هذا ما تعلّمتُهُ مِن ثورات الجَدْبِ العربيّ

خالد السيف
4 أبريل 2013

خالد السيفتختَلِفُ الرؤى إذ تبلُغُ حَدّاً كبيراً مِن التباين، وذلك أنّ ما يُقرأ من أحداثٍ تأبَى إلا أنْ تكونَ مرتبكةٍ ومربِكَةٍ في آنٍ، وكما أنّها لم تزل بعد ملتهبةً، وعلى صفيحِ يقدحُ بالشّرَرِ، ويغلي بأقصى درجاتِ ما يُمكِن أن تكونَ عليها السّخونةُ، ناهيكَ بكونِها -أي تلك الأحداث – لم تفصحْ بعدُ عن الأهمِّ من أجندّاتِهَا، والتي من شأنِها قَلب الطّاولاتِ كلّها، وبصورةٍ لم تتوقّع (سيناريوهاتِها) من ذي قبل.
بكلّ هذا وذاكَ، فلا ريبَ بأنّ: «أحداث الثورات» المتلاحقةِ سرعةً، والتي أخذتنَا على حين غِرّةٍ، قد جعلت الجميعَ في حِلٍّ من أمر هذا الاختلافِ في التعاطي معها قراءةً وتعلّمَاً، والذي يدفعنا باتجاهٍ واعٍ نحو منهجيّة: «السّعة»، في استيعابِ كافة مقول القول في القراءات التأويليّة لِما سُمّي بـ:»الربيع العربي»!

إلى ذلك.. فلقد تعلمّت من تلك الثوراتِ -ولم أزل بعد أتعلّم- الكثيرَ، ولقد كان مما تعلّمتُه ما يلي:
أولاً: إنَ سقوطَ الباطِلِ -المحْميّ بسياجٍ من خارجِهِ – قد لا يَحتاجُ إلا إلى:»ميدانٍ» رحْبٍ أو إلى شارعٍ فسيحٍ، في حين أنّ انتصارَ الحقِّ يحتاجُ إلى مشروعٍ مُضنٍ وباهظٍ، وهذا الأخيرُ صعبُ وطويلٌ سُلّمهُ. وعندَ التأملِ يسوغ القول: إن الثوراتِ بجملةٍ من أسبابٍ في الداّخلِ والخارج قد تمكّنت مِن إسقاط الباطلِ، فيما لم تتمكّن بعد من وضعِ لبنةٍ واحدة في بناء جدارِ مشروعِ: «الحق»!
وآية: «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» مفتاحٌ منهاجيٌّ لاستيعابِ مثل هذا الفهم والعمل بالتالي على مقتضاه.
ثانياً: لا ينبغي الجزم بأنّ مَن تهاوى سقوطاً هو: «الاستبداد»!، وذلك أن السقوطَ الذي كان لحدثِهِ دويّ، قد رأيناهُ فقط لِثُلّةٍ كانت تُشكّلُ طُغيانَاً لمنظومةِ الاستبدادِ المأزوم، يقومُ عليها أجَراء، كانوا يتربّعونَ كَرْهَاً على هرم السلطة في مشهدنا السياسيِّ ليس إلا.
وحسبنا أن: «ثقافة الاستبداد استعباداً» ليس من السّهل الاضطلاع بإسقاطِها ما بين عشيّة وضُحَاها.
ثالثاً: من الحمقِ -والسّفه معرفيّاً- مجرد الظّنِ بأنّ ثمة براءةَ أو نُبلاً في عالم السياسةِ – حتى وإن تلبّست بشعاراتٍ إسلاميّة أخّاذة – ويمكنك في ابتغاء معرفةِ ذلك، أن تسأل عن الذي أطالَ أمد أعمار المستبدّين، وطوّقهم بحزامٍ أمنيٍّ؟! إنّه لم يكن غيرَ ذلك الذي وقّت لساعةِ رفعِ الحصانةَ عنهم، وجعلَ منهم الحلقةَ الأضعف في حلبةِ الصراع.
بِحسبان أنّ المرحلة الآتيةَ تقتضي شخوصاً آخرين يجترحون العمليّة الاستبداديّةِ بمسوّغاتٍ شرعيّة ووطنيّة!!
رابعاً: ما مِن شيءٍ يدعو للمفاجأةِ في خبرِ وصولِ :»الإسلاميين» إلى السلطةِ، وظفرِهم بكلّ مقاعد الحكم، إذ إنّ: «أمريكا» هي مَن قد طرحت -وبصورةٍ ظاهرةٍ – قبل عقدٍ من الثورات أو يزيد بيسير، إمكانية إتاحة الفرصةِ لأن يلي أربابُ الإسلامِ المعتدِلِ إدارة دفة الحكم في المنطقةِ كلِّهَا.
وليس بخافٍ على أنّ التوصيف بـ: «الاعتدالِ» ها هنا، لا يمت بأدنى صلةٍ للفهوم الشرعيّةِ المعتبرةِ ديانةً، وإنما هو اعتدالٌ صِيغت مبادئهُ وفق فقهٍ أمريكيٍّ مرهونٍ بشروطٍ صنعتْهَا الدوائر الغربية وفقَ ما تقتضيه مصالحهم.
خامساً: حصدُ الأرقامِ، والتعاملِ معها بوصفها الدليل الأقوى، على إعلانِ التّفوق والتأهيلِ تالياً لاحتكار السلطةِ، قد يكون مخاضاً لبروزِ التناقضِ، وتوكيداً لانحرَافاتٍ الانقسامات، والتي قد تفضي بالضرورةِ إلى النكوصِ على العَقِبِ سياسياً.
وعلى أي حالٍ فإن بنيةَ مفهومِ الأكثريةِ، بنيةٌ هشّة ورِخوةٌ، قد تدفعُ -بداهةً- بمن يراهن عليها دوماً نحو الانزلاقِ في مهاوي الارتدادِ الفكري. وما يومُ تغيّر الجلود بفسخها عند كل مرحلةِ اقتراعٍ بسرٍّ.
سادساً: الأيديولوجية المُحرّضةُ على خطابٍ طُهرانيٍّ، إذ يُتلفّظُ بهِ بلهجةٍ مثاليةٍ، وبنبرةٍ اصطفائيةٍ لا تأنف بالمرّة مِن أنْ تستصحبَ معها منطقها الاستعدائيّ، وهذه الأيديولوجية بكلّ ما هي عليه من أوصافٍ، حينما تعلن هيمنتَها بقواها الحركيّةِ على العقلِ (السياسي) فستصبِحُ بالتّالي أكثر انكشافاً، وتشظّياً، ما يَشي بأنها تدفعُ بنفسها باتجاهِ الفشلِ، والسقوطِ المريعِ والمرعب.
سابعاً: تمخّض عن حالةِ الإرباك في ظلِّ مُناخِ ما بعد:»الثورات»، وبخاصةٍ في السّعي الدءوب نحو الاحتراب على السلطة، تمخّض عن هذه الحالةِ، ما يمكن نعته بمعركةِ مفاهيم تتشكّل مفاصلها بالتّسلط الأيديولوجي النّاجزِ، ما جعلَ هذا الأخير يخلق التباساً معجميّاً، لعلّ أدقَّ وصفٍ له أنّه عابث ٌوانتقائيٌّ، وهذا من شأنه أن يحجُبنا عن استثمارِ ما يحدث لصالحِ :»الإنسان» المغلوب على أمره! في المنطقة كلّها. وذلك بسببٍ من هذا اللبس المعجميّ، والذي بدوره سيفرزُ مفردات لمعانٍ أخرى: من القهرِ السياسيِّ، وسطوةِ غلبة الصناديق، واستبداديةِ تدفّق السلط، وتكاثرِ الزعامات.
ثامناً: نفتقر كثيراً للوعي -عمليّاً- بأنّ الرئيسَ الأمريكي -بصرفِ النّظر عن اسمهِ وتاريخِ حزبِه- إنما هو الصّنيعةُ المثاليّة! التي أنجزتها: أفكار وقيم ومصالح أمريكية راسخةُ في العقل: «الرئاسي» في إدارة البيت الأبيض، بمعنى أن المواقف الأمريكية من الشعوبِ الأخرى، وبخاصةٍ شعوب الجنوب بعامةٍ، ونحن على رأسِ القائمةِ، هو موقف واحدٌ قد اتخِذَ قبلاً، إذ ليس موكولاً للرئيس تَبِعة صناعةِ المواقفِ الكبرى، والمفصليّة.
تاسعاً: تَعاطي الحركات الإسلاميةِ للسياسيِّ، يَنِمُّ بأنّها لم تَسلم بعدُ من أدواءِ عاهاتِها المستديمةِ، وهي تلك العاهات التي كانت تشكوها من ذي قبل يومَ أنْ أورثتها الوَهَن، بينما ثمّة عاهاتٌ محتملة تنتظرها قريباً، وذلك بسببٍ من حراكها داخل منظومة: «السلطة» وهي في مرحلةِ عذريّتها سياسياً.
وبأيّ حالٍ، فلا جرمَ أنّ هذه العاهاتِ، واستفحالِها في جسدِ الحركاتِ، لا يدعو مطلقاً للتفاؤلِ، أو أنّنا نسير نحو الطّمأنينة لا على مستقبل تلك الحركاتِ ولا على مستقبلِنا العربي ونحنُ بمعيّتِها.
عاشراً: الغالبُ من الفاعلين إسلاميّاً، أو مِمّن يتعاطفون معهم -خارج بلادِ الثورات- قد تعجّلوا الرؤية للحدثِ، وبرؤيةٍ ألفينَا عمودها الفقريّ: «عاطفةً مشبوبةً» ومثل هذه الرؤيةِ عادةً ما يكونً من شأنِها، القضاء على الحسّ النقديّ، وتغييبِ القراءة السّننيةِ المتأنيّةِ، وحجب الرؤية التاريخيةِ، ولعل ما يسفر عن هذه المعايب، ما يُلحظُ مِن أمرِ اندفاعهم مِراراً بالتبشير بالمرحلة القادمةِ والحديث عنها في كل محفلٍ، بحالٍ من هيامٍ في غّيّ الحدث. ولكأنه لا يفصلنا عن الخلافة الراشدةِ غير بضعة أشهرٍ وأيام معدودة.

 

المصدر: الشرق السعودية

{jathumbnail off}

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...