ينطق بحضارة المغرب في مجالات العلم والعمران والمهارة والابداع، هذه الحضارة المتميزة الشاهدة، عبر القرون، على المساهمة القيمة للمغرب في بناء الحضارة الانسانية والتقدم البشري.



